في وقت تتزايد فيه المخاطر حول مستقبل مصر المائي والزراعي، بل والاجتماعي والاقتصادي والوجودي، إثر العجز غير المسبوق للنظام العسكري الحاكم لمصر أمام إثيوبيا التي تفعل ما تشاء وقتما تشاء في مياه النيل، دون اكتراث بمصر أو شعبها أو جيشها، حيث تستعد للملء الثالث لسد النهضة في يوليو المقبل، فيما يبدأ التوليد للكهرباء من التوربينات المنخفضة للسد خلال أيام، رغم مطالبات مصر واستجداء نظامها العسكري للجلوس لمفاوضات، من أجل حفظ ماء الوجه لا ماء النيل للنظام الذي فقد جدواه الإستراتيجية في حفظ حقوق مصر المائية، وأمام هذا العجز عن ردع إثيوبيا عن استهتارها بحقوق مصر المائية، حوّل النظام الانقلابي حياة المصريين بالداخل إلى مرار، إذ أن انقطاع المياه لمعظم ساعات اليوم، بات أمرا معتادا، فيم يتوسع للانتقام من المصريين بتشريعات انتقامية لاستخدامهم المياه في ري محاصيلهم التي بات ممنوعا عليهم زراعتهم بأراضيهم، واستحداث غرامات ورسوم انتقامية لاستخدام ماكينات الري أو زراعة محاصيل إستراتيجية، لا تصلح زراعة غيرها في أراضي الدلتا المنخفضة والتي تضربها الملوحة وتحتاج للمياه.
وكذلك يسارع السيسي الزمن لقطع الأشجار وقضم المساحات الخضراء في حدائق الأورمان وحديقة الحيوان وحدائق الميرلاند ومصر الجديدة ومدينة نصر وفي المنصورة، وكذا تحويل أراضي مركز البحوث الزراعية والحيوانية إلى أراضي للاستثمار العقاري، في الشرقية والقليوبية والإسكندرية والعديد من المحافظات.
يضاف إلى ذلك، التوسع في إنشاء محطات تحلية مياه البحر وتنقية مياه الصرف الصحي والزراعي، لاعادة الاستخدام في الشرب وري الأراضي غير عابئ بمردودات ذلك صحيا وبيئيا، ما يهدد بقتل المصريين بمياه الصرف التي تدخل في غذائهم، بما فيها من نسب عالية من الكربون والرواسب والشوائب والمواد الصلبة التي تدمر الصحة، دافعا بذلك مئات المليارات من الجنيهات والدولارات، بدعوى مواجهة عجز حصة مصر المائية من مياه النيل إثر سد النهضة الذي يخصم من حصة مصر المائية سنويا نحو 25 مليار متر مكعب، في وقت تعاني فيه عجزا مائيا ، وهي تتمتع بحصتها الطبيعية المقدرة بنحو 55,5 مليار متر مكعب والثابتة منذ عقود، حيث تحتاح مصر لأكثر من 100 مليار متر مكعب بحسب تصريحات وزير المارد المائية محمد عبد العاطي.
وعلى الرغم من أن كلفة العمل العسكري التخريبي لسد النهضة في مراحله الأولى أقل تكلفة من المليارات التي ينفقها السيسي على تحلية المياه وإعادة تنقية مياه الصرف، إلا أن السيسي الذي يُخزّن أسلحة بمليارات الدولارات، لا يجرؤ على مجرد التهديد العسكري لأثيوبيا من أجل مراعاة حق مصر في المياه المنصوص عليها باتفاقات دولية، أهدرها هو نفسه بتوقيع اتفاقية المبادئ في 2015، إذ يرى خبراء أن عملا تخريبيا محدودا بسد النهضة ما زال ممكنا وبأقل التكاليف ، من أجل ردع أثيوبيا وإرغامها على التوصل لاتفاق نهائي بشان ملء وتشغيل السد بالتوافق مع دولتي المصب، وبما لا يضر مصر، ولكن خوف السيسي من خوض غمار المواجهة العسكرية مع أثيوبيا، يبدو مستغربا في ظل ضياع مصر وإهدار مياهها وأراضيها ما يعني تجويع شعبها وقتله عطشا.
من الأشجار والمحاصيل إلى نباتات الزينة
وفي إطار انتقام السيسي من المصريين، وبعد سلسلة من سياسات قطع الأشجار التاريخية بأحياء ومدن مصر وتصفية حدائق مصر العامة بدعوى الحفاط على المياه، أصدر السيسي بالأمس تعليماته للحكومة بحظر زراعة نباتات الزينة توفيرا للمياه، وذلك على الرغم من قيمتها الاقتصادية والتصديرية والجمالية والحضارية والبيئية.
إذ أصدر عبد الفتاح السيسي توجيها إلى حكومته بمنع زراعة نباتات الزينة، بحجة توفير المياه المستخدمة في زراعتها للنباتات المثمرة، نتيجة مواجهة الدولة المصرية عجزا في المياه اللازمة للزراعة، وشروعها في تنفيذ مشروعات قومية كبرى، قائمة على إعادة استخدام مياه الصرف الزراعي بعد معالجتها.
وقال السيسي، في افتتاح بعض المشروعات بمنطقة توشكى، الأحد إن "تكلفة استصلاح الفدان الزراعي 200 ألف جنيه تقريبا، وبقول للحكومة، مافيش زراعة لنباتات الزينة مرة أخرى، وأي نقطة مياه تذهب للنباتات الموسمية سوف نستخدمها، ونوجهها لزراعة النباتات المثمرة".
