سادت موجة من السخط والغضب على مواقع التواصل الاجتماعي ضد شراء طائرات نقل عسكرية أمريكية، وإنفاق قائد الانقلاب ببذخ على شراء طائرات، في ظل تدهور الأوضاع المعيشية والاقتصادية للمصريين، وأكد مراقبون أن الصفقة عربون محبة يقدمه السفاح تحت أقدام الرئيس الأمريكي بايدن.
أربعون مليار جنيه هي قيمة الصفقة الملطخة بقمع 100 ألف معتقل في سجون الانقلاب، وتم انتزاع المبلغ من المساعدات والقروض والودائع والعملة الصعبة التي دخلت مصر، والتي يجتهد السفاح السيسي في تبديدها، فيما لم يشعر المواطن بأي تحسن في ظروف معيشته، بعدما تلقت بلاده أكبر حجم من المعونات في تاريخها الحديث، وارتفعت نسبة الفقر إلى 50 في المائة، مع توقع ارتفاع النسبة في نهاية هذا العام 2022.
لبيك يا بايدن..!
رغم أن أسطول طائرات النقل العسكري المصري الذي يعمل بين المحافظات، يتفوق عددا بمقدار الضعف على أسطول النقل البريطاني الذي يدعم 145 قاعده عسكرية منتشرة في 42 دولة، يشتري السفاح السيسي طائرات نقل بقيمة 40 مليار جنيه، ضاربا عرض الحائط بمقولته السابقة " إحنا فقرا أوي".
وفوق كل هذا القهر، يلجأ السفاح السيسي كل فترة إلى قرض إضافي من صندوق النقد الدولي، يقايض به ما تبقى من كرامة للمصريين، مع موافقته على شروط صندوق النقد بخفض قيمة الجنيه أكثر فأكثر، ووقف التوظيف في القطاع العام وإلغاء الدعم، ورفع كلفة الخدمات العامة وخصخصة المؤسسات والشركات العامة، ويضاف هذا القرض إلى اتفاقيات تمويل بحوالي 66 مليار دولار، لا تُظهر الوقائع أن مصيرها سيكون مغايرا.
وشملت الصفقة 12 طائرة نقل عسكري ضخمة طراز "سي 130 جيه 30 سوبر هيركليز" بقيمة 2.2 مليار دولار، وتستخدم هذه الطائرات العملاقة في نقل القوات العسكرية أو توفير الإمدادات اللازمة وخدمات الدعم اللوجستي للقوات المحاربة في أي مكان حول العالم، فمن سيحاربهم السفاح السيسي الذي جاء على رأس دبابة لحفظ أمن إسرائيل؟
وبررت الخارجية الأمريكية الموافقة على الصفقة لصالح عصابة الانقلاب، بالزعم أنها تدعم الأمن القومي للولايات المتحدة عن طريق مساعدة مصر، التي تعتبر من أكبر حلفاء واشنطن خارج "الناتو".
وأوضح بيان الخارجية الأمريكية أن "مصر لا تزال تمثل حليفا وشريكا إستراتيجيا مهما للولايات المتحدة الأمريكية في الشرق الأوسط، مشيرا إلى أن الصفقة تسهم في تحسين قدرات مصر الحالية والمستقبلية لمواجهة التهديدات، وأن الطائرات التي ستحصل عليها ستدعم قدرتها في عمليات الدعم والإمداد الجوي في المجالين الأمني والإنساني".
والسؤال الأكثر إلحاحا، كيف أهدرت عصابة الانقلاب بقيادة السفاح السيسي هذه الأموال الضخمة دون توظيفها في رفع المعاناة عن الشعب؟ بل إن المعاناة اتخذت منحى آخر بعجز المواطنين عن تدبير حتى ثمن الأدوية.
ازدواجية المعايير
وفي الكواليس نقل موقع قناة «سي إن إن» عن مصادر أمريكية مطلعة قولها إن "إدارة الرئيس جو بايدن قررت منع 130 مليون دولار من المساعدات العسكرية المخصصة لعصابة الانقلاب بالقاهرة، بسبب عدم امتثالهم لشروط حقوق الإنسان التي وضعتها وزارة الخارجية الأمريكية، في وقت طالبت فيه 65 منظمة حقوقية مصرية وعربية ودولية، في بيان، عصابة الانقلاب، بإسقاط الأحكام الصادرة من محاكم أمن الدولة طوارئ، على عدد من السياسيين والمعارضين في عدة قضايا.
وحسب موقع «سي إن إن» تأتي خطوة واشنطن قبل أيام فقط من الموعد النهائي في 30 يناير لإعلان وزارة الخارجية عن خطط المعونات، وهي الجزء المتبقي من شريحة مثيرة للجدل بقيمة 300 مليون دولار من المساعدات تم تقسيمها في سبتمبر، مع إعطاء ما يزيد قليلا عن النصف إلى مصر في ذلك الوقت، والمبلغ المتبقي محتجز حتى الآن، بسبب مخاوف تتعلق بحقوق الإنسان.
ويحار البعض في فهم سلوك الديمقراطيات الغربية وعلى رأسها أمريكا، عندما يراها تساند أنظمة الاستبداد والقهر والفساد مثل السفاح السيسي، بما يجدد الشكوى النمطية من "ازدواجية المعايير لدى الغرب".
ولا تبدي الأنظمة الديمقراطية الغربية حرصا مؤكدا على نهوض حكم ديمقراطي ناجز في أقطار العالم العربي والإسلامي يستند إلى إرادة شعبية؛ إلا في حالات محددة حرصا على الضغط على نظام مارق من معادلة الهيمنة المفروضة، وقد يؤتى بشعار الديمقراطية مشفوعا بخطاب يفتت الشعب إلى إثنيات وطوائف متنازعة، بما لا ينهض معه قرار وطني مستقل؛ بحضور الديمقراطية أو بغيابها.
إن السؤال عن تواطؤ الديمقراطيات الغربية وعلى رأسها أمريكا مع أنظمة الاستبداد والفساد مثل السفاح السيسي، ومع طغاة يقهرون شعوبهم ويخنقون أنفاسها؛ يستدعي النظر الفاحص إلى منطق اشتغال المبادئ في عالمنا والتحري عن نطاقات عمل القيم وكيفية الامتثال للشعارات المرفوعة في الأفق.
ويحظى السفاح السيسي بدعم أمريكي وأوروبي تحت ذريعة الحرب على الإرهاب، وبناء تحالف دولي لمواجهته، رغم تقارير المنظمات الحقوقية الدولية عن تردي أوضاع حقوق الإنسان، وتجاهل عصابة الانقلاب كل الانتقادات في الملف الحقوقي.
وزير الخارجية الأمريكي جون كيري، أشاد في شهادته أمام الكونجرس بتقديم مصر مساعدات هائلة للولايات المتحدة، في مجال مكافحة الإرهاب، ترجمته واشنطن بالإفراج عن المساعدات والمنح عسكرية والمالية لعصابة الانقلاب.
وعلق القيادي في التحالف الوطني لدعم الشرعية ورفض الانقلاب، الدكتور أحمد عامر قائلا "يجب أن نفرق بين العلاقة مع مصر، ومع من يدير البلاد في هذه المرحلة".
وأضاف أن "مصر دولة محورية في المنطقة، ينبغي على الغرب الحفاظ على علاقته بها، ولا يمكن أن ينهيها، ولكن ليس بالضرورة أن تكون العلاقة متميزة مع الانقلاب، والوضع يتغير بشكل تدريجي، ولن يستمر الغرب في دعمه طويلا".