كشفت صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية، عن أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان رفض رشوة سعودية من أجل إغلاق ملف مقتل الصحفي جمال خاشقجي الذي قتل داخل قنصلية بلاده في إسطنبول. وبحسب مصدر تركي مقرب من أردوغان، فإن الأمير السعودي خالد الفيصل، المبعوث الشخصي للعاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز، عرض على أردوغان مساعدات مالية واستثمارات لمساعدة الاقتصاد التركي المتعثر، وأيضا رفع الحصار عن دولة قطر، مقابل إغلاق ملف خاشقجي.
وأوضح المصدر التركي أن أردوغان رفض العرض بغضب ووصفه بـ”الرشوة السياسية”، على حد قول المصدر، مؤكدا أن الرئيس التركي مصمم على تحميل المسئولية للقيادات السعودية العليا، وتحديًدا ولي العهد محمد بن سلمان. وتابع المصدر “لقد رأت تركيا فائدة في تأجيل عرض الحقائق الخاصة باغتيال خاشقجي، حيث إنها تحولت إلى قضية دولية وما تبع ذلك من إلحاق أذى كبير بسمعة محمد بن سلمان”.

منافس شرس
من جهتها، رأت صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية أن قضية خاشقجي، باعتباره مقيمًا بالولايات المتحدة وكاتبا في صحيفة “واشنطن بوست”، إلى جانب تعامل السعوديين مع الفضيحة، “قدَّمت لأردوغان فرصة غير متوقعة لإلحاق الضرر بولي العهد، وهو حليفٌ ودود في العلن، لكنَّه منافس شرس في الخفاء”.
وأشارت الصحيفة إلى أن “الرئيس التركي قد يخاطر الآن باستعداء دولة تُعتبر من أغنى الدول وأكثرها نفوذا في المنطقة. لكنَّه قد يكون خلص إلى أنَّ فرصة توجيه ضربة في إطار صراع إقليمي أشمل أمرٌ جدير بالمخاطرة”، وبإمكان تركيا- إلى جانب اتخاذ الخطوات الدبلوماسية كقطع العلاقات أو تخفيض التمثيل الدبلوماسي- مقاضاة السعودية أمام المحكمة الدولية بتهمة انتهاك سيادتها من خلال تنفيذ عمل عدائي على أراضيها، استنادًا إلى القانون الدولي.
كما سيحقُّ لتركيا المطالبة بالأشخاص الـ15 السعوديين، وبينهم مسئولون، الذين دخلوا إلى أراضيها في أثناء وجود خاشقجي بالقنصلية لمحاكمتهم، والذين قالت الشرطة التركية إنهم من نفَّذ الجريمة، لا سيما أن لدى السلطات التركية صورهم بعد أن رصدت تحركاتهم منذ وصولهم إلى تركيا؛ ومن ثم إلى القنصلية ثم مغادرتهم.
وإذا ما اتخذت أنقرة هذه الخطوات ضد الرياض، فستكون غير مسبوقة، وسوف تزيد سمعة المملكة السعودية سوءا على ما هي عليه اليوم؛ بسبب حربها في اليمن وأزماتها الدبلوماسية مع ألمانيا وكندا ومحاصرتها قطر، فضلاً عن قمعها الممنهج للأصوات المعارضة.
من جهته قال الكاتب جوش روجين، في مقالٍ له بصحيفة “واشنطن بوست”، إنه إذا ظن ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، وأعوانه، أنهم سيكونون بمنأى عن المحاكم الدولية فهم واهمون، فهناك العديد من الطرق التي يمكن من خلالها معاقبة الزعيم السعودي والجناة الآخرين على جريمة قتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي، في مبنى القنصلية بإسطنبول.

محمد بن سلمان في القفص
وينقل الكاتب عن ستيفن راب، السفير السابق في وزارة الخارجية الأمريكية، قوله “إذا كانت التقارير دقيقة، فإن الأعمال التي جرت ضد السيد خاشقجي تشكّل انتهاكات خطيرة للقانون الدولي لحقوق الإنسان، والقانون الخاص بحماية الفرد من التعذيب والاختفاء القسري، التي تُعدّ من قضايا جرائم الحرب”.
