تحمل صفقة بيع رجل الأعمال القبطي نجيب ساويرس عن حصته الكبيرة في شبكة "يورونيوز" الإخبارية كثير من التساؤلات حول أسباب الصفقة والهدف من البيع ومغزى التوقيت في ظل حرص آل ساويرس على تكوين إمبراطورية إعلامية مترامية الأطراف يتم توظفيها لخدمة أهداف قوى دولية وإقلمية وكذلك الدفاع عن مصالح آل ساويرس والدعاية لمشروعاتهم الضخمة التي جعلتهم من أثرى أثرياء مصر والعالم.
وقد وقعت شركة ميديا جلوب نتووركس المملوكة لعائلة ساويرس عقد بيع حصتها (88%) في شبكة «يورونيوز» الإخبارية لشركة ألباك كابيتال البرتغالية، دون الإعلان عن قيمة الصفقة، حسبما نقلت نشرة «انتربرايز» عن بيان أصدرته الشبكة الجمعة الماضي (17 ديسمبر 2021م).
وبحسب مراقبين قد يكون السبب في الصفقة هو الخسائر التي تتعرض لها الشبكة حسبما صرح نجيب ساويرس نفسه قبل أيام، وسوف يترتب على عملية البيع استبدال المجلس الإشرافي للشبكة الذي يرأسه نجيب ساويرس، وتشكيل مجلس إدارة يرؤسه الرئيس التنفيذي الحالي للشبكة، مايكل بيترز، الذي قال لـ «رويترز» إن «يورونيوز» تكبدت 16 مليون يورو خسائر في العام الماضي، وأنها تسعى لتنويع إيراداتها لتعويض الخسائر. كانت مجموعة ساويرس استحوذت على الحصة الغالبة في «يورونيوز» في 2015.
لكن هناك سبب آخر أكثر أهمية؛ فنجيب ساويرس عندما اشترى الحصة الكبيرة في هذه الشبكة كان يستهدف الدعاية والتسويق لنظام العسكر في مصر والذي كان يعاني من أزمة شرعية وانتقادات حادة في ملف حقوق الإنسان؛ لكن النظام حاليا بات يتمتع بحماية دولية من كبريات الدول العالمية والعواصم الغربية؛ ووبالتالي فقدت الشبكة قيمتها في ظل الدور الذي تقوم به إسرائيل في حماية نظام السيسي والدعاية له. فعندما أبرم ساويرس صفقة الاستحواز على قناة Euronews في فبراير 2015م مقابل 35 مليون يورو، برر ساويرس إقدامه على هذه الصفقة رغم خسائره في مجال الإعلام بأن السبب هو تحسين صورة مصر في أعقاب 30 يونيو 2013م حيث إنه كان يرى أن هناك مشكله في ايصال صوت مصر للخارج وهناك قنوات مثل الـ BBC والـ CNN لم تعد تغطي بحيادية على حد زعمه، بما يعني أن الهدف هو تحسين صورة نظام السيسي العسكري في الدوائر الأمريكية والغربية عموما، والتغطية على جرائم النظام وانتهاكاته المروعة في ملف حقوق الإنسان، والدعاية لحرب الاستئصال ضد الإسلاميين والتي يقودها السيسي منذ انقلابه. فمحطة Euronews. والتي تبلغ من العمر 22 عاما وتبث أخبارا على مدى 24 ساعة بـ 13 لغة ويعمل لديها نحو 400 صحفي من 25 دولة. وكانت تحتل المركز الرابع في نسب المشاهدة بين الأوروبيين بعد سي إن إن (40%) وسكاي نيوز (31%) وبي بي سي (29%) من نسبة المشاهدة. وذلك وفق إحصاء نُشر عام 2014 وشمل أكثر من 50 مليون مشاهد بـ21 دولة.
