هاجم الدكتاتور عبدالفتاح السيسي من جديد ثورة الخامس والعشرين من يناير سنة 2011م، وذلك خلال افتتاحه عددا من المشروعات الصغيرة بمحافظات الصعيد يوم الثلاثاء 28 ديسمبر 2021م. وقال السيسي: «البلد كانت هتخرب وتضيع في 2011، لا نريد العودة مرة أخرى للخراب، والتدهور الذي عانت منه المصانع بعد 2011"، مضيفا: «أنا لا أنسى أبدا 2011 وما حدث بها، وعلى الجميع ألا ينساها لأن ربنا وحده هو الذي أنقذ البلد من مصير الخراب والدمار». وزعم قائلا: «أنا لا بخاف ولا بيهمني إلا البلد، وعمري والمكان اللي أنا فيه بتوع ربنا، ووقت ما يقولي خلاص هعظم وأمشي"، متسائلا: "هل لو أنا خايف عليكم من الضياع تزعلوا مني؟».
مشكلة السيسي باستمرار أنه يدلس ويقلب الحقائق وهي نوعية من البشر تعمل على تطويع كل شيء وفق هواها، ذلك أن المسافة بين الحق والهوى عند أمثاله تلاشت فلا يرون الحق والحقيقة إلا إذا كان متفقا مع هواهم ورغباتهم. القرآن حذر من هذه النوعية من البشر قائلا: «لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون}.
لكن لماذا يصر السيسي باستمرار على شيطنة ثورة يناير والتحذير من منها رغم أنه فعليا بات يهمين على كل شيء في البلاد؟
فهذه الثورة العظيمة التي يراها السيسي وشلته خرابا هي منتهى العزة والكرامة، هي السطر الأجمل على الإطلاق في تاريخ الشعب المصري عندما انتفض ليطيح بجنرال دكتاتور من أجل أن يؤسس نظاما شفافا وعادلا يحتوي الجميع دون إقصاء تكون فيه الكلمة للشعب باعتباره صاحب السلطات ومصدرها وفق نصوص الدستور. فلماذا يراها السيسي خرابا؟ وإذا كانت الثورة خرابا فما الذي يفعله السيسي منذ انقلابه المشئوم في يوليو 2013م؟ أليس إغراق مصر في الديون الخارجية والمحلية منتهى الخراب والتدمير؟ أليس تفريطه في سيادة مصر على ترابها الوطني كما حدث مع جزيرتي "تيران وصنافير" هو منهى التواطؤ والخيانة؟ أليس تنازله عن حصة مصر في مياه النيل بالتوقيع على اتفاق المبادئ بالخرطوم في مارس 2015م هو منتهى الإجرام في حق مصر وشعبها وحاضرها ومستقبلها؟
السبب الراجح أن السيسي يستهدف من وراء هذه الهجوم على ثورة يناير التغطية على جريمة انقلابه المشئوم، وهو الانقلاب الذي دمر مصر وأعادها إلى حكم الاستبداد والدكتاتورية العسكرية، وقتل حلم المصريين في وطن حر ينعم باستقلال حقيقي وسيادة كاملة على كامل ترابه وثرواته، وأد السيسي بانقلابه حلم المصريين في نظام حكم رشيد وتداول سلمي للسلطة عبر صناديق الاقتراع، لكن السيسي أبى إلا أن يطيح بصناديق الانتخاب ودهس نتاجها لتكون الكلمة العليا لصناديق الذخيرة وجنازير الدبابات عبر أدوات العنف والبطش والإرهاب. يعلم السيسي كما يعلم زبانيته من حوله أن 3 يوليو هو سبب الخراب والدمار؛ لذلك يوجهون سهام النقد والتجريح والتطاول على ثورة يناير على أمل النجاح في تكريس وعي زائف وتوجيه التهمة ليناير بدلا من يوليو.
التغطية على الفشل
كما يستهدف السيسي يهجومه على يناير أيضا التغطية على حالة الفشل المستمر والمتواصل في وضع حد للمشاكل والأزمات التي تسحق المصريين؛ فالسيسي يتجاهل عمدا مشكلة سد النهضة ولا يشير إليها حتى في خطاباته الأخيرة رغم أنها أكبر تهديد للأمن القومي المصري على الإطلاق. كذلك يتجاهل السيسي الغلاء الفاحش الذي يطول جميع السلع والخدمات حاليا، حتى إن بعض السلع ارتفعت بنسبة 100% عما كانت عليه في نهاية العام الماضي "2020". فالسكر ارتفع بنسبة 53%، وزادت أسعار الفول المستورد من 8 آلاف جنيه إلى 15 ألف جنيه للطن (88 في المائة مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي). أما الزيوت فقد تخطت أسعار زيت النخيل حاجز 100 في المائة، إذ ارتفعت من 11 ألف جنيه للطن في 2020 إلى أكثر من 22 ألف في نهاية 2021، فيما وصل سعر طن زيت عباد الشمس إلى 28 ألف جنيه، والذرة 23 ألف جنيه. وكشف تقرير صادر عن معهد المحاصيل الحقلية بمركز البحوث الزراعية، أن مصر تستورد زيوتا وبذورا زيتية بكميات تبلغ 5.7 ملايين طن سنويا، تقدر قيمتها بـ25.1 مليار جنيه (1.6 مليار دولار). وأرجع التقرير الذي أعدته الباحثة سمر منير، هذه الفجوة إلى تراجع المساحات المزروعة بالمحاصيل الزيتية.
وارتفعت أسعار الأرز هذا الموسم على غير المعتاد بمعدل 1000 جنيه في الطن، إذ يتراوح سعر الجملة للأرز الأبيض ما بين 6500 جنيه إلى 8 آلاف جنيه للطن بحسب درجة الجودة وحجم الحبة. وارتفع الدقيق الشعبي من 5400 جنيه العام الماضي إلى 7 آلاف جنيه للطن حاليا (بنسبة زيادة حوالي 30 في المائة). وارتفعت اللحوم من 130 جنيهًا في المتوسط إلى ما بين 150 و170 جنيها للكيلو، في حين تخطت أسعار الدواجن في بعض الفترات من 2021، حاجز 35 جنيها للكيلو بدلاً من 22 جنيها العام الماضي. وزادت أسعار البيض بنسب تخطت 50 في المائة بعد وصول عبوة البيض (30 بيضة) إلى 50 جنيها، مقابل 33 جنيها العام الماضي، فيما وصل سعر البيضة في أسواق التجزئة إلى جنيهين. وأظهرت البيانات الرسمية، أن الحكومة تستورد أكثر من 60 في المائة من احتياجاتها الغذائية.
وبعد كل هذا الخراب يقول السيسي إن ثورة يناير هي سبب الخراب، حقا إذا لم تستح فاصنع ما شئت وكما تدين تدان. ويعلق الباحث السياسي خليل العناني على تطاول السيسي على ثورة يناير بقوله: «ستظل ثورة يناير كابوساً يطاردك في منامك وصحوك، وحتماً سوف تتكرر، ولكن هذه المرة لن تفلت أنت وبقية العسكر من المحاسبة والعقاب. هذا ليس تهديداً، هذا وعد وإن غداً لناظره قريب».