وداعا يا نيل مصر.. السيسي يتجه لشراء المياه من إثيوبيا!

- ‎فيتقارير

تبحث حكومة الدكتاتور عبدالفتاح السيسي في شراء المياه من إثيوبيا بدلا من التكلفة الضخمة لإنشاء مئات من محطات تحلية المياه ومعالجتها؛ وبحسب محللين ومراقبين فإن التفكير بهذه الطريقة يعني أعظم هزيمة في تاريخ مصر كله؛ فلا نيل بعد اليوم، بعدما تمكنت إثيوبيا من تحويله إلى بحيرة إثيوبية والتحكم في المياه وتحويلها إلى سلعة.

وكان مسئول فني على صلة بملف أزمة سد النهضة قد كشف أن هناك تفكيرا رسميا داخل النظام حول سيناريو شراء المياه من أديس أبابا في الوقت الذي رفضت فيه أجهزته المخابراتية والأمنية المشرفة على تنظيم "الحوار الشكلي" طرح الموضوع الأخطر والأهم بالنسبة للأمن القومي المصري على طاولة النقاش والحوار.

وأوضح المصدر بحسب صحيفة "العربي الجديد" اللندنية أنه تم إعداد رؤية شاملة بمشاركة من جهات معنية عدة، كان من بين سيناريوهاتها، فكرة شراء المياه من إثيوبيا، ضمن الحلول المقترحة على المدى الطويل، وإعداد تصورات واضحة بحجم التكلفة الخاصة بمثل تلك الخطوة، مقارنة بعملية تحلية المياه من أجل أغراض الشرب، بخلاف التكلفة الخاصة بعمليات إعادة تدوير مياه الصرف الزراعي للاستخدامات الخاصة بالري".

وتستعد أديس  أبابا للملء الثالث لبحيرة السد مطلع يوليو المقبل "2022" وسط توقعات بأنه سيكون أكبر من الملئين الأول والثاني، فيما لا تبدو هناك أي مؤشرات على تحركات مصرية إزاء إصرار أديس أبابا في هذا الصدد.

وتسود حالة من الغضب الشعبي العارم بين المصريين في أعقاب تصريحات السيسي خلال المعرض والمؤتمر الطبي الأفريقي الأول، الذي انعقد أخيراً بمنتجع شرم الشيخ الساحلي، والتي اعتبرت إعلانا للهزيمة أمام أثيوبيا حيث استبعد السيسي الحلول العسكرية للمشكلة من أجل الحفاظ على حصة مصر من مياه النيل؛ حيث قال السيسي  "لم ندخل في صراع مع أشقائنا الأفارقة من أجل زيادة هذه الحصة، عملنا على تعظيم مواردنا والحفاظ على كل قطرة مياه، من دون مبالغة، من أجل مواجهة التحدي، وهو فرصة وليس عائقاً، لذا عملنا على برامج لمعالجة المياه معالجة ثلاثية متطورة". ويعزو نفر من المحللين أسباب نبرة الانهزامية في حديث السيسي إلى تراجع الدعم الأمريكي الأوروبي أخيرا للموقف المصري في ظل نجاح الدبلوماسية الإثيوبية في إقناع هذه الدول بصحة موقفها.

وعادة ما يتهم السيسي ثورة يناير بالتسبب في أزمة سد النهضة؛ لكن الحقائق تؤكد أن هذه مغالطات يعمل النظام على ترويجها للتغطية على فشله في حل المشكلة التي تهدد الأمن القومي في الصميم؛ فعلى الرغم من أن الإعلان عن بناء سد النهضة بدأ في أبريل 2011، بعد اندلاع ثورة يناير، إلا أن الخطط الإثيوبية وتصميمات السد والدراسات المتعلقة به بدأت قبل ذلك بسنوات. كما أن المجلس العسكري، الذي كان السيسي أحد أبرز أعضائه، هو من يحكم مصر في ذلك الوقت ولمدة عام ونصف حتى منتصف 2012م. وخلال هذه الفترة الانتقالية انشغل المجلس العسكري وباقي مؤسسات الدولة التي تسيطر عليها مافيا الدولة العميقة الموازية وغير المنتخبة (الجيش ــ المخابرات ــ أمن الدولة ـ القضاء ـ الإعلام) بكيفية إفشال الثورة واسترداد نفوذهم بدلا من حماية حقوق مصر المائية وحدودها ومكانتها الإستراتيجية، وهو ما تكلل بانقلاب 3 يوليو 2013م.

