أزمة سد النهضة .. لغز البند “10” في اتفاق المبادئ الذي أضعف موقف مصر

- ‎فيتقارير

إعلان وزير المياه والري والطاقة الإثيوبي سيلشي بيكلي الجمعة 5 فبراير 2021م عن الانتهاء من 78.3% من أعمال سد النهضة وأن بلاده غير معنية بفشل التوصل إلى اتفاق مع دولتي المصب مصر والسودان يزيد من ورطة نظام الدكتاتور عبدالفتاح السيسي الذي يحاول البحث عن مخرج من هذه الورطة الكبيرة. لكن هذه التصريحات تفتح الباب حول التساؤل حول أسباب هذه الجرأة الأثيوبية و ولماذا جاءت تصريحات أديس أبابا صادمة إلى هذا الحد الكبير.
معنى ذلك أن إثيوبيا تعلن بشكل واضح تنصلها من أي اتفاقات؛ الأمر الذي يزيد من عجز نظام الطاغية عبدالفتاح السيسي؛ وهو ما يفرض علينا تسليط الضوء على الحقائق الآتية:
أولا، فكرة السد قديمة وتعود إلى منتصف القرن العشرين؛ وبالتالي فإن إعلان أثيوبيا عن إنشاء السد في 2011 استغلالا لانشغال مصر بالثورة المصرية لم يكن الإعلان الأول من نوعه بل سبقه تصريحات تؤكد تصميم أديس أبابا على إنشاء السد.
ثانيا، لم تشرع أثيوبيا في بناء السد سنة 2011م كما يزعم رئيس الانقلاب وآلته الإعلامية، حيث تؤكد صور الأقمار الصناعية أن أول حجر وضع في سد النهضة حدث سنة 2014م في ظل حكم الدكتاتور السيسي بعد اغتصابه للحكم بانقلاب عسكري منتصف 2013م.
ثالثا، وفقا للقانون الدولي فإن إنشاء السد لا يتمتع بأي شرعية قانونية؛ لأنه يخالف القانون الدولي للأنهار؛ وبالتالي فإن ذلك كان يجهض تحركات أديس أبابا نحو الحصول على تمويل من مؤسسات التمويل الدولية لإنشاء السد، وكان يعرقل كذلك مساعيها نحو الحصول على قروض دولية لإنشاء السد لمخالفة ذلك للقانون الدولي.
رابعا، بتوقيع السيسي على اتفاق المبادئ في الخرطوم في مارس 2015م، فإنه بذلك منح عمليات إنشاء السد شرعية قانونية، وفتح الأبواب أمام أديس أبابا للحصول على تمويل من جهات التمويل الدولية وهو التوقيع الذي نسف كل العقبات التي كانت تعرقل عمليات إنشاء السد. والتي كانت حتى توقيع الاتفاق مجرد إنشاءات غير قانونية.
خامسا، أمام إدارك السيسي وحكومته بحجم الفشل الرهيب ودورهم المشبوه في شرعنة عمليات بناء السد راحوا يغطون على هذه الفضيحة بنشر الأكاذيب حول تسبب ثورة يناير في منح أثيوبيا الفرصة لبناء السد وهي الأكاذيب التي تعصف بها الحقائق التي ذكرناها.

ضعف الموقف القانوني للقاهرة
وفقا للدكتور أحمد المفتى، خبير القانون الدولي والعضو المستقيل من اللجنة الدولية لسد النهضة الإثيوبى، فإن السيسي ارتكب حماقة كبرى بالتوقيع على اتفاق المبادئ بالخرطوم في مارس 2015م، للأسباب الآتية:
1) المشروع الإثيوبى كشف عن تقصير مصرى سودانى 100%، لأن البلدين تجاهلا أن أساس أى مشروع مائى على الأنهار الدولية المشتركة، يعتمد على المدخل القانونى، وتقدير الوزن القانونى قبل الشروع فى تنفيذ المشروع.
2) الاتفاق أدى إلى تقنين أوضاع سد النهضة، وحوله من سد غير مشروع دولياً إلى مشروع قانونياً.
3) ساهم فى تقوية الموقف الإثيوبى فى المفاوضات الثلاثية.
4) أضعف الاتفاقيات التاريخية، ولا يعطى مصر والسودان نقطة مياه واحدة.
5) تمت صياغته بما يحقق المصالح الإثيوبية فقط، وحذف الأمن المائى، ما يعنى ضعفا قانونيا للمفاوض المصرى والسودانى.
ولم تختر القاهرة اللجوء إلى التحكيم الدولي بسبب ضعف موقفها القانوني، وبحسب هاري فيرهوفن، خبير الدراسات المائية بجامعة جورج تاون، فمن المؤكد إذا لجأت الأطراف للتحكيم الدولي أمام محكمة العدل الدولية بلاهاي فـ"سيتم الحكم لصالح إثيوبيا". وأوضح فيرهوفن أن "إثيوبيا لها الحق في تطوير مواردها المائية داخل أراضيها".

