يقف الدكتاتور المنقلب عبدالفتاح السيسي عاجزا عن حماية الأمن القومي المصري أمام التعنت الإثيوبي بشأن سد النهضة؛ وبينما شرعت أديس ابابا في استمرار عمليات ملء السد في موسم الفيضان الحالي؛ اكتفى الجنرال (الدكر) بشجب الموقف الإثيوبي أمام مجلس الأمن الدولي!
وكان وزير الخارجية بحكومة الانقلاب سامح شكري قد وجه خطاباً إلى رئيس مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، الجمعة 28 يوليو 2022، لتسجيل اعتراض بلاده ورفضها التام لاستمرار إثيوبيا في ملء سد النهضة بشكل أحادي، من دون اتفاق مع مصر والسودان حول ملء وتشغيل السد، وهو ما يعد مخالفة صريحة لاتفاق إعلان المبادئ المبرم بين الدول الثلاث عام 2015، وانتهاكاً جسيماً لقواعد القانون الدولي واجبة التطبيق. ولفت إلى أن مصر تلقت رسالة من الجانب الإثيوبي في 26 يوليو الجاري تفيد باستمرار ملء خزان سد النهضة خلال موسم الفيضان الجاري، وهو الإجراء الذي ترفضه القاهرة، وتعتبره مخالفة للالتزامات التي يفرضها القانون الدولي على إثيوبيا. وطالب البيان إثيوبيا بالتحلي بالمسؤولية، والامتثال إلى قواعد القانون الدولي، والمبادئ الحاكمة للمجاري المائية عابرة الدول، وفي مقدمتها تجنب الضرر ذي الشأن، وتحملها كامل المسؤولية عن أي ضرر يلحق بالمصالح المصرية، وقد ينجم عن انتهاك إثيوبيا لالتزاماتها.
استجداء اتفاق!
وإلى جانب ذلك احتوى خطاب شكري على عدد من المضامين والتوجهات الأخرى أبرزها أن «إثيوبيا ملزمة -بوصفها دولة المنبع لنهر النيل- بعدم الإضرار بحقوق دول المصب، مؤكداً سعي مصر للتوصل إلى اتفاق عادل ومنصف حول سد النهضة، خلال المفاوضات التي جرت على مدار السنوات الماضية، غير أنّ أديس بابا أفشلت كافة الجهود والمساعي التي بذلت من أجل حل هذه الأزمة».
ثانيا، تحدث بيان شكري عن تمسك القاهرة بالتوصل إلى اتفاق ملزم حول سد النهضة الإثيوبي، يحقق المصالح المشتركة للدول الثلاث، وعدم التهاون مع أي مساس بحقوقها أو أمنها المائي، أو أي تهديد لمقدرات الشعب المصري الذي يمثل نهر النيل شريان الحياة الأوحد له.
ثالثا، دعا الخطاب مجلس الأمن إلى تحمل مسؤولياته في هذا الشأن، بما في ذلك التدخل لضمان تنفيذ البيان الرئاسي الصادر عن المجلس في سبتمبر 2021، والذي يُلزم إثيوبيا والسودان ومصر بالتفاوض من أجل التوصل لاتفاق حول السد في أقرب فرصة ممكنة.
غياب الرد المصري
وأفاد البيان بأنّ مصر تحتفظ بحقها الشرعي المكفول في ميثاق الأمم المتحدة، باتخاذ كافة الإجراءات اللازمة لضمان وحماية أمنها القومي، إزاء أية مخاطر قد تتسبب بها مستقبلاً الإجراءات الأحادية الإثيوبية. لكن البيان خلا من أي إجراء عملي لتحقيق هذه التهديدات اللفظية المكررة.
وفي فبراير الماضي " 2022"، بدأت إثيوبيا إنتاج الكهرباء من سد النهضة، الذي تكلف بناؤه مليارات الدولارات، في حين تقترب من بدء عملية الملء الثالث للسد مع موسم الأمطار، في أغسطس وسبتمبر المقبلين، علماً أنها خزنت نحو 8 مليارات متر مكعب من مياه النيل خلال العامين الماضيين، وتهدف هذا العام للوصول إلى 18.5 مليار متر مكعب.
