الهجوم على حكومة الانقلاب تحت إشراف الأمن.. لماذا في هذا التوقيت؟

- ‎فيتقارير

تواجه حكومة مصطفى مدبولي هجوما نادرا تحت إشراف أجهزة الدولة الأمنية، شاركت في هذه الحملة أبواق إعلامية معروفة وفضائيات محسوبة على جهازي المخابرات العامة والأمن الوطني، بخلاف الهجوم الذي شنه عدد قليل من نواب برلمان الانقلاب المحسوبون على أحزاب المعارضة المدجنة.

وكان برلمان العسكر قد وافق (الثلاثاء 19 إبريل 2022) على الحساب الختامي للموازنة المالية للعام المالي (20/21) رغم ثبوت عمليات فساد ونهب تقدر بالملايين،  حيث بلغت نسبة العجز 7.4% من الناتج المحلي الإجمالي، وزيادة الدين الحكومي المحلي والخارجي بقيمة 796.3 مليار جنيه؛ ليصل إلى 5 تريليونات و547 مليار جنيه. وشهدت الجلسة هجوما حادا من عدد من النواب المحسوبين المحسوبين على تحالفات السلطة.  وتقدمت الكتلة البرلمانية لــ«الحزب المصري الديمقراطي» بمذكرة ترفض فيه الحساب الختامي للموازنة وطالبت بإقالة الحكومة مؤكدة ثبوت الفساد وإهدار المليارات وإغراق البلاد في الديون والتلاعب بأرقام الموازنة على نحو يحسن من الأوضاع المزرية.

اللافت في الأمر أن "الحزب المصري الديمقراطي" حليف حزب السلطة "مستقبل وطن" الذي تشرف عليه أجهزة السيسي الأمنية، ودخلوا جميعا البرلمان تحت قوائم الأمن تحت اسم "من أجل مصر"، لإظهار أن هناك تيارا معارضا من داخل النظام في مجلس نواب الانقلاب بعد إقصاء جميع المعارضين الفاعلين في الانتخابات التي شابتها عمليات تزوير واسعة في أواخر عام 2020.

أحد أسباب الهجوم أيضا، أن البنك المركزي كان قد أعلن قبل يومين من تمرير الحساب الختامي للموازنة عن ارتفاع الدين الخارجي للبلاد إلى 145.529 مليار دولار بنهاية ديسمبر2021، مقابل 137.42 مليار دولار بنهاية سبتمبر من العام نفسه، بزيادة تقدر بنحو 8.109 مليارات دولار خلال 3 أشهر فقط. علماً أن البنك كشف عن تراجع حاد للاحتياطي النقدي من العملات الأجنبية إلى 37.082 مليار دولار بنهاية مارس الماضي، مقابل 40.99 مليار دولار بنهاية فبراير السابق له.

تفسير هذه الظاهرة كشفته صحيفة "العربي الجديد" نقلا عن مصدر برلماني مطلع أوضح أن "تعليمات صدرت لعدد من النواب، الذين ينسقون بشكل مباشر مع أحد الأجهزة الأمنية المشرفة على عمل المجلس، بتبني خطاب هجومي على بعض الوزراء الخدميين في الحكومة، وإظهار توجه معارض لهم في ما يخص الضغوط الاقتصادية الواقعة على المواطنين، وتقصير الحكومة في إجراءات ضبط الأسواق، والتراخي في تنفيذ توجيهات رئيس الجمهورية". والهدف هو تحميل المسئولية كاملة للحكومة والوزراء والترويج لقصور الحكومة في تنفيذ توجيهات الرئاسة أملا في إفلات الرئاسة من حملات النقد والسخرية لا سيما في ظل عرض مسلسل «الاختيار3» الذي يمجد في السيسي بوصفه منقذا للبلاد، بيما يحمله الشعب ويحمل الجيش ومؤسسات الدولة المسئولية كاملة عن خراب البلد وتدميرها على النحو الذي وصلت إليه اليوم. وبالتالي فهناك "توجه لدى أجهزة في الدولة للترويج لمسألة القصور الحكومي في إدارة بعض الملفات الخدمية، التي ضاعفت من التأثيرات السلبية لتداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، وذلك ربما يكون تمهيداً لخطة تنتهي إلى تغييرات حكومية يتم الترويج الإعلامي لها بأنها تستند إلى مطالب الشارع".

و"الحزب المصري الديمقراطي" هو متحالف في الأصل مع حزب "مستقبل وطن" الحائز على الأغلبية في البرلمان، وفاز نوابه جميعاً على القائمة الانتخابية المدعومة من نظام السيسي باسم "من أجل مصر"، لإظهار أن هناك تياراً معارضاً من داخل النظام في مجلس النواب، بعد إقصاء جميع المعارضين الفاعلين في الانتخابات التي شابتها عمليات تزوير واسعة في أواخر عام 2020.

