النزاعات العرقية والانتخابات المرتقبة.. هل تقف إثيوبيا على أعتاب مرحلة من الفوضى؟

- ‎فيتقارير

تتشكل الخريطة العرقية في إثيوبيا من قومية الأورومو وتمثل 34.4% من السكان لكنهم يعانون من الاضطهاد والتهميش من جانب الحكومة؛ لأن غالبيتهم يدينون بالإسلام. هناك أيضا قومية الأمهرية وتمثل 27% من السكان وتعتبر لغتهم هي اللغة الرسمية في البلاد، ويتمتعون بنفوذ واسع في الائتلاف الحكومي. وهناك أيضا القومية الصومالية وتمثل 6.2% من السكان. ثم القومية التيجرية وتمثل 6.1% من السكان، ولهم نفوذ كبير وواسع في التحالف الحكومي. وهناك أيضا قومية السيداما وتمثل 4% من السكان. وأخيرا قومية الجوراج وتمثل 2.5% من السكان.

من جانب آخر، فإن التوترات العرقية ليست بين "الأورومو" من جهة وإقليمي أمهرة وتيجراي من جهة أخرى؛ بل هناك توترات عرقية بين الإقليمين الآخرين "أمهرة وتيجراي" تهدد إثيوبيا بحرب أهلية خصوصا في ظل التنافس على الامتيازات بين الإقليمين والصراع على بعض المناطق. وينقل راديو "صوت أمريكا" عن مجموعة الأزمات الدولية أن الصراع بين الإقليمين يمكن أن يتصاعد ويهدد بنشوب حرب أهلية.

 

توترات مستمرة

ويعزو تقرير راديو "صوت أمريكا" أسباب هذه الصراع العرقي إلى عدة عوامل:

الأول أن إقليم تيجراي الشمالي الذي حكم البلد الإفريقي لنحو ثلاثة عقود، تعرض للإقصاء من قبل الحكومة الفيدرالية في أديس أبابا، الأمر الذي يزيد من خطر الصراع العسكري في الشمال.

الثاني، أن الإقليمين يشتركان في حدود متنازع عليها. وبحسب ويليام دافيسون كبير محللي مجموعة الأزمات الدولية المتخصص في الشأن الإثيوبي فإن مواطني أمهرة يعتقدون أن العديد من المناطق الرئيسية وخاصة مناطق ولكيت وراية تم ضمها إلى تيجراي، مع رسم خريطة الاتحاد الفيدرالي الحالي في أوائل التسعينات من القرن الماضي. ويرى ديسالين تشاني دانيو، رئيس الحركة الوطنية المعارضة في أمهرة، أن الخريطة الإقليمية لإثيوبيا القائمة على أراضي عرقية كانت السبب الجذري للعديد من التوترات، ليس فقط بين منطقتي أمهرة وتيجراي، ولكن بين العديد من المناطق الأخرى.

الثالث، وجود خلافات بين إدارة الإقليمين حول موعد إجراء الانتخابات التي تأجلت بسبب تفشى جائحة كورونا إلى العام المقبل. حيث أعلن إقليم تيجراي أنه سيمضي قدمًا في إجراء الانتخابات البرلمانية متجاهلاً تأجيل هيئة الانتخابات للاقتراع على مستوى البلاد؛ لتضع إدارتها في مسار تصادمي مع الحكومة الاتحادية، بحسب وكالة "بلومبرج".

وتعتبر الانتخابات المرتقبة في إثيوبيا إحدى أسباب الفوضى وتعقيد المشهد؛ وبحسب صحيفة "فاينانشيال تايمز" البريطانية فإن "آبي أحمد يحكم دولة منقسمة، وقريبًا سوف يضطر للقتال في انتخابات صعبة تأجلت بسبب فيروس كورونا". حيث كان مقررا أن تجرى في أغسطس المقبل ولكن تفشي جائحة كورونا دفع الحكومة الإثيوبية إلى تأجيل الانتخابات إلى 2021م.
وبحسب محللين فإن أحد اسباب العناد الإثيوبي في أزمة سد النهضة هو سعي آبي أحمد إلى الظهور بصورة رجل إثيوبيا القوي الذي لا يرضخ للضغوط المصرية بعد رفضه للوساطة الأمريكية؛ عبر الإصرار على استكمال بناء السد وحجز المياه دون اتفاق مع دولتي المصب مصر والسودان، في سياق يعكس التوظيف السياسي من رئيس الحكومة الإثيوبية لمشروع السد لتحقيق مكاسب سياسية محلية يسعى من خلالها للفوز بالانتخابات المرتقبة في ظل قيادته لبلاد منقسمة عرقيا ودينيا وسياسيا.

