رغم تزايد المخاطر الوجودية التي تحيط بمصر، مع اقتراب شهر يوليو المقبل، حيث تبدأ إثيوبيا الملء الثالث لسد النهضة واستكمال الكميات المقررة للملء الثاني والتي لم تكتمل العام الماضي، وسط عجز نظام الانقلاب في مصر عن حلحلة الأزمة التي تهدد حياة المصريين، وتقضم أكثر من نصف المساحات الصالحة للزراعة في البلاد، وتدفع نحو 40 مليون مصري للهجرة من الدلتا، حيث ما تزال مصر تراهن على أي طرف يضغط على أثيوبيا للتوصل إلى أي حل للأزمة .
غاب متعمدا
ورغم أهمية القمة الإفريقية الأخيرة التي استضافتها إثيوبيا، إلا أن المنقلب الخائن السيسي غاب عنها ، بلا أي مبرر تاركا المجال لإثيوبيا لتصول وتجول بالقمة ومع الدول الإفريقية المحيطة بمصر، بلا أي تاثير لمصر دبلوماسيا أو سياسيا.
وانشغل السيسي عن القمة الإفريقية ، كحدث مهم يستبق الملء الثالث الكارثي بسد النهضة، بحضور افتتاح أولمبياد بكين، مفضلا الاجتماع بقيادات النظم الاستبدادية والديكتاتتورية المحيطة بالصين.
وبحسب مراقبين وتقديرات إستراتيجية، فإن غياب السيسي عن اجتماع قمة الاتحاد الإفريقي التي عقدت في أديس أبابا السبت الماضي، أفسح المجال لإثيوبيا للتحرك بحرية بين دول القارة، وعرض قضية سد النهضة بما يتوافق مع رؤيتها فقط، من دون النظر للمصالح المصرية.
بل إن سياسة التجاهل التي يتبناها السفيه السيسي في قضية السد، اعتمادا على محاولات أطراف ودول أخرى للتدخل في الأزمة، بما يحقق مصالح مصر خطيرة ،ويمكن أن تؤدي إلى مزيد من تعقيد الموقف.
إذ أن الوقوف ساكنين وانتظار التدخل الأمريكي، يضر بالموقف المصري، ولا سيما أن إدارة الرئيس جو بايدن تتعامل مع قضية السد بحيادية، على عكس إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب، التي كانت شبه منحازة للموقف المصري.
كما أن التعويل على التدخلات الإفريقية في الأزمة، لن يؤدي بأي حال إلى حسم القضية لصالح مصر.
خاصة وأن الوساطات التي تراهن عليها إدارة السفيه السيسي، معروفة المآلات ، وفق نص اتفاق المبادئ الموقع في مارس 2015، والذي شل مصر ونزع منها حرية الضغوط من قبل أطراف دولية، إذ أن الوساطة في أزمة السد لها شروطها وحددها اتفاق إعلان المبادئ الموقع بين الدول الثلاث (مصر والسودان وإثيوبيا)، في العاصمة السودانية الخرطوم عام 2015، وأهمها أن تتم الوساطة بموافقة الدول الثلاث مجتمعة، وهو أمر ترفضه إثيوبيا، لأنها تعلم جيدا أن الوساطة في القانون الدولي تعني أنها ستقبل في ما بعد بما يقرره الوسيط.
وهو ما يعني زيادة ورطة النظام في مصر، والتي تتفاقم يوما بعد يوم، بفعل الانسحاب المصري أمام إثيوبيا، والانسحاب من القارة الإفريقية، والذي تجسد بغياب السيسي عن حضور فعاليات القمة الـ35 للاتحاد الإفريقي، والتي حملت أجندتها قضايا عدة تمت مناقشتها وسط غياب القضية الأهم بالنسبة لمصر وهي المياه.
الملء الثالث
وتتزايد المخاوف المصرية هذه المرة بشأن الملء الثالث، بصورة أعمق بكثير من جولتي الملء السابقتين، خصوصا أنه مع الملء الثالث ستتغير أمور كثيرة على أرض الواقع، سواء على المستوى السياسي أو المستوى الفني.
