بقرار من كامل الوزير، وزير النقل بحكومة السيسي صدر القرار رقم 424 لسنة 2026 بنزع ملكية عدد من الأراضي والعقارات المبنية في نطاق محافظة القاهرة، لصالح تنفيذ مشروع مواقف السيارات الخاصة بالأتوبيس الترددي السريع BRT على الطريق الدائري.
القرار شمل عقارات وأراضي في نطاق محطات الجولف، والمرج، والزهراء، والمشير طنطاوي، وفقًا للكشوف الواردة من مديرية المساحة بالقاهرة.
وبحسب القرار، فإن نزع الملكية شمل الحالات التي تعذر فيها توقيع أصحابها أو ذوي الشأن على نماذج نقل الملكية للمنفعة العامة.
ويأتي القرار تنفيذًا لقرار رئيس مجلس الوزراء رقم 3483 لسنة 2023، باعتبار تنفيذ المرحلة الأولى من مشروع إنشاء مواقف سيارات لخدمة ركاب الأتوبيس الترددي السريع على الطريق الدائري حول القاهرة الكبرى من أعمال المنفعة العامة.
لم تقتصر أزمة نزع الملكيات على أماكن بعينها (مثل مطروح الأكثر تضررا بين محافظات مصر)، بل شهدت الفترة الأخيرة تصاعدًا مكثفًا وهستيريًا لحالات إصدار وزراء الحكومة المصرية قرارات متتالية بنزع ملكيات خاصة للمواطنين بالقوة الجبرية، مستندين في ذلك إلى ذريعة واهية تتمثل في "رفض أصحابها التنازل عنها طوعًا للسلطة"، وتحت غطاء فضفاض يُسمى "إقامة مشروعات منفعة عامة" لا يلمس المواطن البسيط أي فائدة حقيقية من ورائها، والتي تتركز أغلبها في توسيع طرق وكبارٍ ومحاور مرورية لا تعود عليه بالنفع.
ونفذت الدولة 525 مشروعًا أدت إلى نزع ملكية نحو 88,769 فدانًا، خلال الفترة من (2021 – 2025) وتأثرت أكثر من 136,519 أسرة، بما يقارب 546 ألف مواطن.
وتصدرت محافظة مطروح المساحات المنزوعة (نحو 50 ألف فدان) بسبب المشروعات الساحلية والاستثمارية (مثل رأس الحكمة)، بينما كانت القاهرة والجيزة الأكثر تضررًا بشريًا وكثافة سكانية (أكثر من 200 ألف متضرر في القاهرة وحدها)، حيث بلغت قيمة التعويضات المرصودة خلال تلك الفترة فقط 55.2 مليار جنيه!
إحصاءات مهمة
وخلال ستة أيام فقط، وتحديدًا في الفترة من 12 إلى 18 أغسطس 2025، أصدر وزير النقل، بكومة السيسي كامل الوزير، سلسلة قرارات صارمة بنزع ملكية 279 قطعة أرض من 279 مواطنًا موزعين في محافظات الدقهلية، وقنا، وسوهاج، ودمياط، وذلك لبناء وتوسيع طرق ومحاور بحجة "تعذر التراضي مع أصحابها". وفي التوقيت ذاته، أصدرت وزيرة التنمية المحلية، منال عوض، قرارًا بنزع ملكية 31 عقارًا وعقارًا بحي السلام في القاهرة لبناء مشروع سكني استثماري تبيعه الحكومة لاحقًا للمواطنين، بحجة "عدم تنازل المُلاك عنها طوعًا".
ولم تتوقف آلة الاستيلاء عند الحد الوزاري، بل أصدرت "هيئة المساحة" الحكومية قرارًا آخر بنزع ملكية عقارات وأراضٍ شاسعة على ضفاف النيل في الفترة من 1 حتى 30 سبتمبر 2025، بدءًا من كورنيش النيل وحتى طريق الأوتوستراد، بدعوى أنها ضمن أعمال "المنفعة العامة"، وهي أراضٍ تقدر بعشرات الأفدنة ذات القيمة الاستراتيجية الباهظة.
وبجانب هذه القرارات الصادرة عن الوزراء، تواصل الشركات والجهات التابعة للجيش المصري عمليات الاستيلاء المنهجي على مئات الأفدنة بحجج مختلفة، مدعومة بقرارات رسمية للسيطرة على الأصول الاقتصادية؛ ومثال ذلك استحواذ "جهاز مستقبل مصر" التابع للجيش على نحو 89% من رأسمال الشركة العربية لاستصلاح الأراضي المملوكة للدولة في صفقة بثمن بخس بلغ 23.3 مليون جنيه فقط، وقبلها قرار إدارة مشروعات أراضي القوات المسلحة في أكتوبر 2024 بإلغاء عقود "حق الانتفاع" لجميع أراضي طرح نهر النيل من حلوان حتى شبرا في القاهرة، والاستيلاء على عشرات الأندية والمباني العامة والخاصة، بما في ذلك أندية مخصصة للقضاة، مما خلف موجات عميقة من الاحتقان الشعبي العارم في الشارع المصري.
