7 أسباب وراء تفشي الجرائم في مصر بعد انقلاب السيسي

- ‎فيتقارير

تشهد مصر خلال السنوات السبع الماضية تفشيا للجريمة بصورة مرعبة؛ كما بات المصريون يتناقلون تفاصيل لجرائم لم يسبق أن عرفها المجتمع المصري من قبل؛ من قتل وبلطجة وخطف للأطفال والنساء، وسرقة، كما تزايدت أعداد اللصوص  وقطاع الطرق بصورة خطيرة في أعقاب الاتفاق مع صندوق النقد الدولي في نوفمبر 2016م؛ الأمر الذي أدى إلى سقوط عشرات الملايين من المصريين تحت خط الفقر، بعدما انخفضت قيمة العملة للنصف وتآكلت قيمة المرتبات والأجور والمدخرات على نحو أضر كثيرا بكل فئات المجتمع. وفاقمت موجات الغلاء التي لا تتوقف من الأزمة وجعلتها مشكلة تستعصي على الحل أمام حكومة تفتقد إلى أدنى درجات الكفاءة وانعدام الرشد والحكمة.

ومع الغلاء الفاحش، وتزايد معدلات الفقر، تفشت ظاهرة التسول  بشكل مخيف، وتقدر دراسة صادرة عن المركز القومي للبحوث الجنائية عدد المتسولين بحوالي 41 ألفا  بينما يصل عدد الأطفال الذين يتم استخدامهم في عمليات التسول حوالي “1.5” مليون طفل بحسب إحصائية كشفها الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء بحسب موقع “دوت مصر” التابع لجهاز المخابرات العامة. وهي الإحصائية التي تفترض أن أطفال الشوارع عملهم الرئيس هو التسول أو السرقة.

لكن بوابة الأهرام نشرت دراسة، أجراها قسم بحوث الجريمة، بالمركز القومي للبحوث الجنائية، عن أطفال التسول في شوارع مصر، ينزل بالرقم إلى 21 ألفاً و650 طفلاً متسولاً، وبذلك يحتل الأطفال النسبة الأكبر، من أصل 41 ألف متسول داخل مصر. وتوصلت الدراسة لأرقام خطيرة، تفيد قيام بعض الأسر بتأجير أطفالهم، مقابل الحصول علي رواتب يومية من معتاد التسول، تصل لـ 50 جنيها يوميًا، مقابل إيجار طفل صغير عمره ما بين 5 إلي 10 سنوات، في حين يصل إيجار الطفل المكفوف أو المعاق لـ 75 جنيها، ويتراوح إيجار الطفل الأصم أو المعاق ما بين 100 و200 جنيه يوميا.

وتفشت في مصر أيضا  ظاهرة خطف الأطفال؛ ويصف أمنيون اختفاء الأطفال أنّه جريمة تحتاج إلى وقفة، مؤكدين عدم توفر إحصائيات دقيقة حول معدل اختفاء الأطفال في مصر. لكن، وبحسب معلومات أمنية  قدَّرت حالات اختفاء الأطفال  في النصف الأول من  2017 بنحو  «1700» سجلتهم بلاغات رسمية. وعلى الصعيد الشعبي، باتت القضية من أهم القضايا التي تؤرق المواطنين في مصر، بعدما تحوّلت إلى ما يشبه الكابوس للآباء والأمهات، بل أدت إلى رفض أسر كثيرة نزول أبنائها الصغار إلى الشارع أو النادي بمفردهم.

وعلى مستوى انتشار الجرائم، احتلت مصر المركز الرابع على مستوى الدول العربية في معدلات الجريمة، واحتلت المرتبة الـ26 عالميًا، والثامنة أفريقيًا والثالثة عربيًا، وفق مؤشر الجريمة العالمي (نامبيو) خلال عام 2018؛ بسبب تفشي ارتكاب الجرائم. وقال المؤشر إن أنواع الجريمة وطرق تنفيذها تطورت، فالقتل العمد زاد بنسبة 130%، والسرقة بالإكراه 350%، إضافة إلى وجود 92 ألف بلطجي في مصر، والمسجلون خطر ارتفعوا بنسبة 55%، حسب إحصائيات رسمية صادرة عن وزارة الداخلية في 2017.

وتزايدت معدلات الإدمان وتعاطي المخدرات في مصر خلال السنوات القليلة الماضية، يقول عمرو عثمان، مدير صندوق مكافحة وعلاج الإدمان والتعاطي: «بلغت نسبة تعاطي المخدرات بين المصريين أكثر من 10 في المائة، وهي نسبة تمثل ضعف المعدلات العالمية». معنى ذلك أن عدد المدمنين ومتعاطي المخدرات بمصر يزيد عن “10” ملايين!

