تفشى الفساد في حكومة المنقلب عبد الفتاح السيسي، فأصبح يتردد كثيرا وجود جرائم فساد في مستويات قيادية عليا. ومؤخرا شهدنا واقعة فساد سكرتير عام محافظة اسوان وقبله بأيام قليلة فساد مدير مرور محافظة كفر الشيخ ومحافظ الغربية.
ولم يتوقف الفساد عند الحكم المحلي بل وصل الي القضاء الذي يعد حصن العدالة حيث تلقى قضاة رشاوى مالية نظير إصدار أحكام بالبراءة وتخفيف أحكام قضائية.
كانت محكمة استئناف القاهرة قد حددت جلسة عاجلة يوم الثلاثاء 11 أغسطس 2026، لنظر القضية المتهم فيها المستشاران أشرف الجميل، القاضي ورئيس محكمة بمحكمة استئناف القاهرة، والمستشار وليد زكريا، القاضي بمحكمة استئناف بني سويف ورئيس محكمة، مع استمرار حبسهما احتياطيًا على ذمة التحقيق في القضية رقم 288 لسنة 2026 جنايات أمن الدولة العليا.
ويعد أحد أبرز الاتهامات التي وُجهت إلى القاضيين اللذين استقالا عقب القبض عليهما وإحالتهما إلى نيابة أمن الدولة العليا، تلقي رشاوي في قضية متهم فيها رجل الأعمال كمال حجاج ونجله بالقتل، وحيازة أسلحة نارية دون ترخيص.
وكشفت أوراق التحقيقات التي حصلت عليها منصة "#متصدقش" واحدة من أبرز القضايا التي طالت أعضاء في السلطة القضائية خلال السنوات الأخيرة، حيث شملت الأوراق أمر الإحالة من نيابة أمن الدولة العليا + قائمة مؤدى أقوال الشهود وأدلة الإثبات + ملاحظات النيابة العامة"، تفاصيل شبكة اتهامات معقدة امتدت وقائعها على مدار نحو عشر سنوات.
وتداخلت في الوقائع أدوار قاضيين ورجال أعمال ومحامين ووسطاء وسماسرة، في وقائع تضمنت طلب وتلقي رشاوي مالية وعينية مقابل إصدار أحكام قضائية، واستعمال النفوذ للحصول على قرارات بالبراءة أو بإخلاء سبيل متهمين أو استبعاد آخرين من أوامر الإحالة، فضلاً عن تعطيل تنفيذ أحكام جنائية صدرت بالفعل.
وبحسب أمر الإحالة، فإن القضية لا تتعلق بواقعة منفردة، وإنما ارتبطت بقضايا جنائية متنوعة جرت وقائعها في توقيتات مختلفة، من بينها قضايا قتل عمد، واتجار بالنقد الأجنبي خارج الإطار المصرفي، وسرقة بالإكراه، وقضايا منظورة أمام دوائر الجنايات.
وتنفرد منصة "#متصدقش" في التقرير التالي بنشر تفاصيل الاتهامات الموجهة إلى القاضيين، ورجل الأعمال كمال حجاج.
خمس وقائع أساسية
وجهت "أمن الدولة العليا" إلى المستشار أشرف الجميل خمس وقائع رئيسية؛ إذ طلب وأخذ في بعضها مبالغ مالية بالدولار الأمريكي والجنيه المصري، وفي وقائع أخرى طلب عطايا ومزايا لاستعمال نفوذه لدى جهات قضائية مختلفة.
بينما نسبت إلى المستشار وليد زكريا قبوله مكافآت لاحقة بعد أداء عمل من أعمال وظيفته، إلى جانب طلب وأخذ رشاوي لاستعمال نفوذه في تعطيل تنفيذ أحكام جنائية. وتكشف الأوراق أن أكبر الوقائع الواردة بأمر الإحالة ارتبطت برجل الأعمال كمال حجاج، صاحب شركة "إيجيبت تريد للصناعات الغذائية".
