ضمن آلاعيب السيطرة العسكرية بسلطة الانقلاب على مجريات الأمور في مصر بلا قواعد حاكمة أو مهنية في اتخاذ القرارات ، تصدر الدوائر المتحكمة في عمل الوزارات أحاديث وأخبار التغييرات الحكومية ، حتى بتنا كمن يسمع ضجيجا ولا يرى طحينا، في ظل السيطرة العسكرية الكاملة على مفاصل العمل السياسي والدولاب الحكومي.
وخرجت في الفترة الأخيرة العديد من التقارير عن احتمالات تعديل وزاري قد يصدره المنقلب السيسي قريبا، ثم يتوارى الأمر ويخفت الحديث عن أية تغييرات حكومية.
التعديل المرتقب في نهاية العام الحالي، جرى تأجيله وفق روايات رسمية بسبب تأجيل قرار انتقال الوزارات والمقار الحكومية إلى العاصمة الإدارية في مارس المقبل بدلا من نهاية ديسمبر الجاري، بسبب تعطل الإنجازات في المباني الحكومية وعدم إنهاء جميع التجهيزات اللوجستية أو شبكات الاتصالات ، بجانب اعتراضات عديدة من قبل الوزارات على تصاميم مبانيها وعدم ملائمة المباني مع عدد الموظفين بدواوين الوزارات، ما يسبب أزمة تدوير دولاب العمل بالوزارات.
ولكن بعض المسئولين بحكومة الانقلاب كشفوا في تصريحات صحفية لوسائل إعلام عربية، أن الأمر مرتبط بسياسات الإخضاع والسيطرة التي تتحكم في أمور مصر، والتي تستهدف أيضا شخصيات وزراء الانقلاب الذين يريد الضابط المزيد من الخضوع للدوائر السيادية ، سواء في التعيينات أو القرارات أو الإدارة وفق العقلية الأمنية التي يراها أصحاب السطوة العسكرية.
نهاية الشهر
يشار إلى أن التعديل الذي كان مقررا في نهاية ديسمبر الجاري، كان يشمل حقائب عدة أبرزها الصحة والاتصالات والتموين والتجارة الداخلية والقوى العاملة وقطاع الأعمال العام والثقافة والإعلام، مع الإبقاء على مصطفى مدبولي في منصب رئيس الوزراء، الذي يشغله فعليا منذ نوفمبر 2017، وبصورة رسمية منذ يونيو 2018.
وذهبت مصادر برلمانية، في تصريحات صحفية، إلى أن التلويح دوما بإجراء تعديل حكومي يسهم في فرض السيطرة على الوزراء، وتنفيذهم التعليمات الواردة إليهم من دائرة السيسي، أملا في الاستمرار بمناصبهم، وعدم استبدالهم بآخرين.
الوزارات الخدمية
وتابعت المصادر أن الوزارات الخدمية التي تمتلك العدد الأكبر من الموظفين، لن تسمح لجميع موظفيها بدخول العاصمة الجديدة، بل ستقتصر عملية الانتقال على العاملين في دواوينها، ومكاتب وزرائها، وإداراتها المركزية، بشرط الانتهاء أولا من شبكات الاتصال والتجهيزات اللوجستية اللازمة لذلك.
الإعلام وسيلة إخضاع ذات جدوى
ومن خلال استقراء الواقع السياسي والإعلامي، في مصر حاليا، بات الإعلام والصحافة وسيلة لابتزاز وإخضاع المسئولين والوزراء، كما جرى مؤخرا في قضية إقالة وزير الإعلام السابق أسامة هيكل، حيث سلطت الأذرع الإعلامية والكتائب الإعلامية التي يديرها المقدم أحمد شعبان، مسئول الإعلام بالمخابرات هجومهم الكبير على هيكل الذي اضطر للاستقالة، وذلك بسبب عدم قبوله بسيطرة شعبان ومجموعة العساكر على وسائل الإعلام المختلفة وانتقده لآدائهم.
وهو ما يمكن تفسيره مؤخرا بالهجوم على وزير الآثار والثقافة خالد عناني، وهو ما قد يكون له صلة بانكشاف أمر سرقة الشركات العسكرية لأكثر من 160 قطعة أثرية جرى استخراجها خلال عملية تجريف وتطوير قصر المنتزه وشاطئ المنتزه بالإسكندرية مؤخرا، علاوة على الفساد الشركات العسكرية العاملة في المشاريع الكبرى التي تجريها الوزارة ، كالمتحف المصري الكبير وغيره من المشاريع.
