تحركات دبلوماسية وتمويل للإعمار وحضور داخل هياكل الترتيبات الانتقالية.. كيف تحولت أبو ظبي إلى أحد أبرز اللاعبين العرب في رسم مستقبل غزة؟
في غضون أيام قليلة، برزت إشارات متتالية أعادت تسليط الضوء على الدور الإماراتي في ترتيبات ما يُعرف بـ"اليوم التالي" للحرب في قطاع غزة، بعدما ظل هذا الدور لفترة طويلة يتحرك في مساحات تتداخل فيها المساعدات الإنسانية مع التحركات الدبلوماسية والسياسية والأمنية.
ففي السادس من أغسطس 2026، وجّه نيكولاي ميلادينوف، الممثل السامي لقطاع غزة في «مجلس السلام»، إشادة علنية بالإمارات، ووضعها إلى جانب قطر وتركيا ومصر والولايات المتحدة في سياق الحديث عن دعم مسار المفاوضات، وتكتسب الإشارة أهمية خاصة، وفق المادة محل التقرير، لأن الإمارات لم تكن مدرجة ضمن الوسطاء الرسميين لمحادثات وقف إطلاق النار، وهو ما اعتُبر مؤشرًا على دور يتجاوز الإطار المعلن للمساعدات الإنسانية.
وبعد ثلاثة أيام فقط، برزت إشارة أخرى أكثر مباشرة، إذ نُقل عن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي أن الإمارات ستتولى البناء والتمويل لمشروع «المدينة الخضراء» شرقي رفح، مع حديث عن ترتيبات أمنية محلية داخل المنطقة. ووفق المصدر، فإن التطورين أعادا فتح ملف الدور الإماراتي في صياغة مستقبل القطاع، بعدما ارتبط اسم أبو ظبي خلال الحرب بصورة أساسية بملفات الإغاثة والمساعدات.
"اليوم التالي" صراع على شكل غزة بعد الحرب
منذ الأشهر الأولى للحرب، تحول سؤال إدارة قطاع غزة بعد انتهاء العمليات العسكرية إلى واحد من أكثر الملفات تعقيدًا، إذ لم يعد النقاش مقتصرًا على وقف إطلاق النار، بل امتد إلى قضايا الأمن والمعابر وإعادة الإعمار وطبيعة الإدارة المدنية، إضافة إلى العلاقة المستقبلية بين غزة والضفة الغربية، وبحسب المادة، تبلورت خلال تلك الفترة عدة رؤى متنافسة.
الرؤية الإسرائيلية، كما طرحها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في عام 2024، قامت على رفض عودة أي صيغة فلسطينية مرتبطة بحركة حماس، وكذلك رفض عودة السلطة الفلسطينية بصورتها القائمة، مع طرح فكرة الاعتماد على أطراف محلية في إدارة الشؤون المدنية والإبقاء على السيطرة الأمنية الإسرائيلية.
أما إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن، فقد التقت مع إسرائيل في مسألة إقصاء حماس، لكنها أبدت تحفظًا على وجود أمني إسرائيلي دائم داخل القطاع، واتجهت في مراحل لاحقة إلى طرح دور عربي انتقالي بمرجعية دولية.
في المقابل، طرحت مجموعة عربية تضم الإمارات والسعودية ومصر والأردن وقطر إلى جانب السلطة الفلسطينية تصورًا يقوم على نقل إدارة القطاع إلى السلطة الفلسطينية، وربط مرحلة ما بعد الحرب بمسار سياسي يفضي إلى قيام دولة فلسطينية.
وعلى الجانب الفلسطيني، بقي الموقف المعلن قائمًا على ضرورة أن تكون ترتيبات "اليوم التالي" فلسطينية الطابع، وأن تقوم على توافق داخلي، إلا أن الانقسام الفلسطيني حال دون بلورة صيغة موحدة، وفق ما يورده المصدر.
الإمارات تطرح البحث عن مسار ثالث
وسط هذه الرؤى، اتخذت الإمارات، بحسب المادة، موقفًا مختلفًا نسبيًا عن عدد من الأطراف العربية.
فمن جهة، رفضت أبوظبي أن تتحول إلى غطاء لبقاء عسكري إسرائيلي في غزة، وأعلن وزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد، في مايو 2024، أن بلاده لن تكون «غطاءً وداعمًا» لهذا الوجود.