واتهمت النيابة حجاج بتقديم رشاوي إلى القاضيين، سواء على سبيل المكافأة أو مقابل الحصول على مزايا قضائية تتعلق بالقضية رقم 6337 لسنة 2013 جنايات ثان أكتوبر، التي كان متهمًا فيها هو ونجله وآخرون، بالقتل العمد والاحتجاز وإحراز الأسلحة النارية والذخائر.
ووفقًا لما أثبتته النيابة، فإن المستشار أشرف الجميل، بصفته عضوًا في الدائرة الثانية والعشرين جنايات الجيزة بمحكمة استئناف القاهرة، طلب بواسطة المستشار وليد زكريا والمتهم طارق أحمد، الحصول على مبلغ 350 ألف دولار أمريكي.
وذلك مقابل القضاء ببراءة نجل رجل الأعمال وآخرين من العاملين لديه، وهو ما يعادل نحو 17.35 مليون جنيه وفق الأسعار الحالية، بينما كانت تعادل وقت طلبها نحو سبعة ملايين وسبعمائة ألف جنيه.
وتقول النيابة إن المتهم الأول حصل بالفعل على 80 ألف دولار أمريكي من إجمالي المبلغ المطلوب، باعتبارها جزءًا من الرشوة، مقابل تنفيذ الاتفاق، وهي الواقعة التي استندت فيها التحقيقات إلى أقوال عدد من المتهمين والشهود وما أسفرت عنه التحريات.
ولم تقف الاتهامات عند تلك الواقعة؛ إذ نسبت النيابة إلى المستشار أشرف الجميل واقعة أخرى طلب فيها مبلغ 250 ألف جنيه من اثنين من المتهمين، مقابل استعمال نفوذه للحصول على حكم بالبراءة في قضية جنائية، قبل أن يحصل – بواسطة أحد الوسطاء – على 90 ألف جنيه من إجمالي المبلغ المطلوب.
أما الواقعة الثالثة، فتتعلق بطلب مبلغ 500 ألف جنيه خُفض لاحقًا إلى 400 ألف جنيه، بالإضافة إلى هاتف محمول، مقابل استعمال النفوذ للحصول على قرار من نيابة الخليفة والمقطم الجزئية باستبعاد أحد المتهمين من أمر الإحالة في قضية قتل.
وتشير التحقيقات إلى أن المتهم حصل بالفعل على 80 ألف جنيه، بالإضافة إلى ثمانية آلاف جنيه تمثل جزءًا من ثمن الهاتف المحمول، فضلًا عن استفادته من إصلاحات أجريت لسيارة زوجته، ذكرت تحقيقات النيابة أن قيمتها بلغت سبعة آلاف جنيه.
وتضيف أوراق القضية أن الاتهامات شملت كذلك واقعة طلب مبلغ مليوني جنيه، جرى تخفيضه لاحقًا إلى مليون و750 ألف جنيه، مقابل استعمال النفوذ للحصول على قرار بإخلاء سبيل شقيق أحد المتهمين في قضية مقيدة برقم 352 لسنة 2023 حصر أمن الدولة العليا، وهي الواقعة التي نسبت النيابة فيها دور الوساطة إلى أحد المتهمين الآخرين.
كما نسبت النيابة إلى المستشار أشرف الجميل واقعة خامسة، قالت إنه طلب فيها مبالغ مالية من أربعة متهمين مقابل استعمال نفوذه للحصول على قرار بإخلاء سبيل أحدهم في قضية اتجار بالنقد الأجنبي خارج الإطار المصرفي، ثم الحصول لاحقًا على حكم ببراءته، مؤكدة أنه حصل بالفعل على 60 ألف جنيه من المبالغ المتفق عليها.
