مراكز الصحة النفسية وعلاج الإدمان انتشرت فى زمن الانقلاب بصورة وبائية وأغلبها يعمل بدون ترخيص ويرتكب تجاوزات لا تعد ولا تحصى فى حق المريض وأحيانا تلفق تقارير طبية تصدر على أساسها المحاكم أحكاما قضائية ظالمة
هكذا أصبحت منظومة الصحة النفسية فى زمن الانقلاب مليئة بالثغرات، بسبب غياب الرقابة ..التقارير الطبية تُفبرك، والأدوية تُصرف بشكل عشوائي لإبقاء المحتجز في حالة من التشتت والنعاس، والأسوأ أن بعض الأطباء يتواطئون لحماية بعضهم البعض من أي مساءلة قانونية، ليصبح من الصعب إثبات أي خطأ أو تجاوز .
كما أن القانون ، رقم 71 لسنة 2009 بشأن رعاية المريض النفسي، يفتح الباب للتلاعب؛ إذ يكفي أن يوقّع قريب من الدرجة الأولى على بلاغ بدعوى أن المريض “في حالة هياج” ليُسجل الدخول تحت بند “الطوارئ”، ومن ثم يُحتجز قسرًا، كما أن بعض الأدوية النفسية الموصوفة، مثل “الديباكين”، تُعطى بشكل روتيني ولها آثار جانبية خطيرة على المزاج والسلوك، ما يرسّخ الصورة الزائفة عن المريض.
3 طرق
فى هذا السياق قال الدكتور أيمن عطية، المستشار القانوني الطبي المتخصص في أخلاقيات المهنة ان المرضى النفسيين يدخلون إلى منشآت الصحة النفسية وعلاج الإدمان، عبر ثلاث طرق: الدخول الاختياري، والدخول الإلزامي، والدخول بحكم القانون، ويخضع كل منها لشروط نص عليها قانون رعاية المريض النفسي رقم 71 لسنة 2009 .
وأضاف عطية فى تصريحات صحفية : الدخول الاختياري يكون بإرادة المريض نفسه، أما الإلزامي فلا يجوز إلا إذا شكّل الشخص خطرًا وشيكًا على المجتمع أو على نفسه، كوجود ميول انتحارية أو عدوانية، على أن يتم ذلك وفق تقرير طبي معتمد من جهة رسمية، وليس بناءً على رغبة الأهل.
وأوضح أن القانون لم يترك تعريف المريض النفسي على إطلاقه، بل فرّق بين الحالات المرضية المختلفة؛ فهناك المريض العدواني الذي قد يشكل تهديدًا للآخرين، وهناك من يكون خطرًا على نفسه فقط، مثل محاولات الانتحار نتيجة الاكتئاب، وهناك أمراض نفسية أخرى لا تشكل أي خطر.
وشدد عطية على أن أي شخص يُدّعى مرضه النفسي بشكل كيدي يمكنه التوجه إلى مستشفى حكومي متخصص، مثل العباسية، والحصول على تقرير رسمي يثبت سلامته العقلية والنفسية، بل يمكنه أحيانًا اللجوء إلى طرق غير مباشرة، كطلب شهادة طبية تفيد لياقته للعمل في وظيفة معينة، وهو ما يعدّ بمثابة إثبات سلامته، مؤكدا أن هذا المسار القانوني يُعد الضمانة الأساسية لمواجهة تقارير غير دقيقة أو مضللة تصدر عن بعض المصحات الخاصة .
وأكد أن قيام المراكز أو المصحات الخاصة غير المرخصة بإصدار تقارير تفيد بمرض أشخاص أصحاء، يشكل انتهاكًا صريحًا للقانون، مشيرًا إلى أن قطاع الصحة النفسية من أخطر المجالات وأكثرها حساسية، نظرًا لإمكانية استغلاله في قضايا جنائية عبر ادعاء الجنون للإفلات من العقوبة.
