فساد ب 650 مليون جنيه في “ممشى أهل مصر”: نموذج متكرر لمشروعات العسكر التي تتضخم تكلفتها في غياب الرقابة ؟

- ‎فيتقارير

 

في حلقة جديدة من مسلسل الإهدار والفساد الذي يلاحق المشروعات التي تُدار تحت مظلة المؤسسة العسكرية، كشفت تحقيقات نيابة الأموال العامة عن مخالفات مالية وإدارية جسيمة بقيمة 650 مليون جنيه في مشروع ممشى أهل مصر، بعد أن أحال مجلس النواب ملفاً كاملاً عقب مطالبات عاجلة من بعض النواب.

 

ورغم أن المشروع لا يتجاوز خمسة كيلومترات على ضفاف النيل، فإن حجم المخالفات الوارد في المستندات – التي تقدم بها النائب محمد عبد الرحمن راضي وآخرون – يعكس نمطاً معتاداً في مشروعات تُدار “تحت الترابيزة”، حيث تتضخم التكاليف لأضعاف قيمتها، في ظل خوف الأجهزة الرقابية من الاقتراب أو حتى التعليق على مشروعات يشرف عليها رجال من الجيش، ما يحول أي مشروع إلى ساحة مفتوحة للهدر بلا محاسبة.

 

فساد مالي.. عقود مشبوهة.. واستغلال للمال العام

 

المستندات تكشف تورط جهات الإشراف في:

 

منح عقود إدارة وتشغيل للمرحلة الأولى على أسس غير واضحة.

 

تأخر توريد مستحقات مالية للدولة.

 

استغلال مساحات عامة لتحقيق أرباح خاصة.

 

عقود إيجار لم تُسدَّد عوائدها في مواعيدها.

 

تركيب لوحات إعلانية وبوابات ومنشآت من دون أي تراخيص أو التزام بالاشتراطات.

 

وما زاد الطين بلة هو تحويل أجزاء واسعة من الممشى إلى مطاعم وأنشطة تجارية بلا دراسات فنية، ما أدى إلى تحميل شبكات الصرف فوق طاقتها وصرف مياه ملوثة مباشرة في النيل، إضافة إلى استضافة عائمات سياحية بالمخالفة للتصميمات.

 

من مشروع عام إلى استثمار مغلق

 

ورغم أن المشروع رُوّج له كمتنفس حضاري مجاني للمواطنين، انتهى عملياً إلى مشروع تجاري مغلق يخدم فئة محدودة، بينما تحولت المساحات العامة إلى ملكيات خاصة تُدار بمنطق “أرباح الشلة”، لا بمنطق خدمة الناس أو الحفاظ على البيئة النيلية.

 

غياب الشفافية.. سِمة ثابتة للمشروعات العسكرية

 

قضية “ممشى أهل مصر” ليست استثناءً، بل حلقة ضمن سلسلة طويلة من المشروعات التي تُدار بعيداً عن أعين الأجهزة الرقابية، حيث:

 

لا يُسمح للرقابة الإدارية أو الجهاز المركزي للمحاسبات بالتفتيش الكامل.

 

لا تُعلن التكلفة الفعلية للمشروعات، ولا آلية إسناد العقود.

 

تُصادر آراء المهندسين والمسؤولين المدنيين الذين يخشون الاعتراض حتى لا يُتهموا بإعاقة “مشروعات الدولة”.

 

وبذلك تصبح النتيجة متوقعة: مشروعات مرتفعة التكلفة، منخفضة الكفاءة، بلا محاسبة.

 

تحقيقات شكلية أم خطوة نادرة؟

 

مع بدء النيابة فحص التقارير الرقابية تمهيداً لاستدعاء المتورطين، يتساءل مراقبون عما إذا كان التحقيق سيمتد فعلاً إلى جذور الفساد، أم يقتصر على بعض “كبش فداء” من صغار الموظفين، بينما يبقى الكبار في مأمن كالمعتاد.

 

في نهاية المطاف، يبقى ملف “ممشى أهل مصر” دليلاً جديداً على أن غياب الحوكمة، والخوف من الرقابة، واحتكار المؤسسة العسكرية لمفاصل الاقتصاد هو ما يجعل أي مشروع تُشرف عليه يتكلف أضعاف قيمته الفعلية، ويُفتح الباب على مصراعيه للنهب، بينما يُسوق للمواطنين على أنه “إنجاز قومي”.