اعتاد المصريون أن يستمعوا في خطابات عصابة العسكر -منذ وقوع الانقلاب- إلى تهم ضخمة توجه إلى الإسلاميين على ألسنة قيادات عصابة الانقلاب بمختلف مستوياتها، مثل: الإرهاب والعنف، والعمالة للخارج والتخابر معه، وتسميم الأفكار، والتجارة بالدين، وتحريف الرسالة الإسلامية في الفكر والممارسة، ومعاداة المسيحيين، وتشويه صورة مصر في الخارج.
وعبَر السفاح السيسي في احد خطاباته النقطة الحرجة وتماس مع الإسلام نفسه، فرأى أنه يحتوي كما زعم على "نصوص وأفكار تم تقديسها على مئات السنين"، وأصبح الخروج عليها صعبا جدا "لدرجة أنها تعادي الدنيا كلها".
واليوم كلفت العصابة أحد أذرعها وهو وزير الشباب والرياضة في حكومة الانقلاب، بتدشين مبادرة "إحنا مين" ، بالتعاون مع مؤسسة مغمورة ومشبوهة تسمى "يارو للحضارة المصرية"، بهدف سلخ المصريين عن هويتهم العربية والإسلامية .
ضد الإسلام
يمضي نظام الجنرال عبدالفتاح السيسي على خطى سابقيه من الجنرالات الذي سطوا على حكم مصر بانقلاب 23 يوليو 2013م بتكريس نزعة التباهي والتفاخر بالحضارة المصرية القديمة المعروفة باسم «الفرعونية»، الإعلام والسينما والدراما وحتى مناهج التعليم تكرس هذه النظرة تجاه الفرعونية بوصفها حضارة قل لها نظير في العالم.
تجاوزت مواقف السفاح السيسي المعادية للاسلام حدود مصر إلى العالم برمته، شاجبا تبني المسلمين رؤى وأفكارا بدت له مدمرة للآخر بكل أصنافه وتوجهاته، قائلا: "يعني 1.6 مليار يقتلون الدنيا كلها التي يعيش فيها سبعة مليارات ليعيشوا هم".
وهو ما انعكس اليوم على الحفل الذي تنظمه وزارة الشباب في حكومة الانقلاب من خلال الإدارة المركزية للطلائع، والتي تدعم برنامجاً مشبوهاً يتضمن مجموعة من الفقرات منها افتتاح متحف متنقل لعدد من المستنسخات طبق الاصل من مقتنيات توت عنخ آمون بمناسبة مرور 100 عام على اكتشاف مقبرته بالإضافة إلى عدد آخر من القطع الأثرية والذي ستقيمه شركة "حورس" الشريك الاساسي للمؤسسة في تنفيذ الفاعليات .
وتستهدف عصابة الانقلاب الأطفال والشباب من 8-15 سنة من مختلف المحافظات بدء من القاهرة وانطلاقا إلي محافظات الإسماعيلية وجنوب سيناء ومطروح والإسكندرية ، وتتضمن ورش حكى، ورش تعليم اللغة المصرية القديمة ، ورش سينما ، وعرض للخريطة الزمنية عبر العصور المختلفة.
وخلال السنوات الماضية أبدى السفاح السيسي أعلى صور التباهي والافتحار بالفرعونية فقد تم افتتاح المتحف المصري القديم في مصر القديمة وجرى نقل بعض الآثار من المتحف المصري بالتحرير إليه في احتفال أسطوري تكلف مئات الملايين، وهو الاحتفال الذي تكرر رغم الأوضاع الاقتصادية المتردية وبلوغ الديون العامة مستويات قياسية وغير مسبوقة وصلت إلى نحو 6 تريليونات جنيه محليا ونحو 140 مليار دولار خارجيا، بالتزامن مع تراجع موارد الدولية وتفشي جائحة كورونا وتداعيات العدوان الروسي على أوكرانيا.
وفي هذا السياق، قالت الباحثة الصهيونية ميرا تسوريف، إن السفاح السيسي يعمل على تثبت دعائم حكمه الاستبددي عبر استنساخ الماضي الفرعوني من أجل تبرير مزاعم تطبيق نظام حكم فعال ومركزي ومطلق الصلاحيات على حساب الهوية العربية والإسلامية للبلاد.
وبحسب الأكاديمية في مقال نشره مركز "ديان" لدراسات الشرق الأوسط وإفريقيا في جامعة تل أبيب الخميس0 9 مارس 2022م، فإن فترة حكم السيسي فرعونية السمات من نواح عديدة أهمها تدشين وافتتاح المتحف المصري الجديد في الفسطاط بتكلفة ملياري جنيه مصري، كما أن إعادة وزير خارجية الاحتلال يائير لابيد بعض التحف الأثرية الفرعونية المسروقة خلال زيارته الأخيرة للقاهرة قوبل بترحيب واسع في الإعلام المصري.
