في 29 أغسطس 1966م، وقف رجل أزهري يلقن سيد قطب الشهادتين قبيل تنفيذ حكم الإعدام به، قائلا له "قل لا إله إلا الله"، فما كان من سيد قطب رحمه الله إلا أن قال له: "وهل جئت هنا إلا من أجلها"؟
لقد كان اصرار الطاغية جمال عبد الناصر على إنفاذ حكم الإعدام ضد مؤلف تفسير " في ظلال القرآن" من أهم المحطات التي يجب قراءتها والتوقف عندها في سيرة عصابة الانقلاب العسكري، الذي أقسم سابقا لـ"سيد قطب" متعهدا بحمايته، ثم حنث بقسمه وأعدمه كما أعدم السفاح السيسي رئيسه المنتخب والقائد الأعلى للقوات المسلحة الشهيد محمد مرسي.

 

مجرد شاعر..!
واستدعت محاكم السفاح السيسي شيخين من شيوخ المخابرات، وهما محمد حسان ومحمد حسين يعقوب، وتم سؤالهما عن "سيد قطب"، فشهد الاثنان بأن "قطب" مجرد شاعر لم يتفقه في الدين وطالب سلطة، في حين أن حسان كان يتغنى باسم قطب في جميع خطبه ودروسه بقوله "فنسأل الله عز وجل أن يجعل الشيخ سيد قطب رحمه الله عنده من الشهداء، فهو الرجل الذي قدّم دمه وفكره وعقله لدين الله عز وجل. نسأل الله أن يتجاوز عنه بمنّه وكرمه، وأن يغفر لنا وله، وأن يتقبل منا ومنه صالح الأعمال، وأنا أُشهد الله أني أحب هذا الرجل في الله". فما الذي حدث كي يكون فكر سيد قطب رحمه الله الآن سببا للجماعات الإرهابية؟
دعم سيد قطب حراك ما عرف بالضباط الأحرار عام 1952 حيث نشر في مجلة الرسالة مقالات عديدة في هذا السياق، ومن بينها "هدية للأحرار الذين طهروا الوادي وكرموه"، وقد اهتم الضباط الأحرار بسيد وعدوه ملهما لهم، وقد اجتمع عدد منهم، من بينهم عبد الناصر، في منزله قبل الثورة بأربعة أيام، ولعل سيد كان الشخص المدني الوحيد الذي حضر أحيانا اجتماعات مجلس قيادة الثورة.
لقد توطدت العلاقة بين سيد قطب والطاغية عبد الناصر الذي عينه عضوا في "هيئة التحرير"، وحين عقد عبد الناصر احتفالا بهذه الهيئة في أغسطس 1952 في نادي الضباط في منطقة الزمالك حضره الضباط الأحرار والأدباء، قال سيد في كلمة الحفل: "إن الثورة قد بدأت حقا، وليس لنا أن نثني عليها، لأنها لم تعمل بعد شيئا يذكر، فخروج الملك ليس غاية الثورة، بل الغاية منها العودة بالبلاد إلى الإسلام".
ثم تابع سيد: "لقد كنت في عهد الملكية مهيئا نفسي للسجن في كل لحظة، وما آمن على نفسي في هذا العهد أيضا، فأنا في هذا العهد مهيىء نفسي للسجن أيضا، ولغير السجن، أكثر من ذي قبل"، إلا أن الطاغية عبد الناصر وقف يهتف "والله لن يصلوا إليك إلا على أجسادنا".
لم تمض ستة أشهر حتى افترق سيد عن الثورة ورجالاتها بعد أن رأى ما لا يعجبه فتركهم، وما هي إلا شهور حتى دارت الأيام ضده فوضع سيد مع آلاف الإخوان عام 1954 في زنازين الاعتقال وحكم عليه بخمسة عشر عاما، فازداد صلابة وإصرارا رغم آلامه وأمراضه.

 

لم يجامل العسكر
من جهته يقول الدكتور حسام جبر، المعارض السيناوي، المتخصص في الشريعة الإسلامية، ورئيس لجنة فض المنازعات بسيناء سابقا:" أكثر من أثر في تكويني الفكري والعقدي هو الشهيد سيد قطب فما قرأت له مرةً إلا ورق قلبي ودمعت عيني ولا شك أن روح الكاتب بين أسطره، وقد وقفت على حقائق غائبة على كثير من صفوة الفكر فضلا عن عوام الناس، وهو اتهامه بأنه رجل مكفراتي، ويشهد الله أنه برىء من هذا الاتهام جملة وتفصيلا".
مضيفا:" فهو رجل سمح كل ما هنالك أنه فصل معاني لم يجامل في تفصيلها وأوضحها على مراد الله ورسوله دون النظر لمن يغضب أو يسخط عليه ولم يراعِ مشاعر الطواغيت في ذلك البيان فهو أوضح الطريق بأقصر خطواته ووضع النقاط على حروفها دون مداهنة أو مواربة أو مجاملة فلم يستطع مجابهته المنتفعون والطغاة".
وتابع:" فما أستطيع قوله مجملا في ذكرى إعدامه أن سيد قطب هو أحد الأقطاب المجددين في القرن المنصرم، ظلمه الكثير ولم يستفد منه إلا القليل، ولكن الله قدر الالتفاف على الربيع العربي، ليرجع الأغلب لما كتبه ووجدوا كتاباته وكأنه يشرح حالهم وهو بينهم حي من ضمن الأحياء ويعايش الواقع مثلهم".
موضحاً:" لأن حقائق طرحه ألجمت الجميع وأوضحت للمغيبين حقيقة طريقهم، وسبل إرضاء ربهم، وأن الجنة والوصول إلى مستقرها من هذا الطريق لا في ذلك المستنقع فلم يجد الطغاة بداً إلا إعدامه والتخلص منه حيث سيبقى عقبة في طريقهم ولهذا خرج بيان المخابرات الغربية في كلمات قصيرة مفادها (يجب إعدام الكتاب وصاحبه) يقصدون كتاب معالم الطريق".
مشددا:" ومن الأمور الغائبة على الناس أيضا طريقة تفكيره في حمل السلاح ومجابهة الطغاة وهو ليس كما يظن البعض ويكفي في هذا قراءة كتيبه (لماذا أعدموني) موجود على النت ولا شك بإعدامه تأصل فكره عند الكثير وأصبح دمه راويا لكتاباته ناشرا لها".
وتجلى نبوغه الشعري الصابر بقصيدته الشهيرة "أخي أنت حر وراء السدود" وقصيدته "هبل"، ورغم الإفراج عنه لدواع طبية في مايو 1964 أعاد الطاغية عبد الناصر اعتقاله مرة أخرى في 30 يوليو 1965م ليُحكَم عليه بالإعدام مع ستة آخرين.
في تلك الليلة نشر التلفزيون المصري صورا لسيد قطب خارجا من السجن رافع الرأس، يمدّ يده مصافحا الجنود والحراس ومودّعا إياهم بابتسامة مشرقة، وكيف لا وهو المقبل على الله المسرور بلقاء ربه، وهو الذي قال سابقا: "ستظل كلماتنا عرائس من الشمع، لا روح فيها ولا حياة، حتى إذا متنا في سبيلها، دبت فيها الروح، وكتبت لها الحياة".

 

Facebook Comments