وشمل آخر تعديل على حكومة مدبولي، في ديسمبر 2019، تغيير وزراء الطيران المدني والتضامن الاجتماعي والسياحة والآثار والتجارة والصناعة والزراعة والإعلام وكذلك التعاون الدولي بعد فصل هذه الوزارة عن وزارة الاستثمار، ونقل صلاحيات وزارة الاستثمار إلى رئيس وزراء الانقلاب.
بزنس اللواءات في التعليم العالي
ولعل ما يثير أزمات وارتباك في التعديل الوزاري المرتقب، ما يتعلق بإسناد وزارة الصحة بعد فضيخة فساد وزيرة الصحة هالة زايد إلى خالد عبدالغفار، الذي تتصادم معه جهات سيادية بعد توسعه بعقد صفقات مع رجال أعمال لإنشاء جامعات تكنولوجية، كما جرى مع رجل الأعمال محمد السويدي، حيث يطمح مقربون من جهت سيادية وأقاربهم، بالتوسع في مجالات الاستثمار بالتعليم العالي، وكان عبد الغفار مرشحا بقوة للاستبعاد من منصبه في التعديل الوزاري حال إجرائه، بسبب غضب بعض الدوائر الأمنية والرقابية منه، وشن حملة واسعة ضده في البرلمان وبعض الصحف الموالية للدولة، بسبب تعاقده مع رجل الأعمال محمد السويدي على إقامة عشر جامعات تكنولوجية جديدة، وسعيه لتعميم هذه التجربة مع مجتمع رجال الأعمال لإقامة شراكة دائمة مع الدولة في مجال التعليم العالي، وزيادة أعداد الخريجين من تلك الجامعات التكنولوجية، للعمل مباشرة في مصانع وشركات رجال الأعمال هؤلاء.
ويحاول عبد الغفار بكل جهده الإجادة في إدارة ملفات الوزارتين خلال الفترة الانتقالية الحالية، لينال ثقة السفيه السيسي ويتصدى لمحاولات إبعاده، والدفع بشخصية أكاديمية جديدة أكثر قربا من الأجهزة الأمنية، نظرا لرغبة بعض الأجهزة في الدخول بقوة أكبر في مجال الاستثمار التعليمي، وهو ما لا يرفضه عبد الغفار بالمرة.
فساد وطرمخة
ومما تثيره أحاديث التعديل الوزاري أيضا، أن التحركات غير المعتادة للرقابة الإدارية حاليا، من خلال عناصرها المكلفة بإدارة شؤون الوزارات، وعناصر أخرى تم الدفع بها أخيرا، بعد أزمة وزارة الصحة، إلى فوضى في بعض الوزارات، إذ أثارت التحقيقات الصورية التي تم إجراؤها بشكل متسرع، خلال الفترة الماضية على التعاقدات الحكومية الأخيرة، شبهات فساد عديدة داخل وزارات الزراعة والتموين وغيرها، ما يبقي أيضا الوزراء تحت الضغط.
وتعتمد هيئة الرقابة الإدارية، المسؤولة عن التحريات حول المرشحين للحقائب الوزارية، في جمع معلوماتها على ضباط الاتصال التابعين لها في كل دواوين الوزارات، وعلى مديري مكاتب الوزراء الحاليين، ومعظمهم من ضباط الهيئة والشرطة السابقين.
ومن المستبعد شمول التعديل المرتقب وزراء في المجموعة الاقتصادية، باستثناء وزير قطاع الأعمال العام، أو حقائب هامة مثل التربية والتعليم والشباب والرياضة والأوقاف والنقل والإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية، على الرغم من انتقادات نواب البرلمان المستمرة لأداء هؤلاء الوزراء، وذلك لما يتمتعون به من دعم مباشر من السيسي.
فيما تثور تكهنات حول شمول التعديل الوزاري المرتتقب حقيبتي الدفاع والداخلية كما أن ملف وزارة الخارجية، من الأسباب التي تساهم في تأخير التعديل الوزاري في ظل العديد من الملفات الملتهبة التي تواجه مصر، أزمة سد النهضة، والتي تشترك فيها الخارجية والري.
وضمن إستراتيجية الخوف المتحكم في رأس النظام، فلدى السيسي عقيدة في ما يخص الشؤون الإدارية المتعلقة بالمناصب السيادية، تقوم على عدم الإبقاء على أي مسؤول سيادي في منصبه لفترة طويلة، وذلك لمنع خلق مراكز قوى وولاءات بعيدة عن سيطرة السيسي.
مصالح العسكر
وهكذا يمكن اختزال مصر في مصالح اللواءات وأقربهم الذين يستهدفون السيطرة عل مشاريع الوزارات والحكومة بأي شكل من الأشكال بعيدا عن مشكلات وأزمات الوطن والمواطنين وهو ما تكون عاقبته الفساد وإهدار الأموال وضياع الأولويات.