معركة (الكاتل): التقشّف على الموظفين .. ونوادي “المسلحة” تنضم لعاصمة السيسي في “البحبحة”

- ‎فيتقارير

 

في مشهد يبدو أقرب إلى الكوميديا السوداء منه إلى سياسة دولة، تحوّلت غلايات الشاي أو الكاتل إلى العدو الأول لوزارة الكهرباء، بينما تظل إضاءة النوادي العسكرية، والمباني الحكومية العملاقة، والعاصمة الإدارية الجديدة تعمل بكامل طاقتها دون أن يجرؤ أحد على الاقتراب منها.

وبينما تُفرض إجراءات تقشفية صارمة على الموظفين البسطاء، تُدار معركة شرسة ضد “الكاتل”، وكأن الأزمة الكهربائية في مصر سببها كوب شاي في مكتب حكومي، لا مشروعات عملاقة تلتهم الطاقة بلا حساب.

 

بدأت القصة حين أعلنت وزارة الكهرباء تنفيذ حملات تفتيش مفاجئة داخل إدارات شركة شمال القاهرة، أسفرت عن “ضبط ومصادرة سخانات وغلايات” داخل المكاتب، مع التشديد على منع استخدام الأجهزة كثيفة الاستهلاك.

وتبنى الأذرع معركة الكاتل ومنهم عمرو أديب الذي دخل على الخط قائلاً: “بحيي وزارة الكهرباء، وبطلب من كل الوزارات تلم كاتلات المياه الكهرباء، ده بريطانيا خلت الشغل 3 أيام بس”، ثم أضاف في برنامجه أن الحملة ضبطت “كمية مرعبة من غلايات الشاي”، مؤكداً أن الموظف المصري لا يفارق الكاتل وكوب الشاي الفتلة طوال اليوم، وأن الاستهلاك الكبير للكهرباء داخل المصالح الحكومية تتحمله الدولة.

 

لكن تصريحات أديب لم تمر مرور الكرام، إذ اعتبرها كثيرون محاولة لتبرير إجراءات تقشفية تستهدف المواطن وحده، بينما لا تقترب من الجهات التي تستهلك الطاقة بكثافة، مثل النوادي التابعة للقوات المسلحة، والمباني الحكومية الضخمة، والمشروعات الجديدة التي تظل مضاءة طوال الليل، وهنا بدأ سيل التعليقات الساخرة والغاضبة على مواقع التواصل.

 

وعلق "أشرف موسى" بمنشور على فيسبوك يروي فيه ذكرياته داخل معهد الطب العسكري عام 2001، حين كانت حملات التفتيش على “كاتلات الشاي” جزءاً من الانضباط العسكري، لكنه أشار إلى أن المنع كان لأسباب تتعلق بالسلامة ومنع الحرائق، وليس بسبب أزمة كهرباء.

وروى قصصاً طريفة عن ضباط حاولوا إخفاء الكاتل داخل أصيص زرع أو داخل مصباح كهربائي فارغ، في مشهد يعكس أن “معركة الكاتل” ليست جديدة، لكنها اليوم تُستخدم كرمز لأزمة أكبر.

 

أما المستشار محمد فتحي سلام فكتب بسخرية: “وزارة الكهرباء قررت تعمل حملة مفاجئة… والضحية؟ الكاتل المسكين. مفيش شاي على حساب الدولة تاني!”.

وأضاف: “ربنا يستر وما نشوفش قرار بمنع السكر كمان”، منشوره انتشر على نطاق واسع لأنه لخص شعور الناس بأن الحكومة تتعامل مع الأزمة بطريقة سطحية، تستهدف التفاصيل الصغيرة وتتجاهل جذور المشكلة.

 

وعلى منصة X، كتبت صفحة  @Mozawlat تعليقاً ساخراً: “مدام سماح اللي في التالت ممسوكة في كاتل”.

بينما ردت ندى@samahnasse761 على تعليق آخر قائلة: “في المدارس كل حجرة مدرسين عندهم كاتل… اضرب في عدد المدارس”. هذا يعكس أن “الكاتل” ليس رفاهية، بل وسيلة أساسية للموظفين في بيئة عمل مرهقة.

 

وأضاف أحمد @ahgypt بعدا آخر في السخرية قائلاً: “الإدارة العامة لمكافحة الكاتل تصدر تقريرها السنوي… وفر 20 مليون دولار شهرياً".

