وكأن السيسي ونظامه الانقلابي العسكري المتوحش، لا يرى في مصر كلها إلا طرقا وكباري مؤدية إلى عاصمته الإدارية الجديدة، التي لن تؤويه أو تحميه من غضب الشعب، وسيأتيه الغضب والثورة من كل جانب.
يواصل النظام العسكري مشاريعه التوسعية على حساب مساكن المواطنين، حتى في الأحياء الراقية المبنية منذ مئات السنين، من أجل توسعة محور مروري أو بناء كباري أو كافيهات تُدر أموالا طائلة على جيوب اللواءات والعسكر، الذين يمنعون وصول مليما واحدا من مشاريع الجيش إلى الموازنة العامة للدولة، وهي ظاهرة باتت منتشرة بشدة في محافظتي القاهرة والجيزة خلال السنوات الأخيرة، وتذهب حصيلة تأجير هذه الأنشطة عادة إلى خزانة الجيش بعيدا عن موازنة الدولة.
وتقوم الأجهزة التنفيذية في محافظة القاهرة حاليا بهدم مساكن منطقة ألماظة في حي مصر الجديدة، من أجل توسعة المحاور المرورية المؤدية إلى العاصمة الإدارية، في مقابل تعويضات مالية أو وحدات سكنية في مشروع "أهالينا 3" الذي نفذته الحكومة لنقل سكان المناطق العشوائية بمدينة السلام التي تبعد عن قلب العاصمة عشرات الكيلومترات.
ويواجه أهالي ألماظة عصفا بحقوقهم الإنسانية، حيث تصلهم البلاغات الشفهية من الحكومة بسرعة الإخلاء حتى لا تهدم البيوت على روؤس أهاليها.
يشار إلى أن ألماظة لا تصنف منطقة عشوائية، بل أشرفت على تنفيذ عقاراتها شركة مصر الجديدة للإسكان والتعمير، إحدى الشركات التابعة للدولة، غير أنها تحولت حاليا إلى أشلاء مهدمة بشكل كلي أو جزئي، وأخرى خالية من السكان تنتظر مصيرها، وثالثة هُدم منها طابق أو طابقان تمهيدا لإزالتها ضمن مخطط هدم عقارات الصف الأول بشارع حسين كامل سليم بدعوى توسعته.
ويستغيث الأهالي من عدم السماع لشكواهم، حيث تقول إحدى المضارات من قرار الهدم، إنها "ذهبت إلى نيابة ومحكمة مصر الجديدة للإبلاغ عن وقائع الهدم، فقيل لها إن منطقة ألماظة تتبع جهة سيادية" متسائلة وطالما أن ألماظة تخص جهة سيادية، فلماذا بُنيت منذ البداية، وطُرحت للمواطنين حتى يسكنوا فيها؟
وأضافت "منطقة ألماظة حلت في عيون المستثمرين، الذين يقولون لنا إنهم "سيبنون عليها كافيهات وملاعب" وهل من المعقول طرد السكان من منازلهم من أجل إقامة كافيهات يجلس فيها البشوات ؟
وكان محامو مكتب "دفاع" لأعمال المحاماة والقانون قد أقاموا دعوى قضائية، موكلين عن بعض أهالي حي ألماظة للطعن في المادة الثانية من قرار حكومي صادر عن رئيس الوزراء برقم 3025 لسنة 2021، ويُتيح الاستيلاء بطريق التنفيذ المباشر على الأراضي والعقارات الواقعة في نطاق توسعة شارع حسين كامل سليم تمهيدا لنزع ملكيتها.
وطالب الأهالي في الدعوى بإزاحة سور مطار القاهرة الدولي القريب من ألماظة، بقدر المساحة اللازمة لتوسعة الشارع، بدلا من إزالة 39 مبنى يقطنون فيها، مؤكدين أنهم لا يعارضون أعمال التطوير، لكنهم يطالبون بالبديل المتاح الذي يوازن بين كل المصالح.
كما أرسلوا السكان استغاثة إلى المنقلب عبد الفتاح السيسي قبل نحو عام، يشكون فيها من قرار نزع ملكيتهم الخاصة بهدف توسيع شارع حسين كامل سليم، بما يمثل ضررا جسيما بأمن وملكية أسر وعائلات عاشت لعقود طويلة في المنطقة، ولطالما كانت مثالا يحتذى به في رقي عوائلها، ووطنيتهم، ومنازلهم المنظمة ضمن شوارع المنطقة الواسعة" حسب الاستغاثة.