وفي المقابل، نسبت النيابة إلى المستشار وليد زكريا واقعتين رئيسيتين، الأولى تتعلق بقبوله – بعد إصدار قرار بإخلاء سبيل رجل الأعمال كمال حجاج أثناء نظر أمر حبسه الاحتياطي – فيلا سكنية داخل منتجع "الروضة" بمدينة السادس من أكتوبر، بمحافظة الجيزة.
وكشفت التحقيقات أن قيمتها آنذاك وقت قبول الرشوة، بلغت مليونًا وأربعمائة ألف جنيه، إضافة إلى منفعة أخرى تمثلت في تعيين شقيقه بإحدى الشركات المملوكة لرجل الأعمال، وذلك باعتبارهما مكافآتين لاحقتين على القرار القضائي الذي أصدره.
أما الواقعة الثانية، فتتمثل في طلب وتلقي عطايا مالية وعينية من رجل الأعمال نفسه، شملت مليوني جنيه وسيارتين ومبلغ 555 ألف جنيه استخدم في شراء سيارة، مقابل استعمال نفوذه لدى المختصين بالحيلولة دون تنفيذ الحكم الصادر بحق رجل الأعمال في القضية ذاتها.
الطريق إلى الإفلات من عقوبة القتل.. مفروش بالرشاوى
تضمنت اعترافات رجل الأعمال كمال حجاج – بحسب ما أثبتته النيابة – رواية مطولة عن بداية القضية الجنائية التي واجهها منذ عام 2013، هو ونجله، وكيف تطورت علاقته بالمستشار وليد زكريا بعد قرار إخلاء سبيله، ثم اللقاءات التي جمعته بالمستشار أشرف الجميل والوسطاء، وما اعترف به بشأن مبالغ مالية طُلبت مقابل إعادة الإجراءات والقضاء ببراءة نجله والعاملين لديه.
وقال المتهم، وفق التحقيقات، إن بداية الواقعة تعود إلى عام 2013، عندما اتُهم هو ونجله أحمد وعدد من العاملين بشركاته في القضية رقم 6337 لسنة 2013 جنايات ثان أكتوبر، التي تضمنت اتهامات بالقتل العمد والاحتجاز وإحراز الأسلحة النارية والذخائر، قبل أن يُعرض على دائرة جنح مستأنف الجيزة برئاسة المستشار وليد زكريا محمد خليل للنظر في أمر تجديد حبسه الاحتياطي.
وتعود القضية إلى يونيو 2013، عندما نشبت مشاجرة أمام شركة إيجيبت تريد مع عاملين في شركة كوكاكولا، لعدم إظهار أحدهم كارتا يتيح له دخول الشركة، وتدخل في المشاجرة حجاج ونجله باستخدام أسلحة نارية، وقُتل في الواقعة مدير مبيعات بشركة كوكاكولا تامر أبو زيد، وأُصيب آخرون.
أضاف حجاج أنه بتاريخ 16 سبتمبر 2013 أصدر المستشار وليد زكريا قرارًا بإخلاء سبيله، الأمر الذي دفعه إلى زيارته في منزله لتقديم الشكر، ثم دعوته إلى منزله بمنتجع الروضة بمدينة السادس من أكتوبر، حيث حضر القاضي برفقة زوجته وابنته، وأبدى إعجابه بالمنتجع ورغبته في امتلاك فيلا بداخله.
وأوضح المتهم أنه استجاب لتلك الرغبة، واشترى في أكتوبر 2013 فيلا داخل المنتجع وسدد كامل ثمنها، الذي بلغ آنذاك 1.4 مليون جنيه، بشيك صادر من إحدى شركاته، ثم سجلها باسم زوجة المستشار وليد زكريا بناءً على طلبه، كما قرر أنه عَيّن شقيق المستشار بإحدى شركاته خلال الفترة ذاتها.
وتابع أن القضية استمرت أمام محكمة الجنايات، وخلال تداولها علم بأن المستشار أشرف الجميل، عضو الدائرة التي تنظر القضية، طلب مبالغ مالية مقابل إصدار حكم بالبراءة، إلا أنه لم يستجب في البداية لتشككه في الوسطاء الذين نقلوا إليه الطلب.