لكن في المقابل، أبدت أبوظبي تحفظات على عودة السلطة الفلسطينية بقيادتها الحالية، وهو ما دفعها إلى البحث عن صيغة بديلة تجمع بين الإدارة المدنية الفلسطينية والدعم الدولي والعربي، مع وجود حكومة تكنوقراط مؤهلة لإدارة القطاع خلال المرحلة الانتقالية.
هذا التصور لم يبقَ في إطار المواقف السياسية، بل بدأ يتحول إلى رؤية أكثر تفصيلًا خلال صيف 2024.
رؤية إماراتية مبكرة لإدارة غزة
في 17 يوليو 2024، طرحت لانا نسيبة، مساعدة وزير الخارجية الإماراتي للشؤون السياسية، في مقال نشرته صحيفة "فايننشال تايمز" تصورًا يقوم على إنشاء «بعثة دولية مؤقتة» في قطاع غزة.
وبحسب التصور، تتولى البعثة ثلاث مهام رئيسية: التعامل مع الأزمة الإنسانية، وإرساء النظام والقانون، ووضع الأسس اللازمة لحكومة مؤهلة تمهد لتوحيد الضفة الغربية وقطاع غزة تحت سلطة فلسطينية شرعية واحدة.
واشترط التصور أن تأتي البعثة بدعوة رسمية من حكومة فلسطينية يقودها رئيس وزراء جديد يتمتع بالكفاءة والاستقلالية، بالتوازي مع التزام أمريكي بحل الدولتين وتعاون إسرائيلي، باعتبار إسرائيل قوة احتلال وفق الصياغة الواردة في المادة.
وبعد أيام، في 25 يوليو، أعادت ريم الهاشمي، وزيرة الدولة لشؤون التعاون الدولي، التأكيد على الرؤية ذاتها، مشددة على أن الأمن والاستقرار لا ينفصلان عن حل سياسي يؤدي إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة، وأن العودة إلى الوضع الذي كان قائمًا قبل 7 أكتوبر لن تحقق سلامًا مستدامًا.
وتكشف هذه الطروحات، وفق قراءة المصدر، عن محاولة إماراتية للانتقال من موقع المشارك في الجهود الإقليمية إلى موقع المبادِر في صياغة نموذج إدارة القطاع بعد الحرب.
اتصالات مع واشنطن وإسرائيل
بالتوازي مع الإعلان الرسمي عن التصور الإماراتي، تحدثت مصادر إعلامية عن لقاء عُقد في أبوظبي خلال يوليو 2024، بدعوة من عبد الله بن زايد، وضم مسؤولين أمريكيين وإسرائيليين، من بينهم بريت ماكغورك ورون ديرمر ومسؤولان دفاعيان إسرائيليان.
وبحسب ما نقلته تلك المصادر، كان الهدف من الاجتماع تقريب وجهات النظر بين الإمارات والولايات المتحدة وإسرائيل بشأن ترتيبات مرحلة ما بعد الحرب.
وتكتسب الواقعة أهمية إضافية، بحسب المادة، لتزامنها مع طرح الرؤية الإماراتية علنًا في صحيفة «فايننشال تايمز»، بما عكس، وفق المصدر، وجود تحرك دبلوماسي متوازٍ مع الإعلان السياسي.
من الرؤية الإماراتية إلى خطة ترامب
أحد أبرز محاور التقرير يتمثل في المقارنة بين الرؤية التي طرحتها أبوظبي في 2024 وخطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ذات النقاط العشرين التي أُعلنت في أكتوبر 2025.
وبحسب المادة، تتشابه عدة عناصر بين الطرحين، من بينها وجود إدارة دولية مؤقتة، وتشكيل حكومة أو لجنة تكنوقراط فلسطينية، وإعادة الإعمار بتمويل خليجي، وربط الترتيبات الانتقالية بمسار سياسي، إلى جانب تشكيل قوة استقرار دولية ونزع سلاح المقاومة في الخطة الأمريكية.
ويؤكد المصدر أن هذا التشابه لا يعني بالضرورة أن الخطة الأمريكية نُسخت حرفيًا من التصور الإماراتي، لكنه يرى أن أبوظبي طرحت مبكرًا مجموعة من الأفكار التي ظهرت لاحقًا في الإطار الأمريكي.
وخلال إدارة بايدن، كانت الإمارات جزءًا من مجموعة عربية ضمت السعودية ومصر والأردن وقطر والسلطة الفلسطينية، وشاركت في نقاشات ترتيبات «اليوم التالي». ومع انتقال الملف إلى إدارة ترامب، اتسعت دائرة الدول المنخرطة في المسار، بينما احتفظت الإمارات بموقع متقدم، بحسب المادة.
