ماذا يبقى للمصريين إذا سكتوا عن مخططات السفاح السيسي؟

- ‎فيتقارير

"ماهو إحنا لو سكتنا على السيسي أكتر من كده مش هيفضلنا حاجة في كتاب الجغرافيا نتفشخر بيها قدام العالم غير الكباري" تلك العبارة باتت تتردد بين المصريين في المواصلات وفي مجالسهم العامة والخاصة، بل وفي أحلك الكوابيس التي تروادهم، المفارقة أنه بعد تصاعدت الأزمة الاقتصادية، واقتراب مصر من شبح الإفلاس وغرق الشعب في الفقر،  يجد المصريون أنفسهم أمام عصابة عسكرية نجحت بامتياز في إفقار الشعب المصري، وإغراقه في وحل العوز، في حين أن هذه العصابة تغرق في البذخ وعيشة الثراء.

بينما يعيش أكثر من 9 ملايين طفل تحت خط الفقر، ونصف الشعب تقريبا يعيشون على هياكل وأرجل الدجاج، بسبب ارتفاع أسعار الدواجن والسلع الأساسية، بجانب أن قرابة 80% من الفقراء لا تصلهم خدمات الدعم أو التأمين الاجتماعي، مع احتلال مصر المرتبة الثالثة لارتفاع معدلات الجريمة بسبب انتشار الفقر والبطالة، وارتفاع معدلات الانتحار بين الشباب بسبب الأزمات النفسية الناجمة عن الأزمات المادية.

 

الاستثناء

في تقرير عن علاقة صندوق النقد الدولي بالأوضاع الاقتصادية في مصر، ذكر أن الأسرة كاملة التي يصل إنفاقها 4160 شهريا لا تزيد على7% فقط، ذلك المبلغ كاف بالكاد لتطفو أسرة فوق سطح الطبقة الوسطى، وهذا هو الاستثناء، أما باقي المصريين ففي الفقر أو على الحافة.

وفي شريحة أفقر 10% من المصريين ينفق الفرد سنويا 3332 جنيها أي 277 جنيها شهريا، وارتفعت نسبة الفقراء إلى 27.8% عام 2015، مقابل 26.3% في 2013.

وهذا يعني أن محدودي الدخل سيزداد وضعهم سوءا وسيزداد حجم تلك الفئة، حيث تشير الإحصائيات الرسمية إلى أن 1.5 مليون أسرة سقطت تحت خط الفقر في 2015 فقط، كما أنه مع كبر حجم تلك الطبقة وارتفاع الأسعار بشكل جنوني يفوق عدة مرات مستوى الزيادة في الأجور، فإن تلك الطبقة تتجه بمرور الوقت من درجة الفقر إلى مستوى الفقر المدقع.

يصف السياسي والمؤرخ البريطاني ألفريد بلنت حال المصريين في السنوات الأخيرة من حكم إسماعيل، وما جرته عليهم سياسته المالية ومديونياته التي تحمّلها المصريون من كدهم وتعبهم قائلا  "كان الفلاحون في ذلك الوقت في أشد حالات الضنك، وكان هذا هو العام الأول من الأعوام الثلاثة الأخيرة المروّعة في حكم إسماعيل، وكان المفتش إسماعيل صديق وزير المالية وصديق الخديو إسماعيل، لا يزال في أوج عزّه وحملة القراطيس (السندات) الأجانب يجأرون ، مطالبين بدفع الأقساط، والمجاعة على أبواب الفلاحين".

ويضيف ألفريد بلنت "وكان من الأمور النادرة في تلك الأيام أن يرى الإنسان شخصا في الحقول وعلى رأسه عمامة أو على ظهره شيء أكثر من قميص، وحتى في ضواحي القاهرة وبالأكثر في الفيوم، وغصّت مدن الأرياف في أيام الأسواق بالنساء اللاتي أتين لبيع ملابسهن وحُليهن الفضية للمُرابين الأروام لأن جامعي الضرائب كانوا في قراهن والكرباج مُشهر في أيديهم، فابتعنا مصوغاتهن الزهيدة وأصغينا إلى قصصهن واشتركنا معهن في استنزال اللعنات على الحكومة التي جعلتهن عرايا".

