«خرجوا العلمانيين واسحقوا الإسلاميين.. ملاحظات على دور«لجنة العفو السيسية

- ‎فيتقارير

أسفرت الدعوة التي أطلقها الجنرال عبدالفتاح فيما يسمى بإفطار الأسرة المصرية أواخر شهر رمضان الماضي (1443 هــ 2022م) عن بث الروح في ما تسمى بــ «لجنة العفو عن المحبوسين»، والتي شرعت في تقديم ما تسمى بقوائم العفو على أمل أن يتفضل عليهم الجنرال وأجهزته الأمنية بالعفو عن هؤلاء المحبوسين في سجون ومعتقلات النظام منذ عدة سنوات.

الملاحظة الأولى أنه يتعين  في البداية التنويه إلى أن اللجنة تتكون من شخصيات وعناصر علمانية تحت إشراف ووصاية الأجهزة الأمنية على أمل أن يؤدي ذلك إلى إعادة اللحمة لما يسمى بمعسكر أو جبهة 30 يونيو والتي تضم أركان الدولة العميقة التي باتت تهمين حاليا على مصر منذ انقلاب 3 يوليو 2013م وتضم  قيادة الجيش وأجهزة الدولة الأمنية والإعلامية من جهة وبعض الأحزاب العلمانية من جهة ثانية مثل الكرامة حمدين صباحي والدستور والمصري الديمقراطي والتجمع والوفد وقوى وحركات أخرى علمانية شاركت وساهمت في مشهد الانقلاب منتصف 2013م.

الملاحظة الثانية، أن كل هؤلاء الضحايا في سجون العسكر جرى اعتقالهم بإجراءات تعسفية واتهامهم بتهم كيدية بالغة التلفيق لا تستند مطلقا إلى أي أدلة مادية تدينهم بقدر ما تعتمد على تحريات الأجهزة الأمنية والتي أدمنت تلفيق التهم لكل المعارضيين السياسيين؛ وعندما قضت محكمة النقض في أعوام 2015 حتى 2017م ببراءة من تم اتهامهم بهذه التحريات بوصفها لا ترقى وحدها إلى درجة الدليل  لإدانتهم، جرى تعديل قانون السلطة القضائية وقانون الإجراءات الجنائية في 2017م على نحو أجبر المحاكم على الأخذ بهذه التحريات كدليل إدانة وهو ما يخالف الأسس التي قام عليها القضاء منذ عقود طويلة، ويعصف بأي معنى لاستقلال القضاء من جهة وأي حديث عن العدالة من جهة ثانية.

الملاحظة الثالثة، أن اللجنة تركز جهودها على المحبوسين احتياطيا فقط دون النظر في المشكلة من منظور أكبر؛ لا سيما وأن عشرات الآلاف ممن جرى الحكم عليهم إنما صدرت في أجواء محتقنة حافلة بكل أشكال الكراهمية والعنصرية والتمييز في محاكمات صورية افتقدت إلى أدنى معايير النزاهة والعدالة؛ وهو ما انتقده منظمات حقوقية عالمية مؤكدة أن المحاكمات في مصر لا تمت للعدالة بصلة؛ فلماذا تتجاهل هذه اللجنة كل هذه الحقائق وتمضي في طريق رسمته السلطة ابتداء ولا تقدر حتى على رفض الحدود الضيفة المسموح بها حاليا في ظل المشكلات التي تحاصر النظام اقتصاديا وماليا وسياسيا. ولذلك خرجت تصريحات من منتسبين لهذه اللجنة يقولون إن شروط العفو تنطبق على 986 مسجونا فقط رغم أن المعتقلون ظلما فوق الـ60 ألفا!