علاوة على أن الحفل الذي نقل 22 مومياء من ميدان التحرير إلى مقرها الجديد بالفساط تكلفت ميزانية طائلة حيث شارك فيها آلاف ممن ارتدوا الزي الفرعوني مصطفين حول مراكب كانت تقل المومياوات تم تصميمها على شكل قوارب في نهر النيل.
كما أن وزارة المالية صكت ورقة نقدية من فئة المئة جنيه تحمل صورة مسيرة الذهب الفرعونية بالعربية والإنجليزية، وحتى القنوات التي بثّت المسيرة الفرعونية الذهبية قبل نحو عام، أبحرت في وصفها وكيْل المديح للثقافة الفرعونية، وشددّت على أن مصر هي عرش الحضارات وفيها ولد التاريخ والحضارة الإنسانية منذ آلاف السنين، وبعد أيام نشرت وسائل الإعلام المصرية بتوسّع عن اكتشاف "مدينة الذهب المفقودة" في الأقصر التي تأسسّت على يد الملك الفرعوني أمنحوتوب الثالث.
وترى الباحثة الصهيونية أن تعزيز الهوية الفرعونية تخدم أجندة عبد الفتاح السيسي فهو يقود المعركة على الوعي ضد عدو النظام الحاكم، خاصة الإخوان المسلمين، ممن يتعامل معهم السيسي كأعداء.
وشددت في الوقت ذاته على أن الهوية الفرعونية التي يرعاها السفاح السيسي كمحاولة لتبرير الزعم بأن الحصول على حكم فعال مجد يلزم بنظام حكم مركزي ومطلق الصلاحيات على غرار الفراعنة وبالتالي منح الشرعية لحكمه الاستبدادي.
كما يتم الدعاية للفرعونية كونها تمنح الصلاحية لتوجهات السفاح السيسي الرامية إلى تعزيز العلاقات مع دول البحر المتوسط على أساس أن المصريين القدماء نسجوا علاقات وثيقة مع بلدان حوض البحر المتوسط.
الاستبداد
هذا الاهتمام المبالغ فيه من عصابة الانقلاب نحو الفرعونية يستهدف التغطية على النزعة الاستبدادية المتطرفة التي مارسها الفراعنة قديما في محاولة للتغطية على الاستبداد القائم والطغيان المفرط الذي يمارسه السفاح السيسي بحق الشعب المصري.
فالرسالة واضحة؛ أن ما مصر ما نهضت إلا تحت حكم الطغاة والمستبدين من الفراعنة، رغم أن القرآن يؤكد عكس ذلك تماما ويؤكد أن الفرعونية كانت نظاما باطشا جبارا ينشر الظلم والفساد في الأرض.
هذا الموقف المتطرف في الاحتفاء بالفرعونية، رغم مساوئها دفع عالمة المصريات بجامعة كاليفورنيا "كارا كوني" إلى المطالبة بالتوقف عن إضفاء الطابع الرومانسي على إرث الحضارة الفرعونية "الاستبدادي"، حسب وصفها، مشيرة إلى أن "الإعجاب غير النقدي للفراعنة الذي استمر حتى يومنا هذا أساس ثقافي يدعم الاستبداد الحديث".
وتحدثت "كوني" عن أوجه تشابه مباشرة بين حكام ما قبل 3000 عام و"الطغاة المعاصرين" في مصر، مشيرة إلى أن الفراعنة هم أول من أوجد "حجة أخلاقية مقنعة للسلطة التي لا تزال تضلل الناس اليوم"، وفقا لما أورده الموقع الرسمي لجامعة كاليفورنيا.
ولفتت عالمة المصريات إلى أن النظام الفرعوني هو أحد أقدم الأنظمة "الأبوية"، التي تضر النساء والرجال على حد سواء، مشيرة إلى أن ما يفعله النظام المصري الحاكم حاليا هو تكرار للأنماط التاريخية التي أدت مرارًا وتكرارًا إلى انهيار السلطة في البلاد.
وأضافت أن الفراعنة كانوا أبرز من قدم النظام الاستبدادي على أنه جيد ونقي وأخلاقي، مشددة على أهمية تسليط الضوء على هذا الوجه من الحضارة المصرية القديمة؛ باعتبارها حضارة يتم تسويقها إعلاميا حتى اليوم.
وأشارت إلى أن مفاهيم استبدادية كثيرة كانت وجها للنظام الفرعوني القديم، ومنها المجتمع الأبوي، والاستغلال، وإكراه النساء، وهي مفاهيم لا تزال باقية وتعاني منها المجتمعات الحديثة.
ونوهت "كوني" إلى أن النظام الأبوي يدمر نفسه ويقود مجتمعه نحو الانهيار في دورات تاريخية متعاقبة منذ آلاف السنين، مضيفة: "علينا أن ننهاض الأبوية لإعادة بناء شيء يحمينا بشكل أفضل من إساءة استخدام السلطة".