ووجه السيسي وزارات الري والموارد المائية والزراعة والكهرباء، بتوفير المرافق اللازمة للتوسع في مساحات الأراضي المستصلحة.
وأضاف "العمل في المشروعات الزراعية الجديدة يحتاج المزيد من الجهد، وبقول الكلام ده عشان الناس اللي بتسمع تعرف الحقيقة، الموضوع يحتاج إلى جهد ووقت، لأن الأراضي المتاحة ليست صالحة جميعها للزراعة، الأراضي في منطقة الدلتا منخفضة، ومن السهل وصول المياه إليها، كما أنها تمتاز بكميات كبيرة من الطمي المتراكم منذ آلاف السنين".
وتابع السيسي "دي طبيعة أرضنا، والمياه المستخدمة في زراعة منطقة توشكى هي مياه محطة بحر البقر التي تم افتتاحها منذ شهرين، وهي مياه صرف زراعي معالجة بصورة متطورة، حتى تكون صالحة للاستخدام في الزراعة، مستطردا أن الحكومة تعمل على تعزيز الشبكات الداخلية للأراضي في مناطق بحر البقر وبئر العبد، للاستفادة منها في مشروعات أخرى مثل مشروع توشكى".
وواصل السيسي في كلمته "كل مشروع من المشروعات التي تنفذها الدولة في سيناء والدلتا الجديدة وتوشكى حجمها يضاهي مشروع السد العالي في أسوان، واستصلاح الأراضي الجديدة يساهم في تحقيق التنمية الحقيقية، خاتما، زراعة 500 ألف فدان في منطقة شبه جزيرة سيناء سيجعلها مختلفة تماما، والحكومة تستهدف زراعة نحو 150 ألف فدان في منطقة توشكى بحلول العام المقبل".
تلك التصريحات التي تتصادم بواقع العجز المائي ، إذ أنه بدلا من التوجه لتطوير الأراضي الزراعية يقطعها السيسي إربا بمشاريع الطرق والكباري التوسع بالبناء ، فيما الأفضل هو التوجه بالبناء إلى المناطق الصحراوية، وكان مبارك قد فشل في تحقيق مردود اقتصادي في الزراعة بتوشكى منذ العام 1997، وتسبب المشروع في أزمة بين مصر وأثيوبيا، التي رفضت تحويل مجرى النيل في توشكى.
ولكن السيسي الذي يعمل خارج العلم والمنطق ، يجر مصر لتخريب بيئي جديد بقرارات عنجهية عسكرية، تتصادم مع الواقع المجتمعي.
تناقضات السيسي في العاصمة الإدارية
وعلى الرغم من تقتير السيسي وتعنته ضد المصريين فيما يخص المياه، وحظر زراعات محاصيل إستراتيحية بالدلتا والصعيد كالأرز وقصب السكر والأقطان، بدعوى توفير المياه، يتوسع السيسي في إنشاء ما أسماه مشروع النهر الأخضر بصحراء العاصمة الإدارية مستغلا مليارات الأمتار من المياه، في زراعة أشجار زينة ونجيلة خضراء حول عاصمته التي تلتهم مليارات الدولارات والمياه أيضا.
فالسيسي يحرم الأراضي الزراعية من زراعة الأرز وقصب السكر والذرة، ليكتشف المصريون أنه يوفر ذلك لشق نهر جديد بالعاصمة الإدارية التي أقامها في صحراء شرق القاهرة، والنهر الأخضر عبارة عن حديقة خضراء بطول 35 كيلومترا، بتكلفة ٩ مليارات جنيه.
وسيتم إمداد النهر الجديد بما تبقى من النيل القديم، إذ أن النهر الأخضر أو الوادي الأخضر في العاصمة الإدارية سيحتاج مليون متر مكعب مياه يوميا لري35 كيلو مترا، والمرحلة الأولى 10 كيلو مترات ، ففي ظل أزمة المياه الخانقة التي تضرب مصر، وفق خبير الزراعة والري الإعلامي مصطفى عاشور.
نافيا أن يكون ري النهر الأخضر من المياه الجوفية أو المياه المُحلاة، إذ أن السيسي أنشأ مآخذ المياه على النيل في جنوب القاهرة، لإمداد عاصمته بالمياه للشرب والري لنهره الأخضر، بجانب محطة مياه العاشر من رمضان التي تنقل مياه الشرب من ترعة الإسماعيلية إلى العاصمة الإدارية، ووفق تقديرات خبراء الزراعة فإن كميات المياه الموجهة لري النهر الأخضر بالعاصمة الإدارية تكفي لزراعة 140 ألف فدان أرزا، ومما يؤكد ذلك ما ورد بحوار محافظ القاهرة الأسبق أحمد زكي عابدين رئيس شركة العاصمة الإدارية، في أحد الحوارات الصحفية “لدينا حلم بالوادي الأخضر والمناطق الخضراء، لكــن للأسف لا بد أن نفكر بطريقــة واقعية في مياه الــري التي تروي تلك المساحات، لذلك سيتم استقطاع نسبة من مياه الشرب في الري ببداية المشروع وتجميع المساحات الخضراء كبداية، ويجب أن نخطط للمساحات الخضراء في الأماكن المهمة”.