بينما كتب الأكاديمي محمد فؤاد@MAFouad  تعليقا اقتصادياً ساخراً: “80 مليون جنيه توفير في يومين = 14.6 مليار في السنة… يعني 2% توفير! Penny wise… Pound foolish".

دولة أمام كاتل

لكن أكثر التعليقات انتشاراً كان من حساب الباحث محمد حبيب@BeboFinance2021 الذي كتب ساخرا "“في ضربة أمنية غير مسبوقة، الدولة نزلت بكل هيبتها عشان تمسك الكاتل والغلاية، مش في إنتاج طاقة… ولا حل أزمة… لكن في ضبط سخانات داخل إدارات شركة شمال القاهرة”. وأضاف: “إدارة الأزمة = مصادرة الكاتل… مش إصلاح منظومة الطاقة”.

وأضاف "الدولة نزلت بكل هيبتها وسيادتها عشان تمسك #الكاتل و #الغلاية، وكأن الأزمة الكهربائية في مصر سببها الموظف اللي بيسخّن كوباية شاي في المكتب. حملات تفتيش مفاجئة، مصادرة أجهزة “كثيفة الاستهلاك”، وتعليمات صارمة بمنع استخدامها، والرسالة واضحة: “مش هنسيبك تسخّن مية في الشغل… وفر وخلاص.”

وتابع: اقتصادياً، المشهد بيقول: إن "الدولة اللي مش قادرة توفر كهرباء كفاية، بدل ما تزود الإنتاج أو تحسّن الكفاءة، قررت تحارب السخان والغلاية"، يعني بدل ما المشكلة تتحل من فوق، بتتحل من تحت، وعلى حساب الموظف العادي، اللي بقى هو الحل الدائم لكل أزمة.

واعتبر أن الأجمل إن إدارة الأزمة بقت معناها: “اقفل النور… وامنع الغلاية… والدنيا تبقى تمام.”   مش إصلاح منظومة الطاقة، ولا زيادة استثمارات، ولا تحسين بنية تحتية.

وسخر مما يقال "وفي النهاية، يطلع حد يقول: “الدنيا مستقرة ومفيش أزمة.”   أيوه… مستقرة جداً… طالما #الغلاية_متصادرة.".

 

من ناحية أخرى، كتب Mahmoud Ali منشوراً غاضباً: هو يعني إيه القرار ده؟ هل كل المصالح الحكومية فيها غاز طبيعي؟ وهل أنبوبة الغاز اللي داخلة على 400 جنيه قليلة؟ هل مطلوب من الموظف يملى السبرتاية من جيبه؟ هل مطلوب منه ينزل يقعد على القهاوي بعد قرار الغلق في التاسعة مساء؟”.

وأضاف: “إحنا مع بلدنا… بس مش للدرجة دي من الخنقة”.

 

وفي الوقت نفسه، تستمر حكومة السيسي في الإعلان عن ترشيد الطاقة: مثل العمل من المنزل، وغلق المحال التجارية في التاسعة مساء، وتقليل إنارة الشوارع، وخفض استهلاك الوقود داخل الجهات الحكومية بنسبة 30%، والتوسع في الطاقة المتجددة. لكن هذه الإجراءات لا تمنع الناس من التساؤل: لماذا لا تُطبق نفس القواعد على العاصمة الإدارية التي تظل مضاءة كمدينة لا تنام؟ ولماذا لا تُطفأ أنوار النوادي العسكرية التي تستهلك طاقة هائلة؟ ولماذا لا تُراجع مشروعات عملاقة تلتهم الكهرباء بينما يُحاسب الموظف على كوب شاي؟

ويبدو أن “الكاتل” لم يعد مجرد جهاز صغير لتسخين الماء، بل أصبح رمزاً لصراع أكبر بين حكومة تبحث عن حلول سريعة وسطحية، ومواطن يشعر أن التقشف يُفرض عليه وحده بينما تظل الإضاءة ساطعة في أماكن لا يجرؤ أحد على الاقتراب منها، وبينما تستمر الحملات على الغلايات، يبقى السؤال الحقيقي بلا إجابة: هل أزمة الكهرباء سببها الموظف الذي يشرب كوب شاي… أم سياسات الطاقة التي لا تُراجع ولا تُحاسب؟