القرار الذي أصدرته الدكتاتور عبدالفتاح السيسي الثلاثاء 08 فبراير 2022م، بتعيين المستشار بولس فهمي إسكندري رئيسا للمحكمة الدستورية العليا بدرجة وزير خلفا للمستشار سعيد مرعي يحمل كثيرا من الرسائل والأهداف التي يرى النظام أنها تصب في مصلحته.
ومن المنتظر أن يؤدي المستشار بولس فهمي اليمين الدستورية غدًا أمام رئيس الانقلاب العسكري. وفي 2010 أصدر الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك قرارا جمهوريا بتعيين كل من المستشار بولس فهمي والمستشار حمدان حسن فهمي أبو شاهين، عضوين جديدين بالمحكمة الدستورية العليا. وفي 2014م أصدر المؤقت عدلي منصور قراراً جمهورياً بتعيين المستشار بولس، والمستشار حمدان حسن فهمي أبو شاهين، نائبين لرئيس المحكمة الدستورية العليا.
ومن رسائل ودلالات القرارا ما يلي:
أولا، القرار مثير للدهشة في توقيته ومبناه، لا سيما وأن مرعي الذي تمت الإطاحة به معروف بنفاقه الواسع للسيسي، وتأييد سياساته على طول الخط، وكم كان لافتا تملقه الواسع للسيسي في احتفال يوم القضاء الذي نظمه السيسي في 02 أكتوبر 2021م، حيث تودد مرعي في كلمته للسيسي وتملقه بشكل لافت وأثنى على دور الجنرال في دعم منظومة القضاء وميكنة التقاضي وتجديد مقار المحاكم والمطالبة بتعيين المرأة في النيابة العامة ومجلس الدولة. وادعى مرعي حينها أن دعم السيسي للقضاء والعمل على تأكيد استقلاليته وعدم التدخل في شئونه هو أمر مرئي للعيان ليس بحاجة إلى إشارة أو إشادة. وحملت كلمات مرعى مضامين سياسية بحتة تثني على السيسي وتقدح في معارضيه مهاجما من ينتقدون انتهاكات حقوق الإنسان في مصر موجها رسالة لمن يتحدثون عن حقوق الإنسان في مصر، قائلا: «الزموا الصمت خير لكم.. فمصر من أوائل الدول التي تحترم حقوق الإنسان».
ثانيا، الإطاحة بمرعي رغم تملقه ونفاقه الواسع إنما يعكس وافر الإهانة والتحقيرلمرعي، والتعامل معه بوصفه شيئا وليس رئيسا لما يصفها النظام بأكبر محكمة مصرية. واللافت في القرار أنه استبق التوقيت المحدد في يونيو المقبل كما هو معتاد خلال السنوات الماضية من أجل تعيين رئيس جديد للمحكمة، حيث أحيل الرئيس السابق سعيد مرعي للتقاعد بدعوى عدم لياقته الصحية بناء على طلبه! والراجح أن هذه الخطوة هندستها أجهزة السيسي من أجل استرضاء الولايات المتحدة الأمريكية والحكومات الغربية على نحو خاص بهدف تخفيف حدة الانتقادات الموجهة لنظام السيسي في الملف الحقوقي.
ثالثا، إسكندر يعتبر أول قبطي (نصراني) يتولى رئاسة الدستورية العليا، وبالتالي فإن السيسي يواصل بهذا القرار مغازلة الغرب من جهة والكنيسة الأرثوذوكسية من جهة ثانية، ويستهدف به تبييض صورته في الخارج بوصفه نصيرا للمسيحيين في مصر والذي حظوا بمزايا كثيرا منذ أن تبوأ السيسي السلطة في أعقاب انقلاب في يوليو 2013م. فقد بات منهم عدد من الوزراء وعشرات النواب في البرلمان بغرفتيه الشعب والشيوخ، بخلاف سن قانون خاص بتقنين أوضاع الكنائس المخالفة في الوقت الذي يتم فيه هدم عشرات المساجد وتدمير مآذنها بدعوى أنها مخالفة.
رابعا، السيسي بهذا القرار وعلى النحو الذي تم إخراجه به وما يشوبه من غموض لا سيما بشأن إحالة مرعي للتقاعد، إنما يبرهن على أنه بات يهيمن على السلطة القضائية من الألف إلى الياء. ولم يعد هناك صوت يستطيع انتقاد قراراته أو مراجعته بشأنها؛ فهو الحاكم بأمره الذي يحظى بصلاحيات فرعونية مطلقة لا يشاركه فيها أحد. وقد فرض السيسي هيمنته على السلطة القضائية بكل فروعها من خلال تعديلات قانون السلطة القضائية التي جرى التصديق عليها في 27 أبريل 2017م. ثم التعديلات الدستورية في أبريل 2019م. وهما الخطوتان اللتان انتزع بهما السيسي سلطة تعيين رؤساء الهيئات القضائية بعدما ساد نظام الأقدمية لعقود طويلة. وكذلك تعديل قانون محكمة النقض وتحويلها إلى محكمة موضوع. وبذلك تمكن السيسي من بسط يده على القضاء وجرى تطويعه على نحو كامل دون اعتراض من أحد.
