قبل 5 سنوات أسقط الشعب التركي انقلاب العسكر.. ماذا لو نجح؟

- ‎فيتقارير

شهدت الجمهورية التركية، منذ الانقلاب على الخلافة العثمانية، تدخلات عديدة للجيش في الحياة السياسية من خلال 4 انقلابات عسكرية، اثنان منها أديا لتغيير الحكومة دون سيطرة الجيش على مقاليد الحكم.
وفي 15 يوليو من عام 2016 وقعت محاولة انقلاب فاشلة أعقبتها تغيرات كثيرة شهدتها البلاد، فماذا لو نجحت المحاولة الأخيرة؟

ملحمة
منذ فشل المحاولة الانقلابية، أصبح يوم الخامس عشر من يوليو أحد أهم المحطات في تاريخ تركيا المعاصر، الذي خلد انتصار الإرادة الشعبية والديمقراطية.
وتعتبر لحظة تجمع الناس في جسر البسفور سابقا الذي يربط الشق الآسيوي بالأوروبي في مدينة إسطنبول لحظة فارقة في ليلة 15يوليو 2016، حيث واجهت الحشود الانقلابيين ودارت اشتباكات قوية خلّفَت عشرات الشهداء ليتحول اسمه بعد ذلك إلى جسر "شهداء 15 تموز".
كان الأمر الحاسم الذي لم يحسب حسابه مدبرو الانقلاب هو مقاومة الشعب التركي، حتى أن مواطنا مدنيا تمترس أمام دبابة ومنعها من دخول مطار أتاتورك الدولي الذي شهد معركة قوية بين المنقلبين والقوات المدافعة عن الشرعية.
واصل آلاف االناس تجمعهم فوق جسر البسفور من أجل صد الانقلابيين ومنعهم من التقدم، وبعد ساعات من المقاومة نجحت الإرادة الشعبية في الانتصار، ومع ساعات الصبح الأولى بدأت مظاهر الاحتفال تطغى على المشهد.
بعد أسابيع من الاحتفالات في كل شوارع تركيا، دعا الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى لقاء عامّ يضمّ الزعماء السياسيين في البلاد، حضره كل من زعيم الحركة القومية دولت باهتشلي وزعيم الحزب الجمهوري كمال قلجدار أوغلو، وسط ملايين الأتراك، لتحتفل تركيا بانتصار ديمقراطيتها وشعبها.
فشل الانقلاب لأسباب عدة نوقشت وحُللت من طرف الكثير من الصفحات وفى الكثير من المقالات، لكن بقيت نقطة واحدة لم يُسلط عليها الضوء كثيرا، وهو التعليق الذي يتناقله إعلام الانقلاب بمصر "لم يكن انقلابا بل كانت تمثيلية"، هذا التعليق الذي أطلقه خبراء السفاح السيسي الاستراتيجيين أرباب الكحك والجمبري.

إعلام السيسي..!
لولا خروج الأتراك الأسطوري إلى الشوارع، والتضحيات الكبيرة التي قدموها ومنها 250 شهيدا وآلاف الجرحى والمصابين لنجح الانقلابيون في هدفهم، ولسيطر هؤلاء على الحكم لسنوات طويلة كما حدث في سنوات ما قبل حكم حزب العدالة والتنمية، أي فترة ما قبل العام 2002، ولدخلت البلاد في أتون الحكومات الانتقالية الفاشلة والفاسدة التي كان بعضها لا يصمد سوى أسابيع وربما بضعة أيام في الحكم.
وبالتالي فإن طرح هذا السؤال: ماذا لو نجح انقلاب تركيا؟ يظل منطقيا في ظل النجاحات الكبيرة التي حققها الانقلابيون في الساعات الأولى لانقلابهم المشؤوم.
وأكبر دليل على ذلك أن صحفا عربية كبرى خرجت في اليوم التالي للانقلاب بعناوين ومانشيتات تعلن نجاح الانقلاب العسكري في تركيا.
وبعد ساعات قليلة من محاولة الانقلاب الفاشلة راحت فضائيات وقنوات تلفزيونية كبرى تزف بشرى لمشاهديها بنجاح العسكر في إزاحة أردوغان وحزبه وحكومته من سدة الحكم، بل وتؤكد بثقة تحسد عليها أنه جار قتل الرئيس التركي أو على الأقل إلقاء القبض عليه ومحاكمته، بل إن وكالات أنباء عالمية كبرى أعلنت أن رجب طيب أردوغان طلب اللجوء السياسي لدولة أوروبية وأن طائرته في طريقها لإحدى تلك الدول.
وطرح اعلام السفاح السيسي على لسان عمرو أديب وزوجته لميس الحديدي وباقي فرقة المرتزقة أمثال أحمد موسى والديهي وغيرهم تساؤلاً؛ ان كان ذلك انقلابا فلماذا لم يتم اغلاق ومنع وصول الأتراك للفيسبوك وتويتر؟
والجواب أنه اذا تم اغلاقهم، لصب ذلك مباشرة بدون شك فى مصلحة الانقلابيين، لأنه بفضل الفيسبوك قام المؤيدون للحرية والديمقراطية بتنظيم أنفسهم للنزول الى الشوارع، وللوصول الى الأخبار بسهولة.
ومضي إعلام السفاح السيسي في طرح التشكيك في الانقلاب بعد فشله، وقال اذا كانت تلك فعلا محاولة انقلابية، فلماذا لم يغلق الانقلابيون البث التليفزيوني؟
والجواب أراد الانقلابيون بالفعل قطع الارسال بمحاولة الدخول الى مبنى تركسات وحدثت بعض المناوشات ولكن لم ينجحوا بذلك، ودعى الرئيس اردوغان الشعب للخروج الى الشارع لثقته بأن الشعب رافض للانقلاب، وليظهر للعالم أن الانقلاب ليس له ظهير شعبي مؤيد.
وبالمقارنة بمصر، فإن انقلاب السفاح السيسي تم تصويره على أنه مؤيد من الشعب بالبث التلفزيوني المصور للمظاهرات المعارضة للرئيس الشهيد مرسي، مما أوهم العالم أن هذا الانقلاب لم يكن مجرد انقلاب عسكري بعيدا عن الشعب وفقط، بل كان نابعا عن ارادة شعبية قوية، ولهذا كان ذلك تحديا من اردوغان للانقلابيين وللغرب، ورهانا على الشعب الذي بدوره لم يخذله.

لو نجح الانقلاب كما حدث في مصر سيكون على الأتراك نسيان خطة تحول بلادهم لواحدة من أسرع الدول نموا في الاقتصاد العالمي، لن يقرؤوا مرة أخرى أخبارا من عينة أن اقتصاد تركيا حقق ثالث أكبر معدل نمو بين اقتصادات العالم، في الثلث الأول من العام 2017.
كما لن يسمع الأتراك وعودا بل وتأكيدات بأن بلادهم ستنضم إلى قائمة أقوى 5 اقتصادات حول العالم أنه خلال سنوات قليلة، لأن تنمية الاقتصاد وزيادة موارده خاصة من النقد الأجنبي ليس من أولويات العسكر والذي لا يهمهم كثيرا ما إذا كان المواطن فقيرا أم غنيا، تعيسا أم سعيدا، ما يهمهم هو تدفق الأموال على خزينة المؤسسة العسكرية.
ويبدو أن الأتراك استشعروا هذا السيناريو الأسود، ولذا قاوموا الانقلاب العسكري بكل ما أوتوا من قوة حتى لا تتحول حياتهم ومستقبل أولادهم لظلام دامس لا نهاية له إلا بانتهاء حكم العسكر في تركيا.