وأشار إلى أنه بعد صدور حكم في يناير 2017، الذي قضى بسجنه ثلاث سنوات والحكم غيابيًا على نجله بالمؤبد، تدخل المستشار وليد زكريا لإعادة فتح قنوات التواصل مع المستشار أشرف محمد الجميل عبر المتهم طارق أحمد، الذي وصفه بأنه صديق مشترك للطرفين.
وبحسب أقواله، عُقد لقاء جمعه بالمستشار أشرف الجميل في أحد فنادق القاهرة، أكد خلاله الأخير إمكانية القضاء ببراءة نجله والعاملين لديه المتهمين في القضية عند إعادة الإجراءات، قبل أن ينقل إليه المستشار وليد زكريا لاحقًا طلبًا بالحصول على 500 ألف دولار أمريكي "نحو 25 مليون جنيه بسعر صرف اليوم" مقابل ذلك، ثم أبلغه بعد مفاوضات بتخفيض المبلغ إلى 400 ألف دولار أمريكي" 20 مليون جنيه بسعر صرف اليوم".
وأوضح المتهم أنه قام بتدبير المبلغ المطلوب، وأنه دفع الأموال إلى المستشار وليد زكريا والمتهم طارق أحمد في لقاء بطريق الواحات، تمهيدًا لتسليمها إلى المستشار أشرف الجميل، وذلك مقابل تنفيذ الاتفاق المتعلق بإعادة إجراءات المحاكمة والقضاء ببراءة نجله.
وأضاف أنه عقب ذلك عقد عدة اجتماعات داخل منزله حضرها المستشاران أشرف محمد الجميل ووليد زكريا والمتهم طارق أحمد، حيث كان المستشار أشرف يؤكد التزامه بتنفيذ ما تم الاتفاق عليه، حتى بعد نقله للعمل بمحكمة استئناف الإسكندرية.
وقال المتهم إنه فوجئ في أكتوبر 2017 بصدور حكم على نجله بالسجن خمس سنوات عن بعض الاتهامات.
ورغم تخفيض الحكم من مؤبد إلى السجن خمس سنوات في قضية قتل، إلا أن حجاج لم يرض به، واعتبره إخلالًا بالاتفاق، فطالب باسترداد الأموال التي سبق دفعها.
وأوضح في التحقيقات أنه استرد لاحقًا جزءًا من تلك الأموال، بلغ 100 ألف دولار أمريكي "نحو 5 ملايين جنيه"، على دفعتين سلّمهما له المستشار خليل، بينما لم يسترد كامل المبلغ.
كما تضمنت أقواله اتهامًا للمستشار خليل باستعمال نفوذه للحيلولة دون تنفيذ الحكم الصادر ضد نجله بعد إدانته.
وذلك من خلال مرافقته أثناء تنقلاته واستغلال صفته القضائية لتجنب القبض عليه، مقابل حصوله على مبالغ مالية دورية قاربت مليوني جنيه، إلى جانب سيارتين، ثم شراء سيارة هيونداي توسان له عام 2019 بمبلغ 555 ألف جنيه، وذلك قبل ضبط نجله عند نقض الحكم حضوريًا في أبريل 2019.
تاريخ من العمل في الصناعات الغذائية.. ودعم الدولة
تأسست "إيجيبت تريد" للصناعات الغذائية في أواخر عام 1999، وبدأت في العمل فعليًا في مارس 2000، وتخصصت في منتجات الذرة والسناكس، والحلويات. ويملك حجاج أيضًا عدة شركات أخرى، منها "فوكس" للصناعات الغذائية، و"كيباك" لصناعة البلاستيك والتغليف، و"كويست للصناعات الغذائية"، وبلغ إجمالي قيمة استثمارات مجموعة حجاج في أكتوبر 2016، نحو 2.5 مليار جنيه "أي نحو 280 مليون دولار بسعر الصرف الرسمي وقتها، أو 140 مليون دولار بسعر السوق الموازية التي انتشرت قبل التعويم الأول".