وإلى جانب التوترات العرقية، هناك أيضا أجنحة حكومية وعرقية تسعى لإشعال جرائم الكراهية على أسس دينية وتعزيز نزعات التطرف والتشدد الديني؛ وقد تعرض المسلمون في إقليم أمهرة صاحب الأغلبية المسيحية لهجمات إرهابية في ديسمبر 2019م؛ أدت إلى إشعال النيران في أربعة مساجد وأكثر من 150 من المحلات التجارية والممتلكات التابعة للمسلمين وتعريضها للنهب والسرقة، في الوقت الذي اكتفت فيه حكومة آبي أحمد باستنكار هذه الجرائم دون التحرك الفعال لمحاكمة المتورطين فيها. وما يثير المخاوف أن الإقليم الذى شهد هذه الجرائم الإرهابية كان معروفا بالتعايش السلمي المشترك لأصحاب الديانات المختلفة. وتوجد في إثيوبيا نحو 80 عرقية و4 ديانات ما يجعلها قابلة للاشتعال الطائفي والعرقي في أي وقت إذا ضعفت سلطة الحكومة أو تخلت عن دورها في ضبط الأمور.

مشكلات إثيوبية

وفي تحليل لمجلة "إيكونوميست" البريطانية، فإن الاضطرابات التي شهدتها إثيوبيا على خلفية اغتيال المغني الشعبي هاشالو هونديسا، في أواخر يونيو 2020م، كشفت النقاب عن ثلاث مشكلات أساسية تواجه الدولة الواقعة في شرق إفريقيا:
الأولى: أن هذه الأزمة كشفت عدم ثقة الكثير من شباب عرقية الأورومو في الدولة ونظام الحكم في بلادهم، حيث يرون أن مجموعات عرقية أخرى أصغر مثل الأمهرة والتيجراي تهيمن على البلاد منذ فترة طويلة، بينما عرقيتهم الأكبر مهمشة.
الثانية: الأزمة الإثيوبية الأخيرة كشفت أيضا أن الدولة مستعدة لاستخدام العنف والقمع ردا على الاحتجاجات الشعبية. فعلى الرغم من أن آبي أحمد وعد بسياسات منفتحة مع وصوله للسلطة حيث أطلق سراح سجناء سياسيين ورحب بعودة حركات المعارضة من المنفى في الخارج، إلا أن انتهاء الممارسات القديمة أمر صعب. فعندما بدأ العنف من المتظاهرين، لجأت قوات الأمن إلى وسائل مألوفة منها قطع شبكة الإنترنت، وإلقاء القبض على نحو 1200 شخص.
وشملت هذه الاعتقالات صحفيين متهمين بالتحريض على العنف بالإضافة إلى بعض قادة المعارضة، من بينهم المعارض البارز جوهر محمد. وفي مدينة أمبو غرب العاصمة قتلت الشرطة بالرصاص 9 أشخاص من بينهم اثنان من المشيعين كانوا يحاولون دخول الاستاد حيث كانت تقام جنازة هاشالو هونديسا في الثاني من يوليو الجاري.

المشكلة الثالثة التي كشفتها الفوضى في إثيوبيا، فتتعلق بالجوانب العرقية، حيث هاجمت مجموعات من شباب الأورومو أفرادا في عرقيات أخرى لاسيما الأمهرة ثاني أكبر عرقية في البلاد. وفي أديس أبابا حيث يشكل المتحدثون باللغة الأمهرية الغالبية، نظم سكان العديد من الأحياء مجموعات للدفاع عن النفس، بتشجيع من الشرطة في بعض الأحيان.

وتتوقع صحيفة "الجارديان" البريطانية، أن تشهد أعمال الفوضى والاحتجاجات تصعيدا مستمرا ومزيدا من العنف؛ لأن هونديسا كان يمثل رمزا سياسيا لعرقية "الأورومو" وكانت أغانيه تركز على حقوق عرقية الأورومو، أكبر مجموعة عرقية في البلاد، وأصبحت أناشيد تصدح بها الحناجر في موجة احتجاجات أدت إلى سقوط الحكومة عام 2018. وأن مقتل هاشالو أثار المظالم التي غذتها عقود من القمع الحكومي، وما تصفه عرقية الأورومو بأنه استبعاد تاريخي من السلطة السياسية.