السيسي هو المتهم الأول في ضياع النيل، فانقلابه على الرئيس المنتخب محمد مرسي في يوليو 2013م أضعف الموقف المصري  بشكل عام وفي أزمة سد النهضة مع أثيوبيا بشكل خاص؛ حيث جرى تعليق عضوية مصر في الإتحاد الإفريقي بعد الانقلاب بيومين (5 يوليو 2013م)بسبب انتزاع السلطة بشكل غير دستوري "انقلاب عسكري"، وهو الإجراء الذي وظفته أديس أبابا لصالحها لاحقا؛ حيث ساومت السيسي وابتزته ليعترف بالسد مقابل الاعتراف بشرعية انقلابه من جانب الاتحاد الإفريقي وعودة مصر إلى الاتحاد مرة أخرى. وهو ما جرى بالفعل في 17 يونيو 2014م بعد تنصيب السيسي بمسرحية انتخابية نافسته فيها الأصوات الباطلة؛ وفي 23 مارس 2015م وقَّع السيسي اتفاق المبادئ مع أثيوبيا والسودان معترفا بشرعية السد؛ ما يبرهن على أن السيسي منح الأولية لأطماعه في السلطة على حساب مصر وشعبها وحقوقها المائية.

الأمر الآخر، أن اللجنة الدولية لتقييم الدراسات الإثيوبية لسد النهضة والتي جرى التوافق عليها بين الدول الثلاث في 29 نوفمبر 2011م،  وكانت تضم خبيرين من كل دولة(مصر ـ السودان ـإثيوبيا) وأربعة خبراء أجانب محايدين، ومتخصصين في مجالات هندسة السدود والموارد المائية، وتأثيرات السدود على الحياة الاقتصادية والاجتماعية والبيئية. وهي اللجنة التي بدأت عملها في مايو 2012، وأنجزت تقريرها النهائي في 31 مايو 2013م،  كشف التقرير النهائي الذي أصدرته عن وجود سلبيات خطيرة في التصميمات الإنشائية، وقالت اللجنة إن التصميمات الإنشائية التى قدمتها إثيوبيا عن السد هي تصميمات أولية وسطحية، ولا تختص بالمشروع نفسه ولا موقعه الحالي، ولا ترقى لمستوى الدراسات المطلوبة لسد بهذا الحجم الضخم، وأن بعض هذه الدراسات قد وضعت بعد البدء في بناء السد وأثناء عمل اللجنة. وأثبت التقرير أن حكومة إثيوبيا تخفي كثيرا من المعلومات الحيوية عن السد وتتعامل معها بسرية تامة، وأوصى الخبراء بضرورة وضع تصميمات جديدة للسد، وإتاحة كل المعلومات المتعلقة ببناء السد، وإجراء دراسات إنشائية وبيئية واقتصادية جادة وحديثة، وقد أقرت إثيوبيا بما ورد في التقرير، ووقّع الخبيران الإثيوبيان عليه كاملًا.

في اعقاب الانقلاب مباشرة تنازل السيسي عن وجود الخبراء الأجانب في اللجنة استجابة لضغوط أديس أبابا؛ الأمر الذي فرغ اللجنة من قيمتها لوجود خبراء أجانب محايدين. لكن الأكثر خطورة أنه بناء على تقرير هذه اللجنة أصدر كل من الاتحاد الأوروبي وروسيا والصين والبنك الدولي في 23 أبريل 2014م قرارا مفاجئا بوقف تمويل السد الإثيوبي، على اعتبار أن هذا الاستثمار غير آمن لوجود خلافات مع دولتي المصب -مصر والسودان- وهو الأمر الذي أربك القيادة الإثيوبية إلى أبعد حد، وتوقف العمل تماماً في العمليات التمهيدية للبناء، وفي ذلك الحين أكدت وزارة الري المصرية في تعليقها: أن وزارة الخارجية خاضت معركة دبلوماسية شاقة من أجل استصدار هذا القرار، وإقناع هذه الدول والبنك الدولي بوقف تمويل السد، لما سيوقعه من أضرار جسيمة على مصر، وبالفعل تم تجميد قروض دولية بقيمة ٣،٧ مليار دولار. وكان ذلك يعني أن أثيوبيا فقدت الكثير من قدرتها على استكمال بناء السد حتى فاجأ السيسي الجميع بالتوقيع على اتفاق المبادئ الذي منح السد المشروعية القانونية ومنح أديس أبابا القدرة على الحصول على تمويلات ضخمة لبناء السد.

الخلاصة أن السيسي هو الذي منح أثيوبيا نهر النيل هدية مجانية من أجل أطماعه في السلطة والحصول على شرعية الاتحاد الأفريقي لنظامه الانقلابي؛ فهل عرفتم حجم الكارثية التي تسبب فيها السيسي وانقلابه المشئوم على مصر وشعبها وحقوقها المائية وأمنها القومي؟! فالرئيس الشهيد الدكتور محمد مرسي لم يمنح إثيوبيا موافقة مصر دون قيد أو شرط على بناء سد النهضة، لكن الذي فعل ذلك هو السيسي بالتوقيع على  اتفاق المبادئ المشئوم في مارس 2015م بالعاصمة السودانية الخرطوم!