 

أسباب  انتشار الجرائم

يمكن أن نعزو انتشار الجرائم وتفشي الظواهر السلبية في المجتمع إلى عدد من الأسباب:

أولا، تدهور الأوضاع الاقتصادية وتآكل الأجور والمرتبات مع انخفاض قيمة الجنيه لأكثر من 100% في أعقاب البدء في تنفيذ ما يسمى بالبرنامج الاقتصادي وتحرير العملة المحلية أمام باقي العملات وما تلى ذلك من موجات ملاحقة من الغلاء الفاحش والتي أدت إلى سقوط عشرات الملايين تحت خط الفقر؛ وبحسب الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء فإن معدلات الفقر ارتفعت إلى “32.5%” في 2018م ما يعني أن حوالي 30 مليون مصري يعيشون تحت خط الفقر. لكن الجهاز أعلن في 2020 أن نسبة الفقر تراجعت إلى نحو 29% رغم التداعيات الكارثية لتفشي جائحة كورونا التي تسببت في سقوط ملايين المصريين تحت خط الفقر؛ الأمر الذي يبرهن على أن الحكومة تتلاعب بأرقام الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء من أجل تجميل صورتها وتحقيق نجاحات وهمية لا وجود لها.

ثانيا، أسهم في  تزايد معدلات الجريمة؛ الانقلاب العسكري الذي قاده السيسي، باعتباره سلوكا غير مشروع يكرس ثقافة العنف ويدفع الآلاف إلى تحقيق أغراضهمم بأدوات غير شرعية ولا أخلاقية. أضف إلى ذلك أن الاستبداد السياسي والعنف المفرط من جانب السلطات بحق الشباب المتطلع للحرية المدافع عن مكتسبات ثورة يناير التي أجهضها العسكر، أفضى إلى انقسام مجتمعي حاد، استخدمت فيه السلطة أبشع صور الإرهاب والقتل والتعذيب وتكريس خطاب العنف والكراهية والتكفير السياسي والديني، ومع انسداد المسار السياسي وإجهاض الديمقراطية، وانعدام الأمل في التداول السلمي للسلطة، كلها عوامل بثت الروح في أفكار التنظيمات الراديكالية التي تؤمن بالعنف طريقا للتغيير ويعتبر السيسي هو الأب الروحي لهذه التنظيمات، فانقلابه بث في أفكارها الحياة من جديد بعد أن كانت أوشكت على الفناء في أعقاب ثورة يناير وفتح المجال أمام الجميع للمشاركة في الحياة العامة على حد سواء.

ثالثا، تعتبر “العولمة” سببا رئيسا في انتشار الإلحاد والجريمة، فالعولمة جعلت من العالم قرية صغيرة بفعل ثورة الاتصالات والإنترنت والانتشار الواسع  لمنصات التواصل الاجتماعي وسهولة التواصل مع الأفكار والثقافات المختلفة على مستوى العالم، أدى ذلك إلى تعرف الشباب الغض لموجات كثيفة من التغريب والأفكار الدخيلة والغريبة على المجتمع، وأمام الانتشار الواسع للسينما الأمريكية عبر شبكة قنوات “أم بي سي” التي تديرها السعودية إضافة إلى الدراما التي تعتمد على الأكشن والجريمة، كل  ذلك كان صدى لتأثيرات العولمة السلبية، ساهم من زيادة تأثيرها غياب المناعة المجتمعية في ظل حكم استبدادي سلطوي ليس معنيا بحماية المجتمع وتحصينه بقدر اهتمامه  بحماية النظام وتوفير عوامل بقائه واستمراره.

رابعا، ومن أسباب تفشي العنف والجريمة والمخدرات كذلك، الدور السلبي للدراما التي باتت أحد أهم أدوات تكريس ثقافة العنف في المجتمع حتى يحقق رموز وكوادر النظام أرباحا بالملايين على حساب قيم وأخلاقيات المجتمع في ظل تشجيع من النظام الذي يريد أن يغرق الشعب بالأفلام والدراما لإلهائهم عن السياسة وللتغطية على فشل النظام في كافة المجالات والأصعدة.

خامسا، ساهم في زيادة معدلات الإلحاد والانحلال الأخلاقي كذلك، عمليات القمع المفرط الذي مارسه نظام الجنرال عبدالفتاح السيسي والحرب  المسعورة على المتدينين من شباب التيار الإسلامي، إضافة إلى حصار النشاط الدعوي للإخوان والدعاة المخلصين في التيار السلفي، والترصد للدعاة الربانيين داخل المؤسسة الدينية الرسمية، كل ذلك يعزز بالمقابل السلوكيات المناقضة للالتزام فأفضى ذلك إلى تزايد معدلات الإلحاد وتفشي الانحلال الأخلاقي.

سادسا، تفشي الفساد في أجهزة الدولة، فالشرطة التي يفترض أن تقوم بالتصدي للمخدرات ومكافحة التهريب يمارس كبار قادتها عمليات تهريب واسعة عبر مافيا واسعة مع قيادات كبرى في الجيش والمخابرات وكبار رجال الدولة، ويتحصلون من وراء ذلك على المليارات من هذه التجارة الحرام. تماما كما يحدث في تهريب  الآثار وغيرها من كنوز مصر.

سابعا، قصور التشريعات عن مواجهات كثير من الظواهر مثل الزنا والمخدرات وتهريب الآثار، وهو ما يسهم في عدم وجود رادع للمهربين والمدمنين، وبذلك يجد الكثيرون في هذه التجارة الحرام  وسيلة للثراء السريع على حساب تدمير المجتمع، كما يجد الزناة أن القانون يحمي هذه الرذيلة إذا تمت بالتراضي، وهي رسالة تشريعية تؤكد توفير الدولة حماية للزناة وتقنينا للزنا.