الملاحظة الرابعة،  أن كلمة “العفو” بحد ذاتها تمثل إدانة لهؤلاء الضحايا الذي اعتقلوا ظلما وعدوانا، وبالتالي فإن  الحديث عن العفو إنما يتضمن الإقرار بإدانتهم أولا ثم التوسل إلى الجنرال الطاغية  لكي يعفو عنهم؛ وهذا والله ظلم مبين؛ فهم بالأساس جرى الزج بهم في سجون النظام ظلما وطغيانا وبقاؤهم كل يوم في هذا الوضع الجائر إنما هو دليل إدانة للنظام نفسه فكيف يطلب هؤلاء من الظالم الطاغية أن يعفو عن الضحايا؛ ولو شاءوا أن يكونوا منصفين لطالبوا بالإفراج الفوري عن كل المعتقلين السياسيين دون تمييز ثم يتوسل السيسي وأجهزته العفو من هؤلاء الضحايا نظير ما تعرضوا له من ظلم وعدوان وافتراء طالهم في حريتهم وسمعتهم وشرفهم وطال أسرهم وأولادهم بالظلم والأذى وطالب أعمالهم وشركاته بالنهب والسطو والإهمال.

الملاحظة الخامسة، كل المؤشرات والتصريحات الصادرة عن القائمين على هذه اللجنة يبرهن على أن الفلسفة التي تقوم عليها لا علاقة بالعدل والإنصاف ورد المظالم، لكنها تقوم على أساس التمييز فيما يتعلق بالأفكار والانتماءات السياسية؛ فكل التصريحات إنما تتعلق بالمنتسبين إلى الأحزاب والقوى العلمانية؛ والتأكيد على أن هدف اللجنة هو العفو عن المحبوسين على ذمة قضايا سياسية لا علاقة لها بالإرهاب؛ وهو وصف عجيب وغريب؛ ذلك أن معظم المعتقلين من كل القوى السياسيية إسلاميين وعلمانيين جرى اتهامهم بالإرهاب من جانب النظام وأجهزته الأمنية؛ وبالتالي كيف يفرق هؤلاء بين المعتقلين على ذمة هذه القضايا المتعلقة بالإرهاب؟ كيف يميزون بين معتقل وآخر بأن هذا فعلا إرهابي وهذا لا علاقة له بالإرهاب؟ بالطبع سيكون التمييز في هذه الحالة لا علاقة له بالعدل والإنصاف ورد المظالم بل بالانتماء السياسي والفكري؛ فإذا كان المتهم إسلاميا فهو إرهابي،  أما إن كان علمانيا ومتهم بالإرهاب من ذات السلطة فهو ليس إرهابي؟!!  بهذا السلوك فإن العلمانيين في مصر يصرون على أن يبقوا خداما تحت بيادات العسكر بعدما تجردوا من كل معاني العدل والإنصاف والحرية وبات همهم الأول أن أن ينعم عليهم الدكتاتور بهامش حرية بعدلا من هذه العتمة التي حولت مصر إلى زنزانة كبيرة يختنق الشعب داخلها ظلما وفقرا وجوعا.

مشكلة السلطة وأجهزتها الأمنية وهؤلاء العلمانيين أنهم لم يتربوا يوما على أن قيم العدل والحرية والإنصاف هم قيم إنسانية وإسلامية لا تتجزأ ولا يتم التعامل معها بتمييز وانتقائية بناء على الانتماءات الفكرية والدينية والسياسية؛ فالقرآن يعلمنا أن حقيقة العدل أن يكون متجذرا في قلوب المؤمنين إلى الحد الذي يجلعهم منصفين حتى مع أعدائهم؛ والقرآن يشدد على هذا المعنى بشكل واضح { یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ كُونُوا۟ قَوَّ ٰ⁠مِینَ لِلَّهِ شُهَدَاۤءَ بِٱلۡقِسۡطِۖ وَلَا یَجۡرِمَنَّكُمۡ شَنَـَٔانُ قَوۡمٍ عَلَىٰۤ أَلَّا تَعۡدِلُوا}، أي لا تجعلوا بغضكم لقوم مانعا من إقرار العدل لو كان في صالحهم؛ فالعدل مطلق وقيمة إنسانية تسمو فوق الخلافات والأحقاد الدينية والسياسية ولا يجوز مطلقا أن يكون العدل والإنصاف مرهونا بالانتماءات الفكرية والسياسية {ٱعۡدِلُوا۟ هُوَ أَقۡرَبُ لِلتَّقۡوَىٰۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِیرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ}.