وفي 19 يونيو2022، صدر بيان صحافي مشترك لاجتماع مجلس المشاركة بين مصر والاتحاد الأوروبي في لوكسمبورغ، رحب فيه الاتحاد الأوروبي بالبيان الرئاسي لمجلس الأمن حول سد النهضة، بشأن التوصل لاتفاق مقبول لدى كافة الأطراف وملزم حول ملء وعملية تشغيل السد، بوصفه "أولوية قصوى للاتحاد الأوروبي ومصر من أجل حماية أمن مصر المائي، ودعم السلام والاستقرار في المنطقة ككل".
وجرت آخر جلسة مفاوضات حول سد النهضة برعاية الاتحاد الأفريقي، في إبريل 2021، وأعلنت عقبها الدول الثلاث فشلها في إحداث اختراق، ما دعا مصر والسودان للتوجه إلى مجلس الأمن الذي أصدر قراراً رئاسياً شجع فيه على استئناف المفاوضات برعاية الاتحاد، بغرض الوصول إلى اتفاق مُلزم خلال فترة زمنية معقولة.
عزل المسئول عن الفشل
وكانت وسائل الإعلام التابعة للسلطة العسكرية قد شنوا حملة ضارية ضد إيهاب جلال مدرب المنتخب الوطني والذي تمت إقالته بعد أيام من تعيينه بسبب هزيمة المنتخب في تصفيات كأس الأمم الإفريقية أمام إثيوبيا في يونيو 2022م؛ الأمر الذي أثار كثيرا من الأسى والحزن الممزوج بالغضب والغيرة على الوطن؛ ذلك أن الأبواق التي رأت في هزيمة المنتخب الكروي عارا يتوجب معه عزل المسئول الفني عن المنتخب لم تر نفس الشيء في هزيمة الدولة المصرية كلها في معركة سد النهضة. وبينما عبرت هذه الأبواق عن غضبها بسبب هزيمة المنتخب الكروي واعتبر اتحاد الكرة الهزيمة يوما أسودا في تاريخ مصر! لم ير هؤلاء في هزيمتنا المرة في ملف سد النهضة شيئا يستحق الذكر والاهتمام ولم يطالب أحد من هؤلاء بعزل المسئول السياسي عن الفشل في هذا الملف الحساس؛ فبدا الأمر هزلا وقت الفصل، وابتذالا وقت الجد. وبينما طالب كثيرون بإقالة المدير الفني الجديد للمنتخب إيهاب جلال الذي تولى منصبه قبل أقل من شهر، سكت كل هؤلاء عن المطالبة بإقالة السيسي بعد الهزيمة المرة أمام إثيوبيا.
الهزيمة أمام إثيوبيا كرويا قد يكون مقبولا؛ فأعظم المنتخبات في كرة القدم تتلقى هزائم؛ لكن ما ليس مقبولا بالمرة هو الهزيمة المرة في ملف الأمن المائي الذي يمثل جوهر الأمن القومي في الصميم؛ لأن النكسة في مباراة قد تؤدي إلى غياب مصر عن بطولة، وهو أمر يمكن تجاوزه، لكن ما لم يمكن تجاوزه مطلقا هو ضياع النيل؛ لأن ملف المياه يهدد بمجاعة ودمارا شاملا للوجود المصري، إنه أشبه بإلقاء عشرة قنابل نووية من النوعية التي ألقتها الولايات المتحدة على اليابان في الحرب العالمية الثانية.
الغريب في الأمر أن السيسي الذي شرعن بناء السد بالتوقيع على اتفاق المبادئ في الخرطوم في مارس 2015م، من أجل الفوز باعتراف إثيوبيا بالانقلاب وعودة القاهرة إلى الاتحاد الإفريقي يقف عاجزا أمام إثيوبيا التي تمزقها حرب أهلية لدرجة أنها لم تتمكن من إقامة مباراتها أمام مصر في إثيوبيا بسبب سوء الأوضاع الأمنية وأقامتها في الجارة مالاوي.
معنى ذلك أن السيسي الذي يمارس أبشع صور التعذيب والانتهاكات بحق المصريين، يتلقى هزيمة مرة أمام شبه دولة منهارة ممزقة؛ ورغم ذلك لم يجرؤ أحد من دعاة الوطنية المغشوشة أن يصدع بالحق ويطالب السيسي بالاستقالة لأنه دمر مصر ومزق نسيجها الاجتماعي وحولها إلى ركام لا قدرة ولا تأثير ولا مكانة.