لماذا تتمتع الإمارات بموقع متقدم؟
يربط التقرير الموقع المتقدم الذي حصلت عليه أبو ظبي بثلاثة عوامل رئيسية، الأول هو استمرار علاقاتها مع إسرائيل خلال الحرب وعدم قطع العلاقات الدبلوماسية. والثاني هو قدرتها التمويلية، ولا سيما في ملف إعادة إعمار قطاع غزة، أما العامل الثالث فهو مشاركتها المبكرة في صياغة التصورات المتعلقة بمرحلة ما بعد الحرب.
جعلت هذه العوامل الإمارات طرفًا عربيًا قادرًا على التواصل مع الولايات المتحدة وإسرائيل والأطراف العربية في الوقت نفسه، وهو ما منحها مساحة أوسع للتحرك في ملف بالغ الحساسية.
الدور الإماراتي يتجاوز الإغاثة
الدور المتوقع للإمارات في غزة لا يقتصر على تقديم المساعدات الإنسانية أو تمويل إعادة الإعمار، وإنما يمتد إلى المشاركة في الهياكل السياسية والإدارية والأمنية التي يجري بحثها للمرحلة الانتقالية, وبحسب المصدر، فإن الترتيبات المطروحة تتضمن رفضًا إسرائيليًا لمشاركة قطر أو تركيا في بعض الهياكل الأمنية والإدارية، مقابل ترحيب بالدور الإماراتي., ويفسر التقرير ذلك باعتبارات مرتبطة بالعلاقات السياسية بين إسرائيل وكل من قطر وتركيا من جهة، والعلاقات الإماراتية الإسرائيلية من جهة أخرى.
كما ينقل التقرير عن الباحث جيمس دورسي أنه تحدث في نوفمبر 2024 عن مسعى إماراتي، بدعم إسرائيلي، لتعزيز موقع أبوظبي كأبرز لاعب خليجي في غزة بعد الحرب، واستخدام المساعدات وإعادة الإعمار كأدوات للتأثير في شكل السلطة داخل القطاع.
حضور إماراتي داخل هياكل "مجلس السلام"
وتزداد أهمية الدور الإماراتي، عند النظر إلى تركيبة الهياكل التي يجري من خلالها إدارة المرحلة الانتقالية, فريم الهاشمي تشغل عضوية في المجلس التنفيذي لغزة، فيما تربط بين عدد من أعضاء لجنة التكنوقراط وعلاقات مباشرة بأبوظبي أو بالتيار السياسي المرتبط بمحمد دحلان والمدعوم إماراتيًا.
كما يشير التقرير إلى نيكولاي ميلادينوف، الذي عُيّن ممثلًا ساميًا وحلقة وصل بين لجنة التكنوقراط ومجلس السلام، والذي يشغل في الوقت نفسه منصب المدير العام لأكاديمية أنور قرقاش الدبلوماسية في أبو ظبي, ويستند التقرير إلى هذه المعطيات للقول إن وجود شخصيات ذات صلات مباشرة أو مؤسسية بالإمارات داخل هياكل المرحلة الانتقالية يمنح أبوظبي مساحة مؤثرة في صياغة القرارات المتعلقة بمستقبل القطاع.
محمد دحلان يعود إلى الواجهة
في السياق نفسه، يسلط التقرير الضوء على عودة اسم محمد دحلان إلى واجهة المشهد الفلسطيني، وبحسب مصادر أدى دحلان دورًا في الاتصالات التي سبقت الاتفاق على خارطة الطريق المقترحة للانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق، مستفيدًا من علاقاته داخل قطاع غزة ومع عدد من الفصائل والشخصيات الفلسطينية، إضافة إلى قنوات اتصال مع الإدارة الأمريكية.
ويرى التقرير أن ذلك يضع التيار المرتبط بدحلان والمدعوم إماراتيًا في موقع متقدم ضمن شبكة الاتصالات المتعلقة بمستقبل القطاع.
"رفح الخضراء" الجانب الأكثر حساسية
ومن أكثر الملفات حساسية التي يوردها التقرير مشروع أطلق عليه "رفح الخضراء" أو "جيتو رفح".
وبحسب ما نُقل عن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، فإن الإمارات ستكون جهة البناء والتمويل للمشروع المزمع إقامته شرقي رفح، داخل منطقة تقع ضمن نطاق السيطرة العسكرية الإسرائيلية، بالتوازي مع ترتيبات أمنية محلية, ويربط التقرير هذا المشروع أيضًا بما يصفه بوجود دعم إماراتي سابق لمجموعات محلية مسلحة في المنطقة، مستندًا إلى صور قال إنها أظهرت سيارات تحمل لوحات إماراتية في مواقع تمركز تلك المجموعات.