وأنشأ الدكتاتور جمال عبدالناصر هذه المحكمة سنة 1969م، في ظل صراعه مع القضاء والقضاة الذين كانوا يجاهدون من أجل استقلالهم ورفض الوصاية المفروضة عليهم من السلطة التنفيذية وهو الصراع الذي يطلق عليها القضاء "مذبحة القضاء" حيث هيمن عبدالناصر على جميع مفاصل السلطة القضائية ومنح نفسه صلاحيات مطلقة تخول له اتخاذ ما يشاء من قرارات واستبعد حينها أكثر من 125 قاضيا من أشرف وأنبل قضاة مصر. وأطلق السيسي على المحكمة الجديدة اسم "المحكمة العليا" بهدف انتزاع المكانة التي كانت تحظى بها محكمة النقض بوصفها أعلى الهيئات القضائية على الإطلاق. وأطلق دستور 71 عليها اسم المحكمة الدستورية العليا، وبالتالي فإن هذه المحكمة إنما نشأت في أحضان السلطة وكشكل من أشكال المكايده والاستفزاز للقضاة. ويستغل النظام هذه المحكمة لمكافأة المتملقين من شيوخ القضاة بوصفها الطريق نحو المناصب العليا في الدولة.
مهمة المحكمة الدستورية هو مراقبة تطابق القوانين مع مواد الدستور. فهي تقوم بإلغاء القوانين التي تخالف نصوص ومواد الدستور المصري. وتؤلف من رئيس ونائب أو أكثر للرئيس وعدد كاف من المستشارين. تصدر أحكامها من سبعة مستشارين. وأحكامها نهائية لا يمكن الطعن فيها بأي طريقة من طرق الطعن.
كذلك تقوم المحكمة الدستورية العليا بتحديد المحكمة المختصة وظيفيًا في حالة وجود تنازع بين سلطتين. ويشترط في ذلك التنازع عدة شروط لكي تستطيع المحكمة العليا تحديد المحكمة المختصة وظيفيًا، حيث يجب أن يكون التنازع أمام جهتين من جهات القضاء أو الهيئات ذات الاختصاص القضائي، ويجب أن ينشأ التنازع من حكمين حسما النزاع في موضوعه حسمًا باتًا، كما يشترط كون الحكمين متناقضين تناقضًا من شأنه جعل تنفيذهما معًا أمرًا متعذرًا، وأخيرًا يشترط صدور الحكمين محل التنازع على التنفيذ من محكمتين مستقلتين وظيفيًا.
وفي مؤتمر العدالة الأول الذي عقد سنة 1986م، انتهت توصياته الخاصة بنظام القضاء إلى أن المحكمة الدستورية هي محكمة استثنائية نشأت في ظروف استثنائية، وضمنوا توصياتهم بضرورة (إسناد الرقابة علي دستورية القوانين واللوائح إلي إحدى هيئتي محكمة النقض وإعادة سائر اختصاصات المحكمة الدستورية العليا إلي القضاء وهو ما يستتبع إلغاء الفصل الخامس من الدستور وقانون المحكمة الدستورية العليا الصادر بالقانون رقم 48 لسنة 1979 إذ لا مبرر لقيام هذه المحكمة في دولة موحدة). تؤكد هذه التوصية جملة من الأمور: أن ما تقوم به المحكمة الدستورية العليا من صميم اختصاص محكمة النقض وفي مكنتها القيام به منفردة دون الحاجة لمحكمة مستقلة، إضافة إلي اتفاق كلمة القضاة ووحدة رأيهم علي عدم الحاجة لتلك المحكمة والمطالبة بإلغائها دستوراً وقانوناً، كما اتفقوا علي غياب المبرر لقيامها حيث توجد دولة موحدة لها نظام قضائي موحد لا يستدعي جهة خارج نطاقه للفصل بين مفرداته. ويرى كثير من القضاة أن المحكمة الدستورية ما نشأت إلا بهدف تفتيت السلطة القضائية والسيطرة عليها. وقررت المادة 32 من قانون المحكمة اختصاص رئيس المحكمة الدستورية وفق سلطته المنفردة دون جلسة أو مرافعة أو حضور الأطراف (وقف تنفيذ أي حكم قضائي صدر في القضايا المنظورة بالدستورية حتي لو كانت أحكاماً نهائية أصدرتها محكمة النقض أو الإدارية العليا وهما أعلي درجات التقاضي في مصر). وهو بالفعل الاختصاص الذي استخدمه المستشار عبد الوهاب عبد الرازق في وقف تنفيذ الحكم الصادر من المحكمة الإدارية العليا ببطلان التوقيع علي اتفاقية ترسيم الحدود مع السعودية التي تم بمقتضاها التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير ما مكن النظام المصري من المضي قدماً في إجراءات تسليم الجزيرتين، تبع ذلك فيما بعد الحكم بعدم الاعتداد بحكم الادارية العليا.