تبدو تلك الحالة من الفقر المدقع الذي أصاب المصريين في سنوات حكم إسماعيل مخيمة على عصر السفاح السيسي، ففي تقريره "التحديات أمام الاقتصاد المصري" يرى برندان ميجان أن واحدة من أخطر العقبات التي تواجه هذا الاقتصاد تتمثل في في التراكم السريع للديون، لا سيما الديون بالعملات الأجنبية؛ فوفقا لتقديرات صندوق النقد الدولي، بلغ مجموع معدل الديون إلى إجمالي الناتج المحلي في مصر، الذي يشمل الديون بالعملة المحلية والعملات الأجنبية على السواء، 101.2%.

على أن زيادة أسعار الوقود الأخيرة والتي سيترتب عليها زيادة أسعار خدمات النقل والمواصلات والأدوية والأطعمة والأشربة، وستؤدي إلى نتائج أسوأ على المستوى الاقتصادي للمصريين ولقدرتهم الشرائية التي لن يتحملها ملايين منهم، ما يعني كساد النظام الاقتصادي وارتفاع معدلات البطالة والفقر، وهي الحالة التي تشبه ما ذكره البريطاني ألفريد بلنت عن المصريين في عصر الخديو إسماعيل الذي أغرق مصر في الديون ، وكان سببا رئيسا في احتلال بريطانيا مصر في عهد خلفه توفيق.

 

أين أموال الدعم؟

وبدلا من أن تدعم عصابة العسكر الفقراء والأرامل والمطلقات بالمليارات التي توفرت للخزانة العامة من زيادة أسعار الوقود 5 مرات خلال 7 سنوات، راحت تنفقها في مشروعات لا تعود بالنفع على الموطن، علما بأن هذه الوفورات التي تحققت من زيادة أسعار البنزين والسولار بلغت قيمتها 35.5 مليار جنيه في آخر عام مالي، فما بالنا بما تحقق منذ زيادة كل الأسعار بدءا من العام 2014.

ولم توجه عصابة العسكر المليارات التي تم توفيرها من زيادة فواتير الكهرباء والمياه والرسوم الحكومية لإقامة مدارس وجامعات ومستشفيات، بل راحت توجه هذه المليارات لإقامة مزيد من القصور الرئاسية في العاصمة الإدارية الجديدة والعلمين وغيرها، وهو ما اعترف به المقاول والفنان محمد علي في فيديوهاته الأخيرة.

وكأن فقراء مصر يحتاجون قصورا واستراحات رئاسية ودار أوبرا ومقار جديدة لمجلس الوزراء أكثر من حاجتهم إلى الغذاء والدواء والمسكن.

وبدلا من أن يستفيد المصريون من ثروات بلادهم وأبرزها حقل ظهر الذي يعد أكبر حقل لإنتاج الغاز في منطقة شرق المتوسط فوجئوا بالسفاح السيسي يرفع سعر فاتورة أنبوبة غاز الطهي إلى معدلات قياسية، وتصعب الحياة على ملايين الأسر الفقيرة، بل ويبرم اتفاقا طويل الأجل لاستيراد الغاز الطبيعي من إسرائيل بقيمة 15 مليارا ولمدة 10 سنوات، وهو ما يصب في مصلحة الخزانة الإسرائيلية لا صالح الخزانة المصرية.

لقد دفعت سياسات السفاح السيسي المصريين إلى فقدان الأمل في أي إصلاح اقتصادي أو سياسي، وباتت النجاحات الاقتصادية التي تعلنها الحكومة على الورق فقط وفي البيانات الرسمية.

أما المواطن فحاله لا يحسد عليه لأنه وصل إلى قناعة هي أنه لا خفض للأسعار أو زيادات حقيقية في الدخول، ولا مستقبل له في حياة كريمة، ولا أمل في الحصول على فرصة عمل أو فتح المصانع المغلقة منذ سنوات.

ولا أمل كذلك في الاستفادة من ثروات بلاده، أو في الحصول على غاز رخيص رغم امتلاك البلاد أكبر حقل غاز في البحر المتوسط، ولا أمل في رعاية صحية أو تعليم.

لقد أسودت الدنيا أمام المواطن على كل المستويات الاقتصادية والمعيشية والسياسية والاجتماعية، وانتشر الفساد، وسيطرت طبقة محدودة على ثروات البلاد.

ومن هنا لا مفر من خروج المصريين ثانية إلى الشوارع ليطالبوا مجددا بالعيش والحرية والعدالة الاجتماعية، وهي نفس الشعارات التي رفعها المصريون في ثورة 25 يناير 2011.