وأقر مجلس نواب الانقلاب، الذي شكلته الأجهزة الأمنية والمخابراتية على عينها لأجل تلك السياسات المتوحشة، تعديلا على قانون نزع ملكية العقارات للمنفعة العامة، بغرض منح رئيس الجمهورية أو من يفوضه سلطة تقرير المنفعة العامة، تسريعا لوتيرة إجراءات نزع الملكية من المواطنين بشكل جبري للانتهاء من مشروعات الطرق والكباري الجاري تنفيذها، ومنح المحافظ المختص سلطة إصدار قرارات الاستيلاء المؤقت على بعض العقارات المملوكة للمواطنين في حالات الضرورة.
وتسارع حكومة السيسي حملات إزالات العقارات في كافة المناطق والمحافظات، فمؤخرا تسارع الأجهزة القمعية حملات إخلاءات السكان في الحيين السادس والسابع بمدينة نصر في القاهرة، لإزالة منازلهم المعروفة بـ "البلوكات" وبناء أبراج جديدة محلها ضمن مخطط لتطوير المنطقة.
وهو السيناريو الذي يتكرر مع أهالي منطقتي المرج وعزبة النخل شرقي القاهرة، الذين أُبلغوا بشكل غير رسمي من المحافظة البدء في أعمال إزالة منازلهم ، لتشمل عشرات العقارات في منطقتي المرج وعزبة النخل، المطلة على شوارع الشيخ منصور والتروللي وترعة الجبل (غرب السكة الحديد) ومؤسسة الزكاة والشهيد ومحمد نجيب وعبدالله رفاعي والمشروع ، من أجل البدء في إنشاء محور مروري جديد يربط بين منطقة المرج وميدان رمسيس في وسط القاهرة، بمحاذاة مسار الخط الأول من مترو الأنفاق.
ووفق خطة التطوير تشمل إزالة كوبري محمد نجيب في المرج وعدد من العقارات المجاورة له، وهدم القصر التاريخي للأميرة نعمة الله توفيق ابنة الخديوي توفيق، وحفيدة محمد علي باشا، الذي يمتد على مساحة كبيرة في المرج تبلغ 16 فدانا تقريبا، وكان ضمن استراحات الرئيسين الراحلين جمال عبد الناصر وأنور السادات، ومنفى للرئيس محمد نجيب بعد فرض الإقامة الجبرية عليه عام 1954، إلا أنه تحول مع الوقت إلى مكب للقمامة إثر تعرضه للنهب والهدم والحرق مرتين.
والغريب أن الهدم يطاول مناطق مرخصة ورسمية، بجانب مساكن تم التصالح عليها ودفع مبالغ مالية كبيرة عليها.
كما يتواصل هدم المنازل على جانبي الطريق الدائري بالجيزة وحتى المعادي وفي مناطق البساتين والهرم والوراق .
وفي السادس من أكتوبر وفي مناطق المكس والمعمورة والمنتزه بالإسكندرية وفي العريش والشيخ زويد وفي مناطق مطروح والعلمين القديمة وفي مناطق مصر القديمة ووسط القاهرة، بنفس الحجج والذرائع، وكأن التطوير لا يأتي إلا على رأس الغلابة.
والأدهى أن المقابل زهيد ولا يتناسب مع أسعار المساكن والعقارات في مصر، فيُمنح المواطنون تعويضات هزيلة تبلغ 40 ألف جنيه للغرفة الواحدة، مع اعتبار صالة الاستقبال والمطبخ غرفة واحدة، أي ما يصل إلى 160 ألف جنيه عن الوحدة السكنية المكونة من ثلاث غرف، وهو ما لا يتجاوز نسبة 30 % من سعر الوحدة السوقي في أفضل الأحوال.
وهكذا يحنو السيسي على المصريين الذين لم يجدوا من يحنو عليهم طوال العقود الماضية، وهو ما يتحمله من رقص للسيسي ورضى بانقلابه العسكري ، واختار نوابا لا يعملون إلا لصالح السيسي المنقلب وشرعوا له تشريعات قاتلة تهدم المنازل وتغلق المصانع وتحرر الأسعار وتزيد في البنزين والكهرباء والماء، لدرجة وصلت إلى أن يبيع الكهرباء والمياه للمصريين بأغلى من سعر بيعها وتصديرها لأوربا.