في بلد لم يعد يسلم فيها أحد بالمرة، سواء أكان كبيرا أو صغيرا ، امرأة أو طفلا، يكافح من أجل البقاء على قيد الحياة، فيما العسكر ممسكون بقبضتهم المتوحشة حبال المال والثروة والاقتصاد والسياسة وكل شيء، ليبقى الأغنياء قلة بالمجتمع المصري، فيما يضرب الفقر أكثر من 80 مليون مصري، يقف الأطفال أمام مقصلة السيسي التي لا ترحم، فتضطر أسرهم للإلقاء بفلذات أكبادهم للعمل في سن مبكرة، وبلا حماية ولا اعتبار لقانون أو مواثيق دولية ، وتحت أعين الجميع تتزايد معاناة الأطفال الذين يتجاوز عددهم أكثر من 3 مليون طفل يخرجون لسوق العمل، لمساعدة أنفسهم وأسرهم على لقمة العيش.
معاناة ملايين الأطفال
هؤلاء الملايين الثلاثة ويزيد، يمثلون بيئة صالحة لكل الموبقات، من تحرش وقتل وموت في ظروف عمل صعبة، أو حوادث سير في كل ربوع مصر.
والأدهى من ذلك أن يخرج السيسي وإعلام نظامه العسكري، ليحتفوا بأطفال مصر بأشكال مختلفة، فيما تتشدق المقاطع والفواصل الإعلانية والإعلامية على قنوات المخابرات، بصور لاحتفاء السيسي بأطفال مصر، بينما يقتل الفقر والعمل في ظروف صعبة ملايين الأطفال .
وعلى الرغم من الاتفاقيات التي وقّعت عليها مصر وتحذير المنظمات المعنية بحقوق الطفل من دفع الأطفال نحو سوق العمل مبكرا، وكما الكبار والشباب والنساء ، يواجه أكثر من 3 مليون طفل مصر واقعا مأساويا وأوضاعا مزرية عل المستوى الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، في ظل سلطة لا ترحم، قد دهست جميع فئات المجتمع المصري تحت طاحونة الإفقار والحاجة ، حيث بات الفقر يتوسع بشراهة في أجساد الشعب المصري.
وبسبب تلك الظروف الصعبة، يعمل نحو 3 مليون طفل في السوق المصري، بشكل غير قانوني وفي سن مبكرة، معرضين حياتهم ومستقبلهم للخطر.
الحرمان من الطفولة
وبسبب العمل في سن صغيرة في مناخ يسلبهم طفولتهم وصحتهم وأرواحهم أيضا، والجميع يغض البصر عنهم ولا تستيقظ ضمائرهم إلا عندما تقع الكارثة، مثلما حدث مؤخرا عند سقوط سيارة تقل 24 طفلا في مياه نهر النيل، خلال عودتها إلى القرية التي يقطن بها الضحايا الذين يعملون في مزرعة دواجن بإحدى قرى محافظة المنوفية، نظير مبلغ يتراوح بين 30 و50 جنيها مصريا يوميا، حيث توفي 7 أطفال بينهم ثلاثة أشقاء، وأُصيب خمسة عشر بإصابات مختلفة.
ولم تكن حادثة "المعدية" هي الأولى ولن تكون الأخيرة، وتؤكد كل المؤشرات تفاقم أزمة عمالة الأطفال في مصر، رغم أنها كانت بين أوائل الدول العربية والشرق أوسطية التي أدخلت حقوق الطفل في قانون خاص أدرجته في دستور عام 2008، بما يتوافق مع الاتفاقيات الدولية.
ووقّعت مصر على الاتفاق الدولي لحقوق الطفل، واتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 138 لتحديد الحد الأدنى لسن الالتحاق بالعمل، وحظر أسوأ أشكال عمالة الأطفال.
وأطلقت مصر عام 2016 بالتعاون مع منظمة العمل الدولية الخطة الوطنية لمكافحة عمالة الأطفال في البلاد، ودعم الأسرة تمهيدا للقضاء بالكامل على تلك الظاهرة بحلول عام 2025، من خلال اتخاذ تدابير فورية وفعالة للتصدي للسخرة وإنهاء الرق المعاصر والإتجار بالبشر.
