في مشهد كوميدي لكنه من نوع «الكوميديا السوداء»، بين رئيس الانقلاب عبدالفتاح السيسي ووزير النقل بحكومة الانقلاب كامل الوزير، يعكس مدى الفوضى والفساد في بلد كبير بحجم مصر تحكمه عصابه بلا وازع من دين أو خلق أو ضمير. لكن خلاصة المشهد تمثل دليلا وبرهانا على أن حجم الفساد والنهب الذي تمارسه شركات الجيش في ما تسمى بالمشروعات القومية.
المشهد جرت تفاصيله يوم السبت 25 ديسمبر 2021م؛ أثناء افتتاح السيسي عددا من المشروعات في محافظة قنا بصعيد مصر؛ وهي مشروعات تنفذها شركات الهيئة الهندسية للقوات المسلحة حيث تقيم عددا من الطرق والكباري والجسور بالأمر المباشر؛ حيث أعلن كامل الوزير، أن تكلفة إنشاء 3 محاور جديدة في محافظات الصعيد 9 مليارات جنيه (573 مليون دولار) لكن السيسي اعترض على هذا الرقم فأعلن الوزير عن خفض التكلفة إلى 7.5 مليارات فقط بخفض قيمته نحو 1.5 مليار جنيه!
وقال السيسي مخاطبا كامل الوزير، في افتتاح بعض المشروعات بصعيد مصر، السبت: "ليه يا كامل 9 مليارات جنيه؟"، ليرد الوزير: "سعر الحديد مرتفع يا أفندم، بس ممكن ننزل التكلفة إلى 7.5 مليارات جنيه"، ليعقب السيسي: 7 مليارات إيه بس؟ هل الشركات اللي شغالة موجودة؟ فين الحاج سعيد؟!"، في إشارة إلى سعيد محمود، مالك شركة "السعداء للمقاولات" العاملة مع الجيش من الباطن.
هذا المشهد يفتح كثيرا من الألغاز والتساؤلات: من حدد تكلفة هذه المشروعات في بادئ الأمر وخصص لها الميزانية؟ وما المعايير التي اعتمد عليها واضعو هذه المخصصات؟ ولماذا جرى تخفيض المبلغ من 9 مليارات إلى 7.5 بعد تدخل السيسي؟ ألا يعد ذلك نهبا واسعا لأموال الشعب؟ ألا يمكن تخفيض المبلغ أكثر من ذلك إذا تمت عليه مناقصة بين الشركات بدلا من إسناد المشروعات لشركات الجيش بالأمر المباشر؟
أليس ما فعله السيسي هو اتهام صريح لشركات الجيش بالنهب والفساد وتحديد مخصصات مالية للمشروعات تفوق التكلفة الفعلية كثيرا؟ أليس من الواجب فورا تحويل المسئولين عن تحديد تكلفة هذه المشروعات إلى محاكمة عاجلة بتهمة الفساد ونهب المال العام؟ أليس ذلك تشويها وتوريطا للجيش في فساد كبير يعزز من عوامل فقدان الثقة بين الناس في المؤسسة العسكرية؟ ألا يعتبر السيسي وقادة المؤسسة العسكرية الذين يؤيدونه ويدعمون سياساته هو ألد أعداء مصر وجيشها من خلال توريط الجيش في السياسة من جهة والاحتكار من جهة ثانية، وقتل آلاف المصريين من جهة ثالثة؟ من المستفيد من تشويه صورة الجيش على هذا النحو؟ ومن المستفيد من دق الفتنة والأسافين بين الشعب ومؤسسته العسكرية من خلال تشويهها وتوريطها على هذا النحو المدمِّر والمخرِّب؟
أرقام مهولة لا حسيب أو رقيب
وحتى ندرك أبعاد الفساد، فإن السيسي كشف خلال كلمته أن "مشروعات وزارة النقل حجمها كبير في مصر، والمشروعات التي تنفذها الهيئة الهندسية للجيش أو وزارة النقل أو هيئة المجتمعات العمرانية التابعة لوزارة الإسكان تبلغ 1.6 تريليون جنيه"، مستطرداً بأن "حجم العمل في جميع القطاعات داخل الدولة المصرية يصل إلى 6.2 تريليونات جنيه"، حسب زعمه. من جهته، قال وزير النقل إنه تم تخصيص 600 مليار جنيه لإنجاز مشروعات النقل في صعيد مصر، خلال الفترة من يونيو 2014 وحتى يونيو 2024، مضيفاً أنه جار إنشاء وتطوير 17 ألف كيلومتر طرقاً رئيسية، بخلاف 22 محوراً على النيل، وقرابة ألف جسر ونفق، بالإضافة إلى 28 ألف كيلومتر طرقاً محلية في جميع المحافظات بتكلفة 474 مليار جنيه، ضمن مبادرة "حياة كريمة"، وفقاً لقوله.
ويبقى السؤال: كم حجم الفساد في هذه المشروعات؟ ولماذا لا توجد أي جهة رقابية على هذه الأموال الضخمة؟ وهل يمكن أن تنهض دولة غارقة في كل هذا العفن والظلم والفساد؟ إنهم يزدادون غنى وثراء، ومصر تزداد بهم فقرا وجهلا وتخلفا؛ وبعد أن تمتلئ كروشهم وبطونهم بالمليارات الحرام يخرجون على شاشات التفاز هاتفين" تحيا مصر"! كيف تحيا بكم وأنتم مصدر بلواها وخرابها؟ وهل تحيا الأمم بالظلم والفساد؟!