وفي ديسمبر ٢٠١٢ أعلن مدير قناة “أون تي في” ألبيرت شفيق أن نجيب ساويرس باع شبكة “اون تي في” إلى رجل الأعمال الفرنسي التونسي الأصل طارق بن عمار وأن ذلك لن يؤثر في وضعه كمدير وعضو منتدب والمسؤول الوحيد عن الإدارة، وقال إنه لا دخل لمالك القناة بأي شؤون إدارية.. وقد تزامن الاعلان عن الصفقة مع اشتعال الأحداث السياسية في مصر بعد الإعلان الدستوري الذي أصدره الرئيس المصري الراحل محمد مرسي، فضلاً عن الدستور الجديد الذي طرحه للاستفتاء في ذلك الوقت. وقد رفض ساويرس حينها الإعلان عن تفاصيل تلك الصفقة وأكد انها حقيقية وليست صورية وذلك خلال حوار له مع وائل الابراشي في برنامج “العاشرة مساءاً”، ثم عاد وصرح في 5/10/2013 في حوار لنفس المذيع وفي نفس البرنامج أنه مازال يتمتع بملكية القناة، ولم يقم ببيعها كما أعلن من قبل، لكنه قام بدمجها مع مجموعة قنوات “طارق بن عمار” علي أن تظل ادارة القناة له. وصرّح أنه قام بهذه الخطوة تخفيفاً للضغوط المتزايدة عليه من الإخوان المسلمين. حيث كانت القناة تتطاول بطريقة فجة مع الرئيس مرسي عليه رحمة الله. وهو ما تزامن أيضا مع هجوم الصحف والمواقع الممولة من ساويرس على الرئيس مرسي ومنه صحيفة "فيتو" التي نشرت صورة للرئيس مرسي وبجواره مانشيت "زمن الكلاب".
وإبان الغزو الأمريكي للعراق، أطلق ساويرس قناة نهرين للإذاعة والتلفزيون، وهي أول قناة أرضية مملوكة للقطاع الخاص يطلقها نجيب ساويرس أواخر عام 2004 وتبث لمدة 24 ساعة بتمويل بدأ بـ 25 مليون دولار، وزعم حينها أن الهدف من إنشائها هو الترويج فقط لشبكة المحمول التى يملكها فى العراق تحت اسم “عراقنا”. وقد تزامن موافقة السلطات العراقية – الموالية للاحتلال – علي إطلاق القناة، مع إغلاق مكتب قناة الجزيرة في العراق في 7 اغسطس 2004 والتي تركز علي المحتوي السياسي للأوضاع الملتهبة في العراق، علي عكس قناة نهرين التي يغلب عليها الطابع الترفيهي. ولم يمر الكثير من الوقت حتى اندمجت القناة بشكل كامل مع قناة “العراقية” التي أنشأها الاحتلال الأمريكي في مايو 2003. معنى ذلك أن إمبراطورية ساويرس الإعلامية ما هي إلا بيدق من بيادق الاحتلال ولخدمة الأجندة الأمريكية في المنطقة. والعمل على تحسين صورة الاحتلال.
وتعتبر عائلة ساويرس من أهم وأبرز العائلات التي حققت ثراء هائلا في ظل نظام الحكم العسكري الذي يحكم مصر منذ سنة 1952م وحتى اليوم، فالعائلة التي تضم نجيب وسميح وناصف تمتلك إمبراطورية اقتصادية مترامية الأطراف، وقد حققت في عهد الرئيس السابق حسني مبارك قفزات هائلة بعد حصولها على امتيازات ضخمة في كافة القطاعات وخصوصا السطو على مساحات هائلة من الأراضي بأسعار زهيدة؛ لذلك احتاجت إلى إمبراطورية إعلامية تدافع عن نفوذ العائلة وثرواتها الطائلة وحتى توجهاتها الدينية والسياسية، بوصفها إحدى أكبر العائلات التي تنتمي إلى الكنيسة الأرثوذوكسية من جهة، ومعروف عنها ولاؤها للنظام العسكري للفوز بالامتيازات والصفقات الكبرى من جهة أخرى.