فعلى الرغم من استبعاد الحلول العسكرية تماما، إلا أنه حتى التلويح بإمكانية استخدام أي حل ذي أبعاد عسكرية، سينتهي مفعوله تماما بحلول يوليو المقبل وبدء موسم الفيضان، والذي سيتم معه ملء السد المعاون، السرج، وهو ما يعني أنه حتى سيناريو التصعيد العسكري أو التلويح بهذا الخيار بعيد عن جسم سد النهضة سيكون ضربة سياسية فقط، وستكون فعاليته قد انتهت تماما.
مراوغة إثيوبية
وتعتمد إثيوبيا إستراتيجية صهيونية في المفاوضات المفتوحة بلا سقف وبلا أي مواعيد أو هدف سوى إضاعة مزيد من الوقت، وحتى الآن لم تقدم أديس أبابا أي تصور عملي يمكن البناء عليه، وتسعى إثيوبيا خلال موسم الفيضان المتوقع أن يكون في يوليو المقبل، إلى أن تستكمل الكميات التي لم تتمكن منها خلال الملء الثاني، والذي كان مقدرا بـ13 مليار متر مكعب، لم تملأ منها أديس أبابا سوى نحو 3.5 مليارات فقط، كما أنها تسعى للشروع في ملء الكميات التي كانت مقررة للملء الثالث، وفقا للجداول التي كانت قد جهزتها سلفا.
خيبة السيسي في حقوق الإنسان
ومع ضعف الموقف المصري على المستوى الدولي، إثر سياسات السيسي للقمع وانتهاكات حقوق الإنسان، التي يعلمها الغرب والمجتمع الدولي تماما، يعيش السيسي عزلة دولية من قبل أمريكا والغرب والدول الديمقراطية، وهو ما يدفع للارتماء بقوة في أحضان الدول الفاشية، كالصين وروسيا وغيرها من الدول التي لا تقيم للديمقراطية وزنا، وهو ما تلاحظ مؤخرا في محاولة السفيه السيسي للخروج من عزلته الدولية المفروضة عليه بسبب قضايا أخرى، على رأسها ملف حقوق الإنسان، كان يجب أن تكون عبر أفريقيا أولا، وليس بالذهاب إلى الصين لحضور افتتاح دورة الألعاب الأولمبية، والوجود وسط ديكتاتوريين آخرين من كازاخستان وقيرغيزستان وطاجيكستان وتركمانستان وأوزبكستان وصربيا، ووفق مصادر سياسية، فإن اهتمام الإعلام المصري المبالغ فيه بخبر اجتماع السيسي مع الرئيس الصيني شي جين بينغ، وتناوله التطورات في ملف سد النهضة، ومحاولة تصوير ذلك بأنه صفعة لأميركا والغرب الذي يهاجم مصر باستمرار، بسبب ملفها السيئ في مجال حقوق الإنسان، هي محاولة للتضليل وتشتيت الذهن عن الكارثة الوجودية التي تهدد مصر، والمتمثلة في أزمة شح المياه المترتبة على سد النهضة الإثيوبي، كما أن الصين موقفها واضح بشأن سد النهضة، فكل ما يهمها هو استثماراتها هناك، ولذلك فهي لن تتدخل بشكل جذري لصالح مصر بأي حال من الأحوال.
ووفق تقارير دولية، تنتاب صانع القرار المصري في الوقت الراهن مخاوف عميقة بشأن استمرار النهج الإثيوبي المراوغ في ما يخص أزمة سد النهضة، في ظل تصاعد الاهتمام بالأزمة من دون تقديم أديس أبابا أي رؤى واضحة المعالم، بشأن استكمال مسار المفاوضات الرامية للتوصل لحل حقيقي وجاد، قبل الموعد المقرر للملء الثالث في يوليوالمقبل.
وتخشى سلطة الانقلاب ، بحسب مصادر مطلعة على ملف الأزمة، من أن يكون التحول في لهجة الخطاب الإثيوبي، والذي ظهر في الرسالة التي وجهها رئيس الوزراء أبي أحمد أخيرا لمصر والسودان، مجرد محاولة جديدة للالتفاف واستهلاك مزيد من الوقت، خصوصا أن أبي أحمد تخلص من كل الأعباء التي واجهته خلال الفترة الماضية، والتي كانت أبرزها الحرب الأهلية مع "جبهة تحرير تيغراي" بشمال البلاد.
