فى مواجهة قرار الشعب المصرى بالثورة على نظام قائد الانقلاب الدموى عبد الفتاح السيسي وإسقاطه يوم 20 سبتمبر الجارى، منح السيسي صلاحيات واسعة لشرطة الانقلاب، كما منح مزايا كبيرة لميلشيات الأمن لتحريضها على المصريين الثائرين على النظام وتصفيتهم من أجل حمايته واستمرار هيمنته على كرسى السلطة.
كان السيسي قد صادق الأسبوع الماضي، على القانون رقم 175 لسنة 2020 بتعديل بعض أحكام القانون رقم 109 لسنة 1971 في شأن هيئة شرطة الانقلاب ومنحت التعديلات قطاع ميلشيات الأمن الوطني المشاركة في وضع سياسات الأمن ومتابعة تنفيذها، واتخاذ كافة الإجراءات التي تكفل له تحقيق أهدافه واختصاصاته، مثل حق طلب الاطلاع أو التحفظ على أي ملفات أو بيانات أو أوراق أو الحصول على صورة منها وذلك من الجهة الموجودة فيها هذه الملفات أو البيانات أو الأوراق بأمر قضائي مسبب.. وكذلك رصد المشكلات التي تواجه دولة العسكر وقياس اتجاه الرأي العام في شأنها، ورفع تقارير بشأنها للجهات المعنية.
كما استحدثت تعديلات المادة (131) إبرام التعاقدات بالأمر المباشر "لوزير داخلية الانقلاب أن يفوض رئيس القطاع في سلطاته بشأن تنظيم التعاقدات التي تبرمها الجهات العاملة".
ويكون لرئيس القطاع اتخاذ إجراءات التعاقد بالاتفاق المباشر دون التقيد بالنصاب المالي والقواعد والإجراءات الواردة بقانون التعاقدات.
ومنحت التعديلات داخلية الانقلاب الحق في الاستثمار على غرار الجيش، حيث نصت على أن أموال وزارة داخلية الانقلاب والجهات التابعة لها أموال عامة، ويكون لها في سبيل اقتضاء حقوقها اتخاذ إجراءات الحجز الإداري طبقا لأحكام القانون المنظم للحجز الإداري.
ووفق التعديلات الجديدة، فإن لقطاع ميلشيات الأمن الوطني الحق في التصرف في المخلفات الناتجة عن أنشطته (تشمل الأموال المضبوطة أو الأموال النقدية أو ما يعادلها)، واستخدام عائداتها في الصرف منها على أعمال الصيانة للمنشآت التابعة له.
الخبراء أكدوا أن هذه المنح والرشاوى لن تحمى السيسي من ثورة الشعب المصرى، مؤكدين أن الغضب الشعبى بلغ مداه ولن يتراجع المصريون عن إسقاط السيسي.
وقالوا إن السيسي يحاول اللعب فى الوقت الضائع ويلعب نفس لعبة المخلوع حسنى مبارك إبان ثورة 25 يناير 2011.
وأشار الخبراء إلى أن السيسي أضر بالشعب المصرى وارتكب جرائم بحقه فى كل المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية بدرجة تفوق أى حاكم سابق حتى المخلوع مبارك. وتوقعوا ألا يتوانى السيسي عن منح أي صلاحيات أمنية أو مالية للجيش والشرطة وجعلهم فوق القانون لحمايتهم والتستر على الجرائم التى يرتكبونها ضد المصريين.
سلطات غير مسبوقة
من جانبها قالت مجلة فورين أفيرز الأمريكية إن السيسي يحاول مجاملة مؤسسات الدولة خاصة الجيش والشرطة حتى تكون أقل استجابة لأى احتجاجات جماهيرية تطالب بإسقاطه، مشيرة إلى أنه دعم الشرطة والأجهزة الأمنية والجهاز القضائي وكفل لهم فى دستور الانقلاب سلطة غير مسبوقة لضمان دعمهم المتواصل له.
وأشارت المجلة فى تقرير لها أعده كل من إيريك تراجر، جلعاد وينيج إلى أن قادة الجيش والمخابرات الحاليين أقل احتمالاً للتحرك ضد نظام السيسي مما كانوا عليه في حالة الحكومات التي قادها المخلوع مبارك والرئيس الشهيد محمد مرسي.
وأضافت أن السيسي اختص المقربين منه بمناصب عليا في المخابرات والجيش والداخلية والقضاء، مؤكدة أن هذه العلاقات لن تحول دون حدوث اضطرابات بسبب عدم قدرة السيسي على إصلاح الاقتصاد المصري المنهك.
