في خطوة استفزازية جديدة وغير مبررة، أدرجت محكمة جنايات القاهرة، الإثنين 17 أكتوبر 2022، العلامة الراحل الدكتور يوسف القرضاوي على قائمة ما يسمى "الكيانات الإرهابية"، رغم وفاته بالعاصمة القطرية الدوحة يوم 26 سبمتبر 2022م. القرار تضمن وضع جماعة الإخوان المسلمين على قائمة الكيانات الإرهابية لمدة خمس سنوات، و277 من رموز وقادة الحركة في القضية رقم 316 لسنة 2017 (حصر أمن الدولة) على قائمة الإرهابيين لمدة 3 سنوات، تحت مزاعم اتهامهم بـ"تشكيل جناح عسكري للجماعة، وتمويل أعمال العنف، واستهداف الشرطة والجيش والقضاة"!
الجانب الآخر المثير للسخرية في هذه الخطوة الانقلابية المتدثرة بغطاء قضائي مزيف؛ أن القرار ضم رموزا إسلامية وثورية لها باع طويل في العلم والجهاد والدفاع عن قضايا الأمة ضد الحملة الصليبية الجديدة المدعومة من حكامنا الملكيين والعسكريين على حد سواء، من أبرز هذه الرموز العلامة الدكتور يوسف القرضاوي، الذي رحل في العاصمة القطرية الدوحة عن عمر ناهز 96 عاماً، في 26 سبتمبر الماضي (2022)، والذي قضى معظم أعوام حياته في دولة قطر، وحصل على جنسيتها، وأسس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، واستمر في رئاسته حتى عام 2014م؛ وهو أحد أبرز علماء الأزهر على مدار العقود الماضية؛ ولا يضاهيه في علمه وعطائه الفقهي أحد منذ قرون عديدة. بالإضافة إلى العالم الراحل يوسف القرضاوي، وابنته علا القرضاوي، وزوجها المعتقل حسام خلف.
وفي محاولة لتبرير وجود اسم العلامة القرضاوي في هذه القائمة رغم وفاته منذ أيام؛ قالت صحيفة الأهرام الحكومية وجود اسم الشيخ يوسف القرضاوي في القائمة، لأن الحكم صادر بتاريخ 15 أغسطس الماضي، بينما توفي القرضاوي في 26 سبتمبر. لكن ألم يكن ممكنا حذف اسمه بعد وفاته أم أن الهدف هو رسالة من النظام العسكري الانقلابي بأنه سوف يلاحق علماء الأمة وشرفائها أحياء وأمواتا؟!
وفي نعيه يقول المفكر الكبير فهمي هويدي: «إن العلّامة يوسف القرضاوي أحد المجددين الكبار الذين برزوا في هذا القرن، وإنه كان حاضرًا بفكر ثاقب واجتهاد عميق وصدر واسع وشجاعة في إعلاء كلمة الحق»، ويضيف في مساء 26 سبتمبر 2022 لبرنامج (المسائية) على الجزيرة مباشر: «الكلمات تعجز عن أن توفيه حقه، وأظن أننا سندرك قيمته بعد وقت طويل عقب الفراغ الكبير الذي تركه، وهو الذي كان مناضلًا على كل الجبهات في الفقه والأدب والسياسة والشعر وفي مجالات كثيرة».
القرضاوي ليس فيه ما يشينه من الناحية العلمية والأخلاقية والإنسانية؛ فهو علامة قل له نظير، وهو علم من أعلام الدعوة إلى الله، فهل كان في حياة الرجل ما يشينه؟ لو كان هناك شيء لانتهزوا الفرصة ولم يتركوها. فلا يعيب القرضاوي عند أنصار نظام الدكتاتور عبدالفتاح السيسي وأجهزته سوى أنه كان يصدع بالحق ولا يخشى في الله لومة لائم. أنكر انقلابهم العسكري وأيد الرئيس المنتخب بإرادة الشعب الحرة. ودعم الصادعين بالحق الرافضين للانقلاب العسكري، وانتقد موقف الأزهر شيخا ومشيخة وهيئة كبار علما؛ واستقال من هيئة كبار العلماء احتجاجا على مشاركة الطيب في مشهد الانقلاب؛ واعتبر في بيان استقالته من هيئة كبار العلماء منصب شيخ الأزهر والمناصب القريبة منه الآن تعد مغتصبة بقوة السلاح، لحساب الانقلاب العسكري المغتصب المشؤوم، على حد تعبير البيان، داعيا "كل الأحرار المخلصين من العلماء وأبناء الأزهر إلى أن يعلنوا رفضهم لما يجري في مصر بكلِّ شجاعة، وأن يستقيلوا من هذه الهيئة التي ماتت وأمست جثة هامدة". لذلك لا ينسى نظام نظام الدكتاتور السيسي هذه المواقف من العلامة القرضاوي التي فضحت انقلابه وغدره وخيانته للرئيس الشرعي المنتخب الشهيد محمد مرسي.
أمام مواقف القرضاوي الشامخة كالجبال أمام البغاة المتمردين من العسكر على رئيسهم الشرعي المنتخب بإرادة الأمة؛ سعى الانقلابيون إلى الانتقام منه حيا وميتا؛ ووضعه على قوائم الإرهاب إنما تمثل امتدادا لسلسلة من الإجراءات القمعية بحق علامة الأمة وفقيدها وبحق أسرته؛ فإن خصومة الرجل مع الظالمين وإنكاره لبغيهم وظلمهم وفجورهم أمر نائبهم العام بوضع القرضاوي على قوائم ترقب الوصول، بتهم ملفقة. وفي نوفمبر2017، أدرجت السعودية والإمارات والبحرين ومصر، "الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين"، الذي يترأسه القرضاوي، و"المجلس الإسلامي العالمي"، إلى جانب 11 فرداً في "قوائم الإرهاب"، وذلك ضمن ما وصفته بـ"الالتزام بمحاربة الإرهاب، وتجفيف مصادر تمويله، ومكافحة الفكر المتطرف، وأدوات نشره وترويجه". وفي 30 يونيو 2017، اعتقلت سلطات الانقلاب علا القرضاوي، وزوجها حسام خلف، بتهمة "الانتماء لجماعة أُسست مخالفة للقانون، والتخطيط لتنفيذ عمليات إرهابية تستهدف الأمن ومؤسسات الدولة وتمويل تلك الجماعة". وفي يوليو 2019، قررت محكمة جنايات القاهرة إخلاء سبيل علا القرضاوي بتدابير احترازية، وبعدها بساعات قررت النيابة حبسها في قضية جديدة. وفي نهاية ديسمبر 2021م، تم الإفراج عن علا القرضاوي، ولكن زوجها حسام خلف لا يزال يقبع في السجن بتهم كيدية ملفقة.