فالخطاب الإثيوبي الأخير، وما صحبه من تحركات في عواصم عربية مهمة، لعبت دورا في أزمة السد خلال الفترة الماضية، بدأ يثير ريبة ومخاوف لدى القاهرة، خصوصا في ظل أن الخطاب بالأساس ذو طابع إعلامي فقط، من دون تقديم أي خطط واضحة للتوصل لحل للأزمة.
وتسوق أديس أبابا خطابها الذي تظهر من خلاله نوايا بشأن التعاون مع مصر والسودان، وفي المقابل تسعى لاختراق المواقف العربية القوية التي كانت داعمة للخرطوم والقاهرة، وعلى رأسها الموقف التونسي الذي جاء داعما بشكل قوي لدولتي المصب في مجلس الأمن.
ولكنها وحتى الآن لم تقدم أي تصور عملي يمكن البناء عليه، في المقابل تبدو تحركاتها لتفويت الفرصة على مصر لاستثمار الضغط الدولي والعربي والأفريقي، الذي استطاعت القاهرة حشده أخيرا، في ضوء عرض صانع القرار في مصر للتداعيات السلبية على المنطقة برمتها حال فشل الوصول لحل مرض لجميع الأطراف يجنب المنطقة صراعا من شأنه تقويض مصالح الجميع.
رؤية الولايات المتحدة
وكانت أمريكا قدمت مؤخرا رؤية لمصر لمفاوضات جديدة، تشارك فيها بدور فعال، وفي المقابل دعتها إلى عدم استباق الجهود بأي ردود فعل، كما طرحت الإمارات رؤية أخرى وقالت إنها "مدعومة من أديس أبابا، ولكن هذا كله حدثت أمور مشابهة له في أوقات سابقة ولم تسفر عن شيء، بل على النقيض، تبعته إجراءات إثيوبية أحادية ، وقبل ذلك عرضت الجزائر تنشيط مبادرتها للوساطة بين مصر والسودان وإثيوبيا، كل ذلك بشكل متزامن، وتحت مظلة الإشارات الإثيوبية بالرغبة في الحديث.
وأشادت إثيوبيا أخيرا بالمساعي الجزائرية لتنقية الأجواء وتمكين الأطراف في قضية سد النهضة من تجاوز الخلافات الراهنة، حسبما ذكرت وزارة الخارجية الجزائرية.
وأعرب نائب رئيس الوزراء، وزير خارجية إثيوبيا ديميكي ميكونين، خلال لقاء جمعه بوزير الخارجية الجزائري رمطان لعمامرة في أديس أبابا، على هامش اجتماعات الاتحاد الإفريقي الأسبوع الماضي، عن ثقة بلاده في قدرة الرئيس عبد المجيد تبون على تحقيق التقارب المنشود بين الدول الثلاث المعنية بالخلاف.
التدخل التونسي
في مقابل ذلك، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإثيوبية دينا مفتي، الخميس الماضي، إن "تونس حريصة على الجمع بين إثيوبيا والسودان ومصر لمناقشة مسألة سد النهضة الإثيوبي بشكل بناء".
وأضاف في تصريحات للصحفيين، أن "تونس ستعيد تقييم موقفها المنحاز تجاه قضية سد النهضة، وتعزز المواقف المتوازنة تجاه السد داخل جامعة الدول العربية".
وأوضح مفتي أن "وزير الخارجية التونسي عثمان جراندي قال ذلك خلال لقاء مع نظيره الإثيوبي دمقي مكونن، على هامش الدورة الوزارية الأربعين للاتحاد الأفريقي، وأعرب عن رغبة حكومة بلاده في لعب دور في مفاوضات بناءة بين إثيوبيا والسودان ومصر حول سد النهضة"، وفقا لوكالة الأنباء الإثيوبية الرسمية (إينا).
بالضربة القاضية
وهكذا تنتصر إثيوبيا على السفيه السيسي بالضربة القاضية على كافة المستويات، السياسية والفنية والدولية، فيما يصارع السيسي من أجل البحث عن موقع له في خريطة الاستبداد الدولي، لتأمين كرسيه وتحقيق مصالحه الخاصة على حساب حياة المصريين وأمنهم المائي والغذائي .