فشل الدكتاتور عبدالفتاح السيسي لا يتوقف فقط عند عدم القدرة والكفاءة في إدارة موارد الدولة على نحو صحيح، وتبني سياسيات مالية واقتصادية ثبت أنها فاشلة وتسببت في تدهور الأوضاع على نحو غير مسبوق، بل يمتد الفشل إلى العجز الفاضح في حماية الأمن القومي بشأن مشكلة المياه مع إثيوبيا والتي تعتبر أكبر مشكلة تواجه مصر حاليا.
وجاءت تصريحات الجنرال خلال حضوره فعاليات المعرض والمؤتمر الطبي الأفريقي الأول، الذي انطلقت فعالياته في القاهرة (الأحد "4 يونيو إلى الثلاثاء 07 يونيو 2022) لتؤكد أن السيسي انتقل من مربع التصريحات العنترية لدغدغة مشاعر الجماهير إلى مربع الانكسار والاستسلام أمام التعنت الإثيوبي. فقد قال السيسي إن مصر لم تدخل في صراع مع أشقائها الأفارقة من أجل زيادة حصتها من مياه النيل، مضيفا «عملنا على تعظيم مواردنا والحفاظ على كل قطرة مياه، دون مبالغة، من أجل مواجهة التحدي، وهو فرصة وليس عائقا؛ لذا عملنا برامج لمعالجة المياه معالجة ثلاثية متطورة. هذه البرامج الخاصة بمعالجة المياه وتحليتها مطابقة لمعايير منظمة الصحة العالمية، وتستفيد منها الدولة استفادة قصوى، وستجعل مصر أول أو ثاني دولة في العالم تستفيد من معالجة وتحلية المياه لصالح شعبها».
التصريحات الأخيرة للسيسي تناقض كليا تصريحاته السابقة في 30 مارس 2021 خلال تفقده المجرى الملاحي لقناة السويس إبان أزمة جنوح حاملة الحاويات "إيفر جيفين" والتي حملت نبرة تهديد لأثيوبيا بشأن أزمة سد النهضة وإصرار أديس أبابا على بدء الملء الثاني لخزان السد في يوليو "2021م". فقد اعتبر السيسي حرمان مصر من مياه النيل خطا أحمر، وهدد برد لا يمكن تخيله سيتردد صداه في المنطقة حال تآثرت إمدادات مصر من المياه بسبب السد، الذي تشييده إثيوبيا على مجرى النيل الأزرق. وقال السيسي: "نحن لا نهدد أحدا؛ لكن لا يستطيع أحد أخذ نقطة مياه من مصر، وإلا ستشهد المنطقة حالة عدم استقرار لا يتخيلها أحد"، موضحا أنه لم يسبق له أن تحدث بهذه اللهجة، وأنه لا يهدد؛ لكن "المساس بمياه مصر خط أحمر.. ومن يريد أن يجرب فليجرب" على حد قوله. برامج التوك شو على فضائيات السلطة راحت تضخم في هذه التصريحات، وكذلك جاءت مانشيتات وعناوين الصحف، وحتى كتاب الأعمدة والرأي راحوا يحللون أبعاد هذه التهديدات. وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، استمرت الكتائب الإلكترونية هي الأخرى في ترديد تصريحات السيسي عن الخط الأحمر، والدعوة للثقة في قائد الضربة الجوية المنتظرة للسد، والتلويح بالحرب.
انكسار السيسي يأتي بعد يومين فقط من تصريحات إثيوبية مستفزة، حيث صرح مدير مشروع السد كيفلي هورو لقناة العربية السعودية أن عملية الملء الثالث لسد "النهضة" ستكون في آب/ أغسطس وأيلول/ سبتمبر المقبلين، مشيرا إلى "احتمال تضرر مصر والسودان من عملية الملء". وقال هورو إن إثيوبيا "لن تسمح بوقف تشييد هذا المشروع، ولن تفعل ذلك ولن تسمح بتعطيله"، داعيا القاهرة والخرطوم إلى "التحلي بالعقلانية"، فيما لم يصدر تعليق فوري من مصر والسودان حول تصريحات المسؤول الإثيوبي.
ورغم أن التصريحات الإثيوبية الأخيرة أظهرت استخفافا بدولتي المصب، وعدم اكتراث بمآلات السد على مصر والسودان إلا أن تصريحات السيسي جاءت أكثر استفزازا؛ لأنه كشف أن مصر بلا حكومة حقيقة تدافع عن أمنها القومي وتحمي حقوقها المشروعة ضد أي عدوان؛ فالسيسي الذي يستأسد على المصريين ويمارس أبشع صور الظلم والطغيان، يبدو عاجزا معدوم القدرة والكفاءة في مواجهة العدوان الإثيوبي الذي يمثل في جوهره إعلان حالة الحرب على مصر وشعبها.
وبحسب خبراء ومحللين فإن حديث السيسي عن تحلية ومعالجة المياه كحل لمشكلة نقص المياه الناتجة عن سد النهضة، أمر لا يمت للواقع بصلة؛ فأقصى ما يمكن توفيره من المياه بواسطة محطات المعالجة والتحلية لن يتجاوز 500 مليون متر مكعب من المياه، وهي كمية ضئيلة جداً إذا ما تمت مقارنتها بحصة مصر من مياه النيل والتي تُقدر بـ55 ملياراً ونصف مليار متر مكعب ويمكن أن تصل إلى 60 مليار متر مكعب إذا ما احتسبنا الفائض من السودان، وهي مياه عذبة ومجانية ترد إلى مصر من دون أدنى مجهود، عكس مياه التحلية التي تُكلف محطاتها مليارات الدولارات.
وبدلا من مواجهة هذا العدوان وصد هذه الحرب بما يكافئ خطورتها، فإن تصريحات السيسي في حقيقتها هي إعلان واضح عن حالة الهزيمة والانكسار، وتمثل إذعانا كاملا للاستفزاز والعدوان الإثيوبي، وما تفاخر السيسي بأن مصر تحتل المرتبة الأولى أو الثانية في مجال معالجة وتحلية المياه، بوصف ذلك إنجازا ما هو في الحقيقة إلا تبريرا للتغطية على العجز الفاضح للنظام وعدم قدرته على حماية الأمن المائي الذي يمثل أحد أهم جوانب الأمن القومي المصري. فالسيسي بهذه التصريحات يقول بشكل واضح إنه لن يواجه العدوان الإثيوبي على النيل ولن يتصدى للمخططات الإثيوبية الرامية إلى تحويل النيل إلى بحيرة إثيوبية خالصة، ولن يقدر على لجم المخططات الإثيوبية الرامية إلى تحويل المياه إلى سلعة وتجويع مصر وتعطيش شعبها، الأمر الذي يهدد بمجاعة قد تؤدي إلى هلاك عشرت الملايين من المصريين. وتدمير الوجود المصري وليس الأمن القومي فقط. السيسي بهذه التصريحات إنما يريد أن يفرض على مصر وشعبها الإذعان والاستسلام، ويجر البلاد كلها إلى القبول بعجزه وفشله؛ متجاهلا ان عدم قدرة النظام على حماية الأمن المائي والأمن القومي وتأمين حصة مصر من مياه النيل، واكتفائه بمعالجة مياه الصرف الصناعي والزراعي، يرفع عن النظام أي شرعية، ويستلزم الإطاحة به لحماية مصر وأمنها القومي. ومجيء نظام جديد يكون قادرا على حماية البلاد ومواجهة التهديدات التي تمثل خطرا على أمنها القومي.