عقدة البند العاشر!
يجمع خبراء القانون الدولي أن البند رقم "10" في اتفاق المبادئ الذي وقع عليه السيسي في الخرطوم مارس 2015م، يمنح الطرف الإثيوبي وضعا قويا للغاية؛ لأنه قيد فكرة تدخل طرف رابع أو وسيط بين أطراف الأزمة الثلاثة "مصر وإثيوبيا والسودان" كما قيد اللجوء إلى التسوية القانونية عبر القضاء الدولي سواء أمام محكمة العدل الدولية أو القانون الدولي.
وتنص الققرة "أ" من المادة "10" على «تقوم الدول الثلاث بتسوية منازعاتها الناشئة عن تفسير أو تطبيق هذا الاتفاق بالتوافق من خلال المشاورات أوالتفاوض وفقًا لمبدأ حسن النوايا. وإذا لم تنجح الأطراف في حل الخلاف من خلال المشاورات أو المفاوضات، فيمكن لهم مجتمعين طلب التوفيق، والوساطة، أو إحالة الأمر لعناية رؤساء الدول/رئيس الحكومة”».
وثمة أمران:
الأول: “ضرورة موافقة جميع الأطراف” على طلب التوفيق أو الوساطة، عبر استخدام عبارة «مجتمعين» ما يعني أن مصر لن تستطيع تمرير أي قرار خاص بالسد بصورة منفردة، كما أن تحقق هذا التوافق “الإجماع” أمر في غاية الصعوبة، ناهيك عن أن التسوية ستكون سياسية أيضًا من خلال طلب التوفيق” الذي يعني تشكيل لجنة لبحث النزاع من جميع جوانبه وتقديم تقرير للدول المعنية يقدم اقتراحات معينة غير ملزمة للأطراف المعنية “، أو الوساطة وتعني تدخل طرف خارج، وله المشاركة في المفاوضات وتقديم اقتراحات للحل غير ملزمة” ، أما ما سوى ذلك فيتم رفعه لرؤساء الدول والحكومات للدول الثلاث لاتخاذ ما يلزم.
الثاني، أنه كان يمكن النص على الوسائل القانونية للتسوية مثل التحكيم والقضاء الدولي ولكن لم يتم النص عليها لرفض إثيوبيا المسبق لذلك. ومعنى هذا أنه لن يتم اللجوء للتحكيم أو القضاء الدولي رغم أنهما إحدى الأدوات التي نصت عليها المادة 33 من اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1997الخاصة بالاستخدامات غير الملاحية للمجاري المائية الدولية، والتي استند اليها إعلان المبادئ في معظم بنوده، لكن يبدو أن اثيوبيا سعت لإفراغ بعض هذه الاتفاقية الدولية من مضمونها أو تحويرها بما يتوافق مع أهدافها، وللأسف وافقت مصر على ذلك. معنى هذا أن حلول الأزمة ستبقى رهينة بالجهود الدبلوماسية فقط. فلن تتمكن مصر وفق بنود اتفاق المبادئ من اللجوء إلى الوساطة أو التحكيم الدولي أو طلب التدخل من الاتحاد الإفريقي أو مجلس الأمن أو محكمة العدل الدولية لعدم النص على ذلك في الاتفاق الكارثي ، وإذا حدث بعد جهود مضنية فلن يكون قراراها إلزاميا.
معنى ذلك أن باب المفاوضات مسدود وتوظفه أثويبا لكسب المزيد من الوقت لاستكمال بناء السد، وحتى باب الوساطة محكوم بالفشل لأن اتفاق المبادئ الذي وقع عليه السيسي لم يشرعن عمليات بناء السد غير القانونية فقط بل منح أديس أبابا حق الفيتو ضد أي وساطة لأنه ألزم بضرورة الإجماع لقبول الوساطة.