كما ينقل التقرير عن مصادر خاصة أن تيار محمد دحلان المدعوم إماراتيًا تحرك داخل قطاع غزة للتواصل مع شخصيات ومهنيين، بهدف الاستعداد لملء شواغر حكومية في حال دخول لجنة التكنوقراط إلى القطاع, وتضيف المصادر، أن التمويل الأساسي لعمل اللجنة الانتقالية جاء من الإمارات، وأن التعهد المالي الرئيسي لتسهيل عملها مصدره أبوظبي.
التمويل والإعمار.. أداة نفوذ أم ضرورة إنسانية؟
يضع التقرير التمويل الإماراتي لإعادة الإعمار في قلب المعادلة الجديدة، فقطاع غزة يحتاج إلى موارد ضخمة لإعادة بناء ما دمرته الحرب، وهو ما يجعل الدول القادرة على توفير التمويل في موقع تفاوضي مهم.
لكن السؤال السياسي الذي يطرحه التقرير يتجاوز قيمة الأموال نفسها: هل سيكون تمويل إعادة الإعمار مجرد مساهمة إنسانية، أم سيتحول إلى أداة للتأثير في طبيعة الإدارة السياسية والأمنية للقطاع؟
ويستند التقرير إلى مجمل التحركات السابقة للقول إن التمويل الإماراتي يأتي ضمن رؤية سياسية أوسع، تسعى أبوظبي من خلالها إلى أن يكون لها حضور في تشكيل "اليوم التالي" وليس فقط في إعادة بناء البنية التحتية.
بين نزع السلاح وإعادة تشكيل القطاع
ويشير التقرير في ختامه إلى أن الرؤية الإماراتية ترتبط، بضرورة إنهاء حضور المقاومة الفلسطينية المسلحة، والترويج لأفكار مرتبطة بـ"نزع التطرف" وبناء نموذج سياسي جديد في القطاع.
ويربط هذه الرؤية بمشروع أوسع يقوم على توسيع مفهوم "الثقافة الإبراهيمية" القائمة على اتفاقيات التطبيع والتعايش مع إسرائيل.
وبذلك، لا تبدو معركة "اليوم التالي" في غزة، مجرد نقاش حول الجهة التي ستدير الخدمات اليومية للسكان، وإنما صراعًا على شكل النظام السياسي والأمني الذي سيولد من رحم الحرب.
الخلاصة: غزة بين إعادة الإعمار وإعادة تشكيل النفوذ
تكشف المعطيات عن مسار إماراتي بدأ مبكرًا، وانتقل من طرح سياسي معلن في صيف 2024 إلى حضور أكثر وضوحًا داخل الترتيبات المتعلقة بالمرحلة الانتقالية.
فالإمارات، تجمع اليوم بين أدوات متعددة: العلاقات مع إسرائيل، القدرة التمويلية، الحضور الدبلوماسي، المشاركة في الهياكل الدولية، وصلاتها بشخصيات فلسطينية فاعلة، وعلى رأسها التيار المرتبط بمحمد دحلان.
وفي المقابل، يبقى السؤال الأهم متعلقًا بمستقبل غزة نفسها: هل ستقود مرحلة إعادة الإعمار إلى تمكين الفلسطينيين من إدارة قطاعهم ضمن إطار وطني موحد، أم ستتحول عملية إعادة البناء إلى مدخل لإعادة توزيع النفوذ الإقليمي والدولي داخل القطاع؟
هذا السؤال يتجاوز الدور الإماراتي وحده، لكنه يضع أبوظبي في قلب واحدة من أكثر المعارك السياسية حساسية في مرحلة ما بعد الحرب؛ معركة تحديد من يملك قرار غزة، ومن يحدد شكل إدارتها، ومن يشارك في رسم علاقتها ببقية الأراضي الفلسطينية.
وبينما تركز الخطابات الرسمية على وقف الحرب وإعادة الإعمار وتحسين الأوضاع الإنسانية، تشير التحركات التي يرصدها التقرير إلى أن "اليوم التالي" أصبح بالفعل ساحة صراع سياسي مفتوح، تتنافس فيها عدة رؤى على تشكيل مستقبل القطاع، فيما يبقى العامل الحاسم هو مدى قدرة الفلسطينيين على استعادة دورهم المركزي في تحديد مستقبل أرضهم وقرارهم السياسي.