اعترافات لافتة ظهرت خلال الأسبوع الأخير من مايو 2021،  بدأتها فرنسا بالاعتراف بمسؤوليتها عن الإبادة الجماعية في رواندا، التي أفضت لقتل 800 ألف في 1994، ثم لحقتها ألمانيا باعترافها، رسميا، بارتكاب قوات جيشها جرائم إبادة جماعية في ناميبيا أثناء فترة الاحتلال أوائل القرن الـ20، والتي أفضت لقتل 75 ألف مواطن ناميبي.
وعدّ المراقبون تتابع الاعتراف بالابادة الجماعية من فرنسا وألمانيا وربما كندا، أمرا مهما وإن بدا أنه اعتراف كهنوتي، كالذي يقدم عليه "الكنسيون"، نظرا لأنه مجرد اعتراف لا يتبعه أي مسؤوليات أو تعهدات بعدم التكرار أو انتهاج القصاص.
ويعزو المراقبون رؤيتهم تلك إلى أن الدعم الغربي لكيان وأنظمة استبدادية، هو استمرار في إلابادة، لأن نهب الثروات وراء الدافع لجرائم الإنسان الغربي فضلا عن دعمهم الصريح للكيان الصهيوني وتصديهم للمقاومة الفلسطينية.


استعمار لم ينته
وأشار المراقبون إلى أن الاستعمار لم ينته ففي الوقت الذي تعتذر فيه ألمانيا بارتكاب جرائم إبادة جماعية في ناميبيا إبّان الحقبة الاستعمارية وتقر حكومتها دفع تعويضات مالية، تتجه برلين اليوم إلى تعزيز قوة الدفع الصهيوني بدعم الزيارات لتل أبيب لزيادة التقديرات المالية لمن ذبحت صواريخهم وغاراتهم الجوية؛ نحو 67 طفلا في غزة وعشرات السيدات والمسنين، خلال 11 يوما في مايو 2021، وتتطوع مستشارة ألمانيا إلى تأييد نتنياهو باتصالات متتابعة وإرسالة وزير خارجيتها "هايكوماس"، في حين تعترف بارتكاب "إبادة جماعية" بحق شعبي الهيريرو والناما بين عامي 1904 و1908.


حقوق الجزائر
ازدواجية الغرب، تتضح أكثر ليس فقط في مساندة الصهاينة وإحتلالهم لأراض المسلمين والعرب، بل برفض تقديم اعتراف مماثل للجزائر أو لبنان أو تونس أو القاهرة وليبيا، فقبل اشهر رفض الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تقديم اعتذرا عن المذابح التي نفذها الجيش الفرنسي بحق 10 ملايين جزائري إبان فترة الاستعمار الدموي ونظام شارل ديجول.
وقبل أيام من مايو الجاري، طلبت فرنسا رسميا إجتماعا طارئا في مجلس الأمن على الوضع في مالي لأن مصالحها باتت في خطر، بعد أن جرى انقلابا على الانقلاب الذي دبروه قبل أشهر، وأعلنت أنها ستغادر مالي إن باتت في أحضان "التطرف الإسلامي"! 
وشرع ماكرون إلى الاعتراف بمسؤولية بلاده عن الإبادة الجماعية عام 1994، والتي وقعت بين شعبي الهوتو والتوتسي وإزكاء نار الفتنة بينهم.
وقال "ماكرون" من رواندا: "جئت للإعتراف بمسؤولياتنا" بشأن الإبادة الجماعية عام 1994.. على فرنسا أن تعترف بجزء من المعاناة التي حصلت لشعب رواندا".
وزعم الرئيس الفرنسي​ في ​رواندا​ أن "الاعتراف بالماضي يسهّل تطبيق العدالة".
ومن جانبهم لفت المراقبون أن رواندا قطعت العلاقات الدبلوماسية بعد المذابح التي تسببت بها فرنسا وانضمت لنادي  الكومونولث البريطاني.


شعور كاذب بالذنب
وعبر منصات التواصل، علق بعض المتابعين والمتعجبين، على موجة الاعترافات، فقالت شيخة الجحواري: "فرنسا الماكرون تعترف لرواندا، عما أجرمت في حقها، بقتل ما يزيد من المليون من أبنائها، خلال أقل من عام، وأبت أن تعترف للجزائر وتعتذر لها، عن قتلِها عشرة ملايين من شعبها خلال احتلال دام 132؟". وجماجم الآلاف من المقاومين تضعها فرنسا في متحف إنسان بباريس!
أما سهى إسماعيل فقالت: "لماذا تعترف ألمانيا وكندا بالمسؤولية عن ارتكاب مجازر قبل مئة عام بينما لا تشعران بالذنب من دعم كيان يرتكب مجزرة حية بحق الفلسطينيين! وما سر توقيت الشعور بالذنب الآن! العالم يشعر بالذنب.. هآرتس ونيويورك تايمز تنشر صور أطفال غزة! فرنسا وألمانيا وكندا تعترف بإبادات منذ سنين طويلة..".
وعلق الدكتور عـبدالله العمادي: "ألمانيا تعترف بمذبحة ارتكبتها ضد شعب ناميبيا في القرن الماضي، بعد قيامهم بمظاهرات ضد الاحتلال الألماني، وتقديم حوالي مليار يورو على شكل مشاريع !! .. واعترف ماكرون بدور فرنسا في مذابح رواندا عام 94 !! وبالطبع الشعوب العربية من الجزائر الى ليبيا إلى فلسطين الآن، لا أحد يعتذر ويعترف!".
مرشح اليونسكو القطري حمد الكواري تساءل عن جدوى الاعتراف وتوازنه مع ما حدث "هل اعتراف الرئيس ماكرون بدور فرنسا في مجازر رواندا والجزائر وألمانيا في ناميبيا .. خطوات مشكورة تفتح أرشيف الاستعمار في إفريقيا من مجازر ونهب للثروات والتراث والعبودية والتدخل في الشؤون الداخلية.. أم أنها عمل علاقات عامة فقط ولازال الطريق طويلا وشاقا".
وبينت الإعلامية خديجة بن قنة أسباب الازدواجية فقالت: "خطوة في الاتجاه الصحيح لم يقدم عليها أسلافه (هولاند وساركوزي وشيراك وميتران وجسكار ديستان…)، لكنها لن تخرج عن دائرة الاعتراف.. لأن الاعتذار يعني التعويض وهذا سيكون مكلفا جدا لدولة استعمرت نصف العالم".

 

Facebook Comments