وفي العام الدراسي" 2017/2016"، تعاقدت "إيجيبت تريد" مع وزارة التربية والتعليم لتوريد البسكويت للوجبات المدرسية، مقابل 100 مليون جنيه.
قبلها بنحو عامين، كان حجاج قد ظهر يتحدث بتأثر، مع الإعلامي خيري رمضان في ديسمبر 2015، وهو يعاتب الأخير لأنه ذكر اسمه؛ إذ لم يرغب رجل الأعمال في معرفة الجمهور أنه قرر التبرع بـ 100 ألف جنيه لأسرة مجند بالقوات المسلحة استـُشهد.
وفي مارس 2018، كانت شركات حجاج حاضرة، ضمن الشركات الحاشدة للعاملين للمشاركة في الانتخابات الرئاسية، بحسب مقطع فيديو لأحد المستخدمين، نشره موقع "مدى مصر" حينها.
وفي عام 2020، بعد جائحة كورونا أشاد حجاج بدعم الدولة للمصنعين، وفي أكتوبر 2023 عندما كان عضوًا في غرفة الصناعات الغذائية أشاد بإنفاق الدولة 750 مليار جنيه على إقامة مشروعات بشبه جزيرة سيناء.
ولم تكن القضية محل الرشوة هي الاتهام الأول لحجاج غفي فبراير 2025، أُحيل للمحاكمة بسبب تهديده زوجة نجله البلوجر عبير الشامي، بنشر صور ومقاطع فيديو خادشه لها التُقطت خلسة، في حال لم توقع على عقود بيع ممتلكات.
14 متهمًا.. وقائمة متنوعة من الأدلة
تُظهر قائمة المتهمين، وفق أمر الإحالة، أن النيابة لم تقصر الاتهام على القاضيين وكمال حجاج، وإنما شمل 11 متهمًا، منهم الوسطاء، الذين شملوا أصحاب شركات، ومحاميًا، وتاجر عقارات، وسائقا، وآخرين، قالت النيابة إنهم لعبوا أدوارًا مختلفة في نقل الأموال أو التوسط أو ترتيب اللقاءات أو تسليم العطايا.
وتوضح الأوراق أن النيابة نسبت إلى بعض المتهمين تهمة تقديم الرشوة مباشرة، بينما نسبت إلى آخرين تهمة التوسط في طلبها أو أخذها، مستندة في ذلك إلى المواد 103 و104 و105 و106 مكررًا و107 و107 مكررًا و110 من قانون العقوبات، وهي المواد التي تجرم جرائم الرشوة واستغلال النفوذ والوساطة فيها.
ولا يقتصر الملف على الاتهامات المجردة، إذ يتضمن عشرات الصفحات من أقوال ضباط هيئة الرقابة الإدارية، ومستندات لشركات خاصة وشهادات مسؤوليها، وتقارير البنك المركزي، والتسجيلات التي أُجريت بإذنها، واعترافات عدد من المتهمين، وهي الأدلة التي قالت النيابة إنها استندت إليها في إصدار قرار الإحالة، قبل أن تنظر المحكمة المختصة القضية للفصل في الاتهامات.
اعترافات المتهم الأول: التقيت وتلقيت أموالًا من معارف متهمين بـ "القتل والسرقة بالإكراه"
في مقدمة الاعترافات ما أقر به المستشار أشرف الجميل، الذي استعرض – بحسب التحقيقات – مسيرته القضائية منذ تعيينه بالنيابة العامة عام 1995، ثم انتقاله إلى منصة القضاء، وعمله في عدد من دوائر الجنايات، ومن بينها الدائرة الثانية والعشرون جنايات الجيزة بمحكمة استئناف القاهرة، التي نظرت القضية رقم 6337 لسنة 2013 جنايات ثان أكتوبر، المتهم فيها رجل الأعمال كمال حجاج ونجله وآخرون.
