في هذا الشهر الكريم، شهر ربيع الأول، ذكرى مولدك يا سيدي يا رسول الله.. يا من أرسلك الله رحمة للعالمين، وشاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا.

نتذكر يا رسول الله سيرتك التي منها نتعلم وبها نعمل، ولا نعبأ للذين حرّموا الاحتفال بذكرى مولدك وأباحوا الاحتفال بذكرى ميلاد حكامهم أو دولهم.

نتذكر سيرتك عامة وسنّتك الاقتصادية خاصة، فقد ارتبط الاقتصاد بمولدك وقبل أيام من حياتك لم يغب الاقتصاد عن سيرتك. فمع مولدك حدثت تغييرات لم يعهد بها الزمان والمكان فسقط 14 شرفة من إيوان كسرى، وخمدت النار التي يعبدها المجوس، وانهدمت الكنائس حول بحيرة "ساوة" بعد أن غاضت، ليكون مولدك إيذانا بزوال الظلم واندثاره.

ولما جاء العهد لرضاعتك وتولت ذلك حليمة السعدية بعد أن زهدت المرضعات في رضاعتك ليتمك وعدم يسارك ماديا، تحول وضعها الاقتصادي من بؤس إلى نعيم ومن ضيق إلى بركة؛ بفضل وجودك الذي عرفت به مقياس اليُمن والغنم، لا الفقر واليتم، وأيقنت بما سيكون عليه شأنك.

ومنذ نعومة أظفارك يا حبيبي يا رسول الله رغم يتمك وكفالة عمك أبي طالب لك فإنك اعتمدت في توفير دخلك على نفسك، لتعلمنا أن من لا يملك لقمة عيشه لا يملك كلمته، فخرجت في بادية مكة راعيا للغنم على قراريط لأهل مكة، ثم عملت تاجرا وارتبط الصدق والأمانة بك حتى أصبح معنى الصدق والأمانة هو اسمك. وكان عملك بمال السيدة خديجة فتحا مبينا لمالها ولشخصها بزواجها منك، فكانت أول سيدة أعمال في الإسلام، وكنت يا رسول الله قدوة لرجال الأعمال بجمعك بين الأمانة والكفاءة، فلم تعرف تجارتك سوى الربح والبركة. وكان من صفاتك ما قالته السيدة خديجة – بحكمتها وبصيرتها – لك يوم جاءك الوحي: "أبشر، فو الله لا يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق".

ويوم أن صدعت بالحق في مكة وتكالب القريب والبعيد عليك، وعرض المشركون عليك أن يجمعوا من أموالهم ما يغنيك، فكان ردك حاسما ورفضك مزلزلا، فالدعوات لا تعرف الدعة والركون ولا تغريها الأموال ولا السلطة. ولما عجزت سياسة الجزرة التي اتبعوها لجأوا لسياسة العصا، فحاصروك يا حبيبي يا رسول الله حصارا اقتصاديا أنت وقومك من بني هاشم وبني المطلب، فامتنعوا عن البيع لكم أو الابتياع منكم، ولكنك لم تستسلم، وصبر معك المحاصرون رغم وصول الجهد أقصاه جوعا وعريا، حتى انتهى الأمر وأنت أكثر قوة وثباتا.

ولم تتوان يا رسول الله وأنت في مكة أن تؤاخي بين من آمن معك مؤاخاة اقتصادية، وانتقلت هذه المؤاخاة إلى المدينة يوم خرجت إليها مهاجرا.. ذلك اليوم الذي أصررت فيه على دفع ثمن الراحلة التي جهزها لك أبو بكر الصديق للهجرة، وأبيت تطوع أبو بكر بها، مبينا أن أصحاب الدعوات لا يعيشون من جيوب غيرهم، وأن البذل في العمل لله ضرب من العبادة ينبغي الحرص عليه واستبعاد النيابة فيه.

وما إن وطأت قدمك أرض المدينة إلا كان الاقتصاد في لب قرارتك، فبنيت المسجد وكان جامعة تعبدية وعلمية يتعلم فيها الناس العلوم ومنها الاقتصاد؛ بطيب حديثكم وحلو معشركم، وآخيت بين المهاجرين والأنصار مؤاخاة اقتصادية في صورة لا مثيل لها لا في الحاضر ولا الماضي ولا المستقبل. وعبّر عن هذا القرآن تعبيرا تخشع منه القلوب: "وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ" (الحشر: 9).

ثم بنيتَ سوق المدينة وقمت بدراسة جدواه الاقتصادية والاجتماعية بنفسك، ثم حولته لواقع ملموس ووضعت له الأسس الحاكمة، فلا ربا ولا غرر ولا غش ولا احتكار ولا ضرائب ولا أكل لأموال الناس بالباطل، مشيرا للفئة المؤمنة "هذا سوقكم فلا ينتقصن ولا يضربن عليه خراج".

هذه خواطر اقتصادية من يوم مولدك حتى هجرتك يا رسول الله.. ونحن في يوم مولدك نتذكر انتصار الله لك "إلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ" (التوبة: 40)، في وقت تكالب فيه الحاقدون للإساءة إليك، وقد نالهم ما نالهم من انتصار الله لك وانتقامه منهم على رؤوس الأشهاد.. ورغم ذلك لم يتعظ أو يتوقف الرئيس الفرنسي (ماكرون) عن الوقوف مع من أساء إليك، فهبت جموع محبيك لمقاطعة السلع والخدمات الفرنسية منذ عام.. ونحن في ذكرى ميلادك يا رسول الله نجدد العهد بنصرتك فأنت أحب إلينا من أنفسنا وأولادنا وأموالنا، فلا أقل من تفعيل مقاطعة السلع والخدمات الفرنسية نصرة ومحبة لك، والاستمرار في ذلك بنفس طويل مرددين: "قاطعوهم ما استطعتم إلى ذلك سبيلا".

…………..

نقلا عن "عربي 21"

Facebook Comments