إستراتيجية المنقلب
ومع مرور أربع سنوات على إطلاق هذه الإستراتيجية، لم تتوفر إلى الآن بيانات رسمية عن عدد الأطفال الذين تمت حمايتهم وعودتهم للتعليم، وتنوعت الحوادث بين سُخرة واستغلال وقتل وموت رخيص وتحرش وأمراض.
بل بات مشهدا يوميا، على طول الطرق في المحافظات سيارات نصف نقل تخبرنا بأن هؤلاء الأطفال ليس لهم قيمة، حيث تحمل على سطحها عشرات الأطفال الصغار بنين وبنات، يجلسون متواجهين على ظهرها أو على سورها، تتراوح أعمارهم بين السادسة والخامسة عشرة ويكسو وجوههم النعاس ملتحفين بغطاء لرؤوسهم ووجوههم، ويتكومون بأجسادهم الهزيلة على بعضهم البعض يلتمسون الدفء منكمشين أمام لفحات صقيع الشتاء القارس وهم في الطريق إلى أعمال شاقة تسلبهم طفولتهم، ويمرون على أكمنة ودوريات الشرطة دون إثارة انتباهم أو فضولهم.
نهايات صادمة
وليس غريبا أن يتحول هذا المشهد العبثي إلى مأساة، يقف فيها الأهالي مكتوفي الأيدي لاستلام جثث أطفالهم أو المصابين منهم، فقد شهد نهاية العام الماضي انقلاب سيارة ربع نقل بوصلة الدواويس بطريق القصاصين القاهرة بمحافظة الإسماعيلية، خلال ذهابهم لمزرعة جني البصل، وأسفر الحادث عن مصرع طفل 13 عاملا وإصابة 25 آخرين بينهم 19 طفلا تتراوح أعمارهم بين 10 سنوات و15 سنة.
وفي إبريل الماضي 2020 انقلبت سيارتان ربع نقل وعليهما 44 طفلا، كانتا مخصصتين في الأساس لنقل المواشي، في مدينة أبوتشت شمال قنا، من أبناء مركز البلينا بمحافظة سوهاج، وهم في طريقهم للعمل في حقول القصب بشمال قنا مقابل 20 جنيها فقط للفرد.
ويقول باحث بمركز البحوث الاجتماعية، في تصريحات صحفية، إن "أصحاب العمل غير المسجلين يعتمدون على الأطفال القُصَّر، لأن أجورهم أقل بكثير من البالغين، حيث تعتمد عشرات الآلاف من المصانع والورش غير المصرح بها عليهم، فضلا عن عملهم بأعمال تصنف بأنها خطرة كالعمل في مصانع الألمنيوم وورش الخراطة والدباغة والمعادن والمحاجر والمكامير وغيرها.
فيما تشير هيئة أرض البشر، في تقريرها "واقع الأطفال العاملين في مصر" إلى أن 34.7 % من الأطفال يعانون من الأعمال الشاقة، وحوالي 29.8% يشكون من زيادة ساعات العمل لتتجاوز 43 ساعة أسبوعيا، فضلا عن كثرة تعرض 13 % من الأطفال للكيماويات والمبيدات الحشرية، خصوصا في العمالة الزراعية.
وفي محافظتي القليوبية والشرقية يكثر الأطفال الذين يعملون في مكامير الفحم البدائية بعيدا عن عين الحكومة التي تجرم تلك المكامير، خاصة أنها لا تطابق المواصفات البيئية وتضر البشر والحجر والنبات، وبالرغم من ذلك يستخدم أصحابها الأطفال الفقراء لحرق الأشجار وتقليبها ورصها لإنتاج الفحم، ويتعامل صاحب المكمورة معهم كعمالة رخيصة ومتوفرة، ويستغلهم في إنجاز أعمال كثيرة مقابل أجور زهيدة.
وتسبب تلك الصناعة المحظورة بيئيا القتل بالسرطان، في وقت سريع، ورغم ذلك يقدم عليها الأطفال لمداواة فقر أسرهم مقدمين حياتهم ثمنا رخيصا ، وهو ما يتكرر في كثير من الصناعات والمهن التي لا يغيب عن معظمها الأطفال بمصر دون أي حماية، ما يهدد مستقبل مصر ويجعله على المحك بفعل الأمراض القاتلة والحوادث الخطرة المدمرة للحاضر والمستقبل والقاتلة لزهور مستقبل مصر.