وبحسب ما أثبتته النيابة، أقر المتهم الأول بأنه شارك في نظر تلك القضية، وتولى تسبيب الحكم الصادر فيها، الذي انتهى – وفق ما ورد بالأوراق – إلى معاقبة كمال حجاج بالسجن ثلاث سنوات عن اتهامات تتعلق بإحراز أسلحة نارية وذخائر، بينما صدر حكم غيابي بالسجن المؤبد بحق نجله وآخرين.
وقال الجميل إنه عقب صدور الحكم تعرف إلى المستشار وليد زكريا، الذي نقل إليه رغبة رجل الأعمال في لقائه، إلا أنه – بحسب أقواله – ظل يُماطل في إتمام اللقاء بسبب تخوفه من مقابلة شخص سبق أن شارك في إصدار حكم بإدانته، قبل أن تتم اللقاءات لاحقًا داخل فيلا رجل الأعمال بمدينة السادس من أكتوبر.
وذكرت التحقيقات أن تلك الاجتماعات كانت تضم في بعض الأحيان المتهمين وليد زكريا محمد خليل وطارق أحمد، كما حضر نجل رجل الأعمال بعضها، وشهدت، وفق الإقرارات، مناقشات حول مستقبل القضية بعد الطعن بالنقض، وإمكانية إعادة الإجراءات بالنسبة لبعض المتهمين.
وأقر أيضًا بأنه حصل خلال تلك الفترة على عشرين ألف دولار أمريكي "نحو مليون جنيه بسعر صرف اليوم" من المتهم طارق أحمد داخل مقر شركته بمنطقة المريوطية، بمحافظة الجيزة.
كما أشار إلى علمه بقيام رجل الأعمال بشراء فيلا للمستشار وليد زكريا، وسداد ثمنها، بعد قرار الأخير بإخلاء سبيله أثناء نظر أمر حبسه الاحتياطي، فضلاً عن علمه بتعيين شقيقه بإحدى شركات رجل الأعمال.
وتشير التحقيقات إلى أن الجميل أقر أيضًا بمعرفته بالمتهم هاني عرفة، الذي كان – بحسب أقواله – يستفسر منه عن مصير قضيتين تخصان شقيقين أحدهما متهم في قضية قتل والآخر في قضية سرقة بالإكراه، طالبًا مساعدته في معرفة مواعيد الجلسات وما آلت إليه الإجراءات، وتحدث مع متهم آخر بشأن قضايا متهم فيها عدد من معارفه.
وتقول النيابة إن المتهم الأول أقر بحصوله من هاني عرفة على مبالغ مالية على ثلاث دفعات بلغت في مجموعها مئة ألف جنيه، موضحًا أن الدفعة الأخيرة، وقيمتها ثمانون ألف جنيه، تسلمها قبيل ضبطه، كما أشار إلى أنه طلب منه هاتفاً محمولاً، وهي الوقائع التي أوردتها النيابة ضمن عناصر الاتهام المنسوبة إليه.
اعترافات المتهم الثاني: مبالغ مالية وسيارات لإفلات حجاج ونجله من العقوبة
وفي المقابل، جاءت أقوال المستشار وليد زكريا أكثر تفصيلاً فيما يتعلق بالوقائع الخاصة برجل الأعمال كمال حجاج، إذ تضمنت – بحسب ما ورد بالتحقيقات – إقرارًا بقبوله فيلا سكنية بعد إصداره قرارًا بإخلاء سبيله أثناء نظر أمر حبسه الاحتياطي، موضحًا أن رجل الأعمال عرض عليه شراء الفيلا باسمه أو باسم زوجته، فوافق على تسجيلها باسم زوجته، كما قبل – وفق أقواله – تعيين شقيقه بإحدى شركاته.