وأعرب عطية عن أسفه لأن الرقابة على هذه المراكز ضعيفة، فلا تتم مساءلة إدارتها إلا إذا تقدم أحد بشكوى رسمية، تتدخل على إثرها جهات مثل النيابة العامة أو المجلس القومي للصحة النفسية .
دائرة المودَعين
وقال الدكتور محمود فؤاد، رئيس جمعية الحق في الدواء وعضو مجلس الإدارة السابق بمستشفى الخانكة للصحة النفسية، إن كبرى مستشفيات الصحة النفسية وعلاج الإدمان، الحكومية مثل: الخانكة والعباسية، تضم قسمًا خاصًا بالمحكوم عليهم جنائيًا، يُعرف بـ”دائرة المودَعين”، يضم مرضى صدرت بحقهم أحكام قضائية، ويوضعون تحت الملاحظة لفترات قد تمتد من عام إلى عامين. وتخضع حالاتهم لمراجعة دورية من لجان مشتركة تضم وزارتي العدل والصحة بحكومة الانقلاب والمجلس العام للصحة النفسية، لتقييم استجابتهم للعلاج أو ثبوت إصابتهم بأمراض مزمنة ميئوس منها.
وأكد فؤاد فى تصريحات صحفية أن هذا القسم يخضع لحراسة مشددة من وزارة داخلية الانقلاب، ولا يسمح بالدخول إليه إلا بتصريح أمني.
وأشار إلى أن هناك قسمًا آخر مخصصًا للمحكوم عليهم، يقع في أبعد جزء من المستشفى تخضع ولايته بالكامل لوزارتي العدل والداخلية بحكومة الانقلاب بينما تقتصر مهمة وزارة صحة الانقلاب على الفحص الطبي الدوري كل ثلاثة أو ستة أشهر، موضحًا أن اعتقاد البعض بأن حكم القاضي بإيداع المتهم مستشفى الأمراض العقلية يعني خروجه بعد العلاج هو أمر غير صحيح، إذ يظل المحكوم عليه يقضي مدة عقوبته كاملة داخل المستشفى وعند تحسن حالته، يعاد إلى السجن لاستكمال المدة المتبقية.
عائلات ذات نفوذ
وأوضح فؤاد أن المشكلة الحقيقية تظهر في النزاعات العائلية الكيدية، إذ قد تسعى بعض الأسر إلى استغلال ثغرات القانون لإبعاد أحد أفرادها عن الميراث أو التهرب من المسئولية الجنائية عبر إدخاله إلى مصحة نفسية والتلاعب بالتقارير الطبية، مؤكدا أن هذا يحدث غالبًا في قضايا كبرى تخص عائلات ذات نفوذ اجتماعي، حيث يتم استخدام النفوذ والفساد للتأثير على مسار القضايا .
وبالنسبة للمصحات الخاصة، كشف أن هذه المؤسسات تعاني من مشكلات كبيرة لغياب بروتوكولات علاجية واضحة، خصوصًا في مجال علاج الإدمان، موضحًا أن الكثير منها يعمل بتراخيص شكلية عبر استئجار أسماء أطباء مقابل مبالغ مالية شهرية، بينما يتولى العاملون إدارة المركز بطرق غير مهنية، تصل أحيانًا إلى مجاملة بعض الأسر، وإعطاء المرضى أدوية منومة أو مهدئات بجرعات عالية لإبقائهم تحت السيطرة، ما يسبب أضرارًا جسدية ونفسية جسيمة.
وأكد فؤاد أن هذه المصحات لا تلتزم بإجراءات الدخول الإلزامي المنصوص عليها في القانون، والتي تقتضي تحرير محضر شرطة يثبت أن المريض يشكل خطرًا على نفسه أو على المجتمع، قبل إدخاله المستشفى مشددا على أن أي إدخال يتم دون هذه الخطوة يفتقد للشرعية ويعكس ثغرات في الرقابة على القطاع الخاص .