وأشار التقرير إلى أن سياسة التحفيز التي تنتهجها حكومة الانقلاب، فضلاً عن عدم وجود إيرادات من السياحة وغيرها ستفضي إلى مزيد من استنزاف وتجفيف الاحتياطات النقدية ما يضعف قدرة الانقلاب على تلبية الاحتياجات الأساسية للمصريين.
وأكد أن صبر المصريين قد نفد ووصلوا إلى نقطة الاشتباك مع نظام العسكر موضحا أن السيسي قد يكون مقاوماً للانقلابات أكثر من سابقيه، لكن ذلك لا يعني عدم اشتعال الثورة ضده مهما كانت وحشية قمع المتظاهرين.
لعبة المخلوع
وقال عادل الشريف عميد سابق بالجيش المصري إن السيسي عاد لنفس المسلك الذي اتخذه المخلوع حسنى مبارك مبكرا، لكن السيسي كان يحاول أن يعتمد بشكل كلي على الجيش، ويبدو أنه غير قادر على جعل الجيش يمارس دور الشرطة مع المواطنين، لافتا إلى أن صورة الجيش اهتزت لدى المصريين بسبب تهديدات السيسي المستمرة لهم بالجيش كنزوله القرى لإزالة مخالفات البناء.
وكشف الشريف فى تصريحات صحفية أن السيسي عندما كان مديرا للمخابرات الحربية، كان يقوم بتقليم أظافر أمن الدولة بهدف تقليص صلاحياته، وهو نفس الشيء الذي فعله مع جهاز المخابرات العامة من أجل ترويض الجهاز ومسئوليه، مؤكدا أن السيسي يهيمن على المخابرات لكنه لا يهيمن على جميع الجيش، ويعتمد على نخب معينة من وحدات الصاعقة والمظلات و999 و777.
وأوضح أن التعديلات الأخيرة بمثابة مكافأة لداخلية الانقلاب بشقيها الشرطي وميلشيات الأمن الوطني، مشيرا إلى جهاز الأمن الانقلابي زاد نفوذه ليس أمنيا فقط بل وسياسيا من خلال التحكم في مرشحي انتخابات مجلس شيوخ السيسي وبرلمان الدم وهو المسئول عن وضع القوائم والأسماء والاجتماع بالمرشحين، وإدارة العملية برمتها بالتشاور مع المخابرات.
فوق القانون
وقال أسامة سليمان عضو لجنة الدفاع والأمن القومي بمجلس الشعب السابق: جهاز أمن الدولة منذ تأسيسه يعتبر الذراع الحديدية لكل الأنظمة العسكرية التي حكمت مصر وتاريخه مليء بالفضائح والفظائع بحق الشعب، موضحا أنه لما قامت ثورة 25 كانت أول مبان تم اقتحامها مباني أجهزة أمن الدولة التي امتهنت كرامة المصريين، وولاؤها دائما للنظام مستخدمة في ذلك كل أدوات التعذيب؛ ولذلك حرص السيسي على حمايتهم وزيادة صلاحياتهم.
وأكد سليمان فى تصريحات صحفية أن جهاز أمن الدولة وضع نفسه في الصف الأمامي في مواجهة الشعب يليه المخابرات العامة ثم الحربية ثم الجيش، وأول من تقوم الثورة بمحاكمتهم هم أفراد وقيادات هذا الجهاز، لافتا إلى أن التعديلات الجديدة استهدفت منحهم مزايا مالية وصلاحيات ليستمروا في نهجهم، فالسيسي بحكم نشأته الاستخباراتية لا يثق بأي أجهزة مدنية.
وأوضح أن ممارسات جهاز الأمن الانقلابى جعلته يستخدم كل أساليب الكذب والخداع والتزوير دون خوف أو رادع من قانون أو حتى أخلاق، مؤكدا أنه كان المسئول دائما عن تزوير إرادة الناخبين المصريين والتلاعب بصناديق الانتخابات طوال العقود الماضية، وهو المرجع الأول والأخير لتحريات النيابة في التحقيق مع كل المعارضين للنظام في كل العصور.
وأشار سليمان إلى أن السيسي لن يتوانى في منح أي صلاحيات سواء أمنية أو مالية للجيش والشرطة باعتبارهما جناحي حكمه، ولا يأبه لمن هم خارج هاتين المؤسستين، ولا بديل أمامه سوى رفع هؤلاء فوق القانون وحمايتهم بكل الوسائل الممكنة حتى وإن كانت على حساب القانون والدستور.