وتستعرض التحقيقات رواية خليل بشأن ما قالت النيابة إنها مفاوضات جرت عقب صدور حكم الإدانة في قضية رجل الأعمال، إذ أوضح أن الحديث بدأ أولاً عن طلب مبالغ مالية كبيرة مقابل القضاء بالبراءة، قبل أن تتعثر الاتصالات بسبب عدم الثقة في الوسطاء.
وأضافت النيابة أنه قرر في التحقيقات اللجوء لاحقًا إلى المتهم طارق أحمد، باعتباره صديقاً مشتركًا للمستشار الجميل، لتولي الوساطة، وأن الاتفاق انتهى – بحسب أقواله – إلى طلب 350 ألف دولار أمريكي (نحو 17.5 مليون جنيه بسعر صرف اليوم) مقابل القضاء ببراءة نجل رجل الأعمال أو صدور حكم مخفف بحقه.
وتفصل التحقيقات – بحسب الإقرارات – كيفية تجهيز الأموال، والاجتماعات التي سبقت جلسات المحاكمة، وما دار خلالها من اتصالات هاتفية.
قبل أن يروي المتهم الثاني ما قال إنه تسليم الدفعات الأولى من الأموال، والتي بلغت – وفق أقواله – ثمانين ألف دولار أمريكي (نحو 4 ملايين جنيه بسعر صرف اليوم)، على عدة مراحل وفي أماكن مختلفة، من بينها أحد المقاهي ومحيط شركة المتهم الحادي عشر.
كما تضمنت أقواله رواية لاحقة بشأن مطالبة رجل الأعمال باسترداد الأموال بعد صدور حكم لم يحقق النتيجة المتفق عليها، وما تبع ذلك من إعادة جزء من المبالغ، مع احتفاظ بعض المتهمين بجزء آخر، وفق ما جاء في التحقيقات.
ولم تتوقف الإقرارات عند الوقائع المتعلقة بالأموال، بل تضمنت أيضاً حديثًا عن استخدام الصفة القضائية – بحسب ما نسبته النيابة – لمرافقة رجل الأعمال خلال تنقلاته بعد صدور حكم بإدانته، للحيلولة دون تنفيذ الحكم، وهي الوقائع التي قالت النيابة إنها قابلها حصول المتهم الثاني على مبالغ مالية وسيارات ومزايا أخرى على فترات متعاقبة.
كيف تم اكتشاف القضية؟
بدأت خيوط القضية، وفق ما أثبته الشاهد الأول عضو هيئة الرقابة الإدارية ع.أ، بورود معلومات إلى الهيئة عن قيام أمين سر إحدى دوائر جنايات الجيزة بطلب مبالغ مالية وعطايا عينية من متقاضين مقابل استغلال نفوذه في إنهاء إجراءات قضائية لصالحهم، وهو ما دفع جهة التحقيق – بحسب أقواله – إلى استصدار إذن من النيابة العامة بتسجيل اللقاءات والمحادثات الهاتفية الخاصة بالأشخاص الذين شملتهم التحريات.
ويقول الضابط في شهادته إن التسجيلات كشفت – وفق ما انتهت إليه التحقيقات – عن وجود محادثات تضمنت الحديث عن طلب مبالغ مالية من متقاضين مقابل الحصول على أحكام قضائية.
كما تضمنت مناقشات بشأن إصلاحات أُجريت لإحدى السيارات، والحصول على ثمن هاتف محمول، ومبالغ مالية قيل إنها دفعت مقابل التدخل في قضايا جنائية منظورة أمام جهات التحقيق والمحاكم.
كما تضمنت التسجيلات، حديثًا عن مبلغ ثمانين ألف جنيه جرى تسليمه لإنهاء أمر يتعلق بإحدى القضايا، إلى جانب حديث آخر عن مبلغ مليوني جنيه طُلب مقابل التدخل لإخلاء سبيل متهم محبوس احتياطياً في قضية منظورة أمام دوائر "أمن الدولة العليا".