وتابع راب: “البحث عن العدالة والمساءلة في مقتل خاشقجي لن يكون سهلاً، لكن هناك العديد من الآليات التي يجب اتّباعها لملاحقة ابن سلمان وأعوانه الذين نفّذوا الجريمة، ولعائلة خاشقجي الحق في إقامة دعوى في المحاكم المدنيّة، ويمكن لممثّلي الادعاء في العديد من البلدان توجيه تهم جنائية تستند إلى القانون الدولي”.
وأضاف السفير الأمريكي السابق: “هذا النوع من الأفعال يعطي حقوقا للضحايا وغيرهم لإثارة هذه القضية في الهيئات الدولية، وقد تفتح إمكانيات التقاضي الخاص، ويمكن أن تُرفع الدعوى في دولة ثالثة، ويمكن تقديم الملاحقات الجنائية ضد بن سلمان وغيره من المسئولين السعوديين تحت بند اتفاقيات الأمم المتحدة المناهضة للتعذيب”.
ومن خلال مبدأ الولاية القضائية العالمية، يمكن لأي دولة عضوة في هذه الاتفاقية، ومن ضمنها الولايات المتحدة، إحالة القضية إلى محكمة العدل الدولية، والسعي للحصول على أمر للسعودية لمقاضاة أو تسليم المتهمين، ومن الأمثلة الحديثة في ذلك؛ عندما رفعت بلجيكا دعوى ضد السنغال طالبت فيها بتسليم حسين هبر، الرئيس التشادي السابق؛ لمحاكمته في جرائم ضد الإنسانية.
ويقول الكاتب إن الولايات المتحدة وإدارة الرئيس دونالد ترامب، قاومتا مبدأ الاختصاص العالمي؛ خشية أن يواجه المسئولون الأمريكيون التهم، لكنّ بلدانا أخرى مثل ألمانيا، كانت أشدّ شراسة في مقاضاة جرائم مثل التعذيب والاختفاء القسري، بغضّ النظر عن مكان وقوعها.
سوء نية أمريكي
ولا تزال قضية الصحفي السعودي الراحل جمال خاشقجي تتصدر الأجندة العالمية، بعد أن أصبحت فضيحة عالمية؛ بسبب الطريقة البشعة التي قتل بها داخل حرم دبلوماسي، ويوما بعد يوم يضيق الخناق على ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، الذي تشير جميع الأدلة والقرائن إلى تدبيره استدراج واغتيال خاشقجي داخل قنصلية بلاده في إسطنبول يوم الثاني من أكتوبر الجاري.
لكن اللافت أن المخابرات الأمريكية كانت على علم بمخطط أمر به ابن سلمان نفسه ضد خاشقجي، من خلال رصد مسئولين أمريكيين اعترضوا محادثات لمسئولين سعوديين يخططون لاستدراجه من مقر إقامته في ولاية فرجينيا بالولايات المتحدة واعتقاله في إسطنبول، بحسب ما كشفت صحيفة “واشنطن بوست”، يوم 11 أكتوبر 2018، نقلا عن مسئولين أمريكيين لم تذكر أسماءهم، وهو الخبر الذي لم تقف عنده وسائل الإعلام كثيرا ومر مرور الكرام.
وبحسب الصحيفة، فإن خاشقجي الذي اختار الإقامة في الولايات المتحدة أبدى أمام العديد من أصدقائه تشكيكه في عروض قدمها له- بحسب التقرير- مسئولون سعوديون مقربون من ولي العهد، وعدوه بمناصب حكومية رفيعة في السعودية وبتأمين الحماية له، لكن المتحدّث باسم الخارجية الأمريكية، روبرت بالادينو، أكد أن بلاده لم تكن على علم مسبقا بأي مخاطر تهدد خاشقجي، إلا أنه في المقابل قال إنه لا يستطيع التكلم في “مسائل الاستخبارات”.