الهجوم على حكومة الانقلاب قد يكون أيضا محاولة من جانب السيسي ودائرته لامتصاص غضب الشعب الذي يعاني معظمه من التداعيات الكارثية للسياسات المالية والاقتصادية والإذعان الكامل لشروط وإملاءات صندوق النقد الدولي منذ نوفمبر 2016م، ثم تفاقم الأوضاع بسبب تفشي جائحة كورونا والحرب الروسية الأوكرانية، وسقوط نحو 70% من المصريين خط الفقر. كما يستهدفون رمي المشاكل على أكتاف الوزراء، واصطناع عدم علم الرئاسة بها أو أنه يتدخل فقط لتخفيف معاناة المواطنين، وتعكس جميعها عودة دائرة السيسي إلى الاستراتيجية القديمة التي كان يتبعها نظام الرئيس الأسبق حسني مبارك مع الأزمات الشعبية المتلاحقة، خصوصاً في السنوات العشر الأخيرة من عهده، ليبدو رئيس الجمهورية وكأنه الملاذ الأخير للمواطن البائس، وأنه يعمل على تخفيف وطأة قرارات الحكومة، وكأنه منعزل عنها وعن سياساتها.

إزاء هذه المعطيات فيبدو أن دائرة السيسي قد تتجه نحو إقالة الحكومة خلال الأسابيع القليلة المقبلة أو إجراء تعديلات واسعة عليها؛ تزامنا مع حملة إعلامية تحملها المسئولية كاملة عما آلت إليه الأوضاع أملا في تجنب النقد للسيسي نفسه وأجهزته الأمنية التي تعتبر الحكومة الفعلية التي تدير البلاد وتتخذ كافة القرارات وتضع جميع السياسات والتوجهات الرسمية. لذلك عادة ما يتم الهجوم على الوزراء ورئيس الحكومة دون الإشارة إلى السيسي رغم أنه المسئول الأول عن كل شيء، والحكومة مجرد سكرتارية في بلاطه بلا أي صلاحيات حقيقية. 

معنى ذلك أن السيسي قد يلجأ إلى إقالة حكومة الانقلاب وتشكيل أخرى، أو إجراء تعديلات واسعة عليها، لامتصاص الغضب الشعبي، واصطناع "إجراء تغيير" أمام الرأي العام. لكن هناك عوامل قد تحول دون نجاح سياسات مبارك مع السيسي؛ أبرزها أن جنرال الانقلاب كان حريصا طوال السنوات الماضية على الظهور كمدير وحيد وخبير أعلى في جميع الملفات، بما فيها التقنية والفنية، كالإسكان والزراعة والصحة والتموين والتعليم، من خلال اجتماعاته المتكررة مع الوزراء وضغطه المتواصل عليهم لتغيير سياساتهم وبرامجهم الزمنية، وإجراء تعديل وزاري واحد على الأقل كل عام، مما أفقد الرأي العام ثقته بالتحكم الكامل للوزراء، أو بالأحرى رئيس الوزراء، في أداء الحكومة، وترسيخ رسالة مفادها أن السيسي هو الآمر الناهي الوحيد في السلطة التنفيذية.

وهناك عامل آخر يعوق إقناع المراقبين بمسؤولية الوزراء عن الفشل الإداري للنظام، يتمثل في دفع النظام بضباط المخابرات والرقابة الإدارية وخريجي البرنامج الرئاسي لتأهيل الشباب للقيادة إلى دواوين جميع الوزارات، واكتسابهم بمرور الوقت سلطة تأثير أكبر من بعض الوزراء في حقائبهم، فضلاً عن التداخل الكبير بين أعمال الوزراء والسلطة التي يتيحها السيسي لجهات أخرى خارج الحكومة، على رأسها المخابرات العامة برئاسة اللواء عباس كامل ونجل السيسي الضابط محمود، والرقابة الإدارية، والجيش وهيئاته المختلفة مثل الهيئة الهندسية وجهاز الخدمة العامة والمشاريع. وهو ما يجعل الوزراء بشكل عام مقيدين في تصرفاتهم وغير ممكنين من ممارسة سلطاتهم بشكل كامل. بينما تمارس أجهزة السيسي الأمنية كل الصلاحيات دون استثناء بناء على توجيهات وأوامر السيسي نفسه، فهو طبيب الفلاسفة وحكيم الحكماء العالم ببواطن الأمور والقادر على حل جميع المشكلات كما ادعى هو نفسه خلال زيارته لألمانيا سنة 2015م.