تسود حالة من الغليان في الأوساط الشعبية بسبب الارتفاع الجنوني في أسعار جميع السلع الغذائية والأساسية؛ لا سيما الخبز السياحي (غير المدعوم) الذي ارتفع بنسبة 50% مرة واحدة؛ وهو ما يفوق قدرة عشرات الملايين من المصريين في ظل تدني قيمة الأجور والمرتبات. وارتفعت سعر الخبز الصغير من 50 قرشا إلى 75 قرشا، وبعض المخابز ألغت هذا الحجم، وارتفع سعر رغيف الخبز الكبير من جنيه واحد إلى جنيه ونصف الجنيه، وارتفع سعر "الفينو" كذلك بالنسبة نفسها أيضا، كما ارتفعت أسعار الفطائر والمخبوزات والنواشف مع الزيادة الجديدة. ورغم هذا الارتفاع الجنوني في سعر الخبز السياحي، إلا أن وليد دياب، عضو غرفة صناعة الحبوب باتحاد الصناعات، يرجح أن يشهد السوق رفع أسعار هذا النوع من الخبز قريبًا.
الغريب في الأمر أن المتحدث باسم مجلس الوزراء بحكومة الانقلاب، نادر سعد قال في تصريحات تليفزيونية، السبت 05 مارس 2022، «إن الدولة ستكثف حملات الرقابة من جميع الأجهزة الرقابية في مواجهة التلاعب بزيادة الأسعار عن حدود “قرار” رفع أسعار الخبز، أو إخفاء السلع على أمل التربح من زيادة الأسعار لاحقًا»، وجه الغرابة هنا أن تصريحات سعد تستند استنادا مزعوما إلى إمكانية حقيقية لتقييد رفع أسعار الخبز السياحي، ذلك أن المخابز السياحية لا تقع ضمن نطاق رقابة وزارة التموين من حيث التسعير، ولا تخضع في هذا السياق لقانون التموين أًصلاً. وفق القانون فإن نطاق الرقابة الحكومية على المخابز السياحية يكون على الالتزام بقانون حماية المستهلك الذي يلزم المخابز السياحية بالإعلان خارج المخبز في لافتة معلقة توضح صنف الخبز المتوفر ومواصفاته وسعره، بالإضافة إلى الرقابة على نوعية الدقيق المستخدم في إنتاج الخبز السياحي، وما إن كان دقيق استخراج 72% فعلًا من عدمه، وإلا لأصبح بيع الخبز السياحي يتضمن غشًا تجاريًا. ويقوم انتاج الخبز السياحي أو الحر على دقيق استخراج 72% الذي يعد أعلى سعر من الدقيق استخراج 82% المستخدم في إنتاج الخبز المدعم.
إزاء هذه المعطيات، لماذا إذا أدلى المتحدث باسم حكومة الانقلاب بهذه التصريحات؟ هل الهدف هو امتصاص شيء من الغضب الشعبي والادعاء أن حكومة الانقلاب تواجه فلتان الأسعار رغم أن جميع الشعب يعلم بيقين كامل أن رأس النظام عبدالفتاح السيسي هو من يقف وراء الارتفاع الجنوني في الأسعار ، وأن السيسي قد عبر عن ذلك بوضوح شديد بتصريحاته المتكررة، وسياساته العشوائية، وتبينه نسخة متطرفة من الرأسمالية المتوحشة التي تدهس الفقراء دهسا عدون اعتبار أو اكتراث، حتى وصلت مستويات الفقر إلى أكثر من 70% من المواطنين؟
ورغم عدم وجود قرار مركزي برفع أسعار الخبز السياحي، لأنه لا يخضع لقرار أي جهة بما في ذلك شعبة المخابز في اتحاد الغرف التجارية، فكل مخبز حر في رفع السعر إلى الحد المناسب له، باعتبار الخبز غير المدعم بكل أنواعه هو مجرد سلعة خاضعة للتسعير وفقًا للعرض والطلب، إلا أن مسئولية الحكومة عن ذلك هو غياب الرقابة في ظل احتمالات كبرى قائمة بوجود مافيا تنتفع من هذه الأزمة، وتتربح منها من خلال تخزين الدقيق والتسبب في ارتفاع أسعاره. من جهة أخرى فإن الحكومة تتبنى سياسات زراعية ثبت أنها تمثل خطورة على الأمن الغذائي وتهدد الأمن القومي المصري في الصميم؛ فكيف يرتهن غذاء "100" مليون مصري على الخارج؟ وكيف لمصر التي علمت البشرية الزراعة أن تستورد في ظل هذا النظام القمعي السلطوي أكثر من 65% من غذائها؟ أليس هذا بحد ذاته يستحق محاكمة المسئولين عن هذه الجريمة محاكمة عاجلة بتهمة الخيانة العظمى؟
أما عن احتمال ارتفاع أسعار الخبز مجدا فقد أوضح وليد دياب، عضو غرفة صناعة الحبوب باتحاد الصناعات، أنه رفع سعر الدقيق للمخابز بنحو 20% ، وأنه سوف يعيد تسعيرة الدقيق مجددا مع استيراد كميات إضافية من القمح بالأسعار الجديدة. موضحا أن سعر الطن حاليا وصل إلى 8500 جنيه، ومن المتوقع أن يرتفع إلى نحو 10 آلاف جنيه، وهو ما سيؤدي تلقائيا إلى ارتفاع أسعار الخبز السياحي من جديد!
وبحسب وكلاء لعدد من شركات مطاحن الحبوب وأصحاب مخابز ومحلات مخبوزات، واصل سعر طن قمح الدقيق السياحي ارتفاعه إلى 10 آلاف جنيه (635 دولارا) الذي يستخدم في إنتاج الخبز البلدي والنواشف، وارتفع ثمن الدقيق الفاخر إلى 11 و12 ألف جنيه (765 دولارا) الذي يستخدم في إنتاج "الفينو" الخاص بالمدارس والمخبوزات الأخرى. وزادت أسعار الدقيق بشكل ملحوظ منذ أغسطس/ 2021، إذ كان يتراوح سعر الطن ما بين 7 آلاف جنيه و9 آلاف جنيه (الدولار يساوي 15.7 جنيها) ارتفاعا من 5.5 آلاف جنيه و7 آلاف جنيه للطن بحسب النوع والجودة. وتبلغ فاتورة استيراد القمح نحو 3 مليارات دولار سنويا، وتستورد مصر نحو 12 مليون طن سنويا (حكومي وخاص)، وتستهلك قرابة 20 مليون طن من القمح سنويا، من بينها نحو 9 ملايين طن لإنتاج الخبز المدعوم، الذي يُصرف على البطاقات التموينية لإنتاج ما يقرب من 270 مليون رغيف يوميا.