وتضيف الأوراق أن التحريات لم تتوقف عند حدود التسجيلات، وإنما امتدت إلى تحديد هوية مستخدم أحد الخطوط الهاتفية التي وردت في المحادثات، لتخلص إلى أنه يعود إلى المستشار أشرف الجميل، وهو ما دفع النيابة إلى توسيع نطاق التحقيقات واتخاذ إجراءات الضبط والتفتيش بحق عدد من المتهمين.
وتشير الأوراق إلى أن تنفيذ قرارات النيابة أسفر عن ضبط عدد من الهواتف المحمولة بحوزة بعض المتهمين في تواريخ مختلفة، باعتبارها من الأدوات التي استخدمت في الاتصالات محل الفحص.
أدلة أخرى اعتمدت عليها النيابة
ولم تقتصر أدلة الإثبات على التحريات والاعترافات؛ إذ استعانت النيابة بمسئولين من شركات خاصة للتحقق من الوقائع المتعلقة بالعطايا العينية التي قالت إنها قُدمت للقاضيين.
ففيما يتعلق بواقعة الفيلا السكنية، استمعت النيابة إلى محمد. ر، المحامي بالإدارة القانونية لمجموعة شركات الوالي، الذي شهد – وفق ما ورد بأوراق القضية – بصحة واقعة الفيلا.
كما استدعت النيابة مدير الشئون القانونية بمجموعة شركات غبور، الذي قدم – بحسب أقواله – المستندات الخاصة بشراء سيارة "هيونداي توسان" التي ورد ذكرها في التحقيقات.
ولم يكن تقديم هذه المستندات، بحسب أوراق القضية، معزولاً عن تقرير لجنة البنك المركزي المصري، التي كلفتها النيابة بفحص الحسابات البنكية الخاصة بالمتهمين وذويهم، في محاولة لتتبع حركة الأموال ومقارنتها بما ورد في أقوال الشهود وإقرارات المتهمين.
ووفق شهادة رئيس اللجنة، فقد رصد الفحص البنكي عددًا من التحويلات المالية التي اعتبرتها النيابة ذات صلة بالتحقيقات، من بينها تحويل بقيمة ستين ألف جنيه إلى نجل المستشار أشرف محمد الجميل، إضافة إلى تحويلات أخرى بين حساب الابن وحساب والده، كما أورد التقرير البنكي تفاصيل تتعلق بحركة حسابات المستشار وليد زكريا، موضحًا – بحسب ما جاء في شهادة رئيس اللجنة – أنه أودع مبلغ 363 ألف جنيه في حسابه بالبنك الأهلي المصري، ثم أصدر شهادة استثمار، وحصل بضمانها على قرض، قبل أن يجري سحبًا نقديًا ويودع في اليوم نفسه 539 ألف جنيه بحساب شركة "إيتامكو" التابعة لمجموعة غبور ثمناً للسيارة محل الفحص.
كما رصدت اللجنة – وفق التقرير – تحويلين بقيمة أربعة ملايين جنيه لكل منهما إلى حسابي ابنتي المستشار وليد زكريا، أعقبتهما شهادات استثمار بالقيمة ذاتها، وهي الوقائع التي أوردتها النيابة ضمن تسلسلها لحركة الأموال محل الفحص.
وفي سياق موازٍ، تضمنت الأوراق شهادة المحامي عبد السلام رشيد حسين مهدي، الذي تحدث عن علاقته بالمستشار أشرف محمد الجميل، وأوضح أنه قبل الدفاع عن أحد المتهمين في قضية اتجار بالنقد الأجنبي بناءً على طلب الأخير، وأنه حضر إحدى جلسات تجديد الحبس، قبل أن تنتهي علاقته بالقضية بعد ذلك، نافيًا – بحسب ما أثبتته التحقيقات – أن يكون قد حصل على أتعاب أو
شارك في أي اتفاق يتعلق بالحصول على قرار بإخلاء سبيل المتهم.