ثغرة قانونية – التسجيل العقاري
تعتمد السلطات التنفيذية في مصر على استغلال ثغرة إدارية وقانونية بالغة الخطورة لتنفيذ عمليات نزع الملكية دون معوقات كبرى، وهي غياب تسجيل العقارات بشكل رسمي؛ حيث تشير الإحصاءات الرسمية الموثقة إلى أن نحو 5% فقط من إجمالي العقارات والأراضي في مصر مسجلة ومشهرة بالشهر العقاري، ويرجع السبب الرئيسي في ذلك إلى فرض الدولة لرسوم مالية باهظة ومعقدة نظير إتمام إجراءات التسجيل، وتستغل الأجهزة الحكومية هذه الثغرة لتتخذ منها مبررًا لتجاهل الملاك الأصليين، وانتزاع ممتلكاتهم وهدم مساكنهم بالقوة الجبرية بدعوى عدم تقديم مستندات ملكية مسجلة ومشهرة.
ويمنح القانون رقم 10 لسنة 1990 وتعديلاته السلطة التنفيذية صلاحيات واسعة لإضفاء صفة "النفع العام" على الأنشطة (التي توسعت لتشمل 27 نشاطًا)، دون وجود تعريف محدد أو جهة رقابية مستقلة للتأكد من جدوى المشروع.
ولا يتيح القانون للمواطن الطعن على قرار نزع الملكية نفسه أو إيقافه، بل يقتصر حق الاعتراض على قيمة التعويض فقط، والذي غالباً ما يتم بعد تنفيذ المشروع والاستيلاء على الأرض فعلياً.
وتُحسب التعويضات بناءً على الأسعار السائدة وقت صدور قرار النزع (مع إضافة 20% وفق تعديلات قانون 187 لسنة 2020)، وهي نسبة غير كافية لمواجهة التضخم وانهيار القوة الشرائية للجنيه (إذ ارتفع سعر الدولار بنسبة تتجاوز 63% مقارنة بعام 2023).
ويضطر المتضررون للجوء إلى القضاء للحصول على تعويض عادل، وهي رحلة قد تمتد من 5 إلى 8 سنوات عبر درجات التقاضي المختلفة، في الوقت الذي تكون فيه الأرض قد نُزعت والمشروع قد اكتمل.
ويُقدّر أن أقل من 5% فقط من العقارات في مصر مسجلة رسميًا، مما يحرم الغالبية العظمى من الملاك من التعويض العادل، ويصنفون قانونيًا كـ "أصحاب حقوق" بصرف تعويضات اجتماعية زهيدة (مثل 40 ألف جنيه لكل غرفة أو وحدة بديلة).
وغالبًا ما تستند هذه القرارات العنيفة إلى قانون نزع ملكية العقارات للمنفعة العامة رقم 10 لسنة 1990 وتعديلاته اللاحقة، والذي يمنح الحكومة حقًا واسعًا في مصادرة الأملاك الخاصة متى اعتبرت أي مشروع يحمل صبغة "المنفعة العامة". وعلى الرغم من أن مواد القانون تنص ظاهريًا على صرف تعويض عادل "طبقًا للأسعار السائدة" مضافًا إليها نسبة 20%، إلا أن التطبيق الفعلي والميداني يؤكد أن لجان التقدير الحكومية تضع تقديرات مالية هزيلة تقل بمراحل ضخمة عن الأسعار الحقيقية والفعلية السائدة في السوق العقاري.
أحكام قضائية
هذا وأصدرت محكمة النقض أحكامًا وُصفت بالتاريخية (في 2024 و2026)، تؤكد أن تقدير التعويض يجب أن يكون وفق الأسعار السائدة وقت الحكم أو إيداع تقرير الخبراء (وليس وقت الاستيلاء)، وأن الاستيلاء دون إجراءات قانونية يُعد "غصبًا لا ينقل الملكية". ورغم أهميتها، إلا أنها لا تكتسب صفة الإلزام التشريعي العام وتتطلب سنوات طويلة من التقاضي.
واستنادًا إلى دراسة ديوان العمران، تقدّم النائب حسام الخشت بطلب إحاطة لرئيس مجلس الوزراء والوزراء المعنيين بشأن كفاءة منظومة تعويضات نزع الملكية وتحدياتها.
وكشفت التقارير الصادرة عن مرصد "ديوان العمران" عن أمصار صارخة ومفارقات عجيبة تفضح هزلية هذه التعويضات؛ إذ تمنح السلطات تعويضًا لا يتجاوز 7700 جنيه فقط للمتر المربع الواحد عند نزع الملكية في بعض المناطق، بينما تقوم الدولة نفسها بطرح المتر في مشروع سكني استثماري آخر مثل "أهالينا 6" بسعر يصل إلى 20 ألف جنيه كاملة.
وقدمت ورقة مرصد ديوان العمران حزمة توصيات رئيسية لحماية حقوق الملكية وتحقيق العدالة العمرانية، تتضمن؛ إثبات عدم وجود بدائل أقل ضررًا، وإتاحة الطعن القضائي على قرار النزع مع وقف الإخلاء لحين الفصل النهائي، وإنشاء لجنة برلمانية دائمة لفحص طلبات النزع.
كما دعا المرصد إلى تسريع إجراءات تسجل العقارات، وتوفير سكن بديل ملائم يحافظ على جودة الحياة وسبل العيش بدلاً من التعويض النقدي البحت الذي يفقد قيمته.
ويعد الاستعانة بخبراء تثمين مستقلين، وتوسيع نطاق التعويض ليشمل جبر الأضرار الجانبية (فقدان الدخل، تكاليف الانتقال)، وحظر الإخلاء تمامًا إلا بعد السداد الكامل للتعويض المقدم.
https://x.com/MhdElsherif/status/2077908699293593994
أبخس التكاليف
التفاوت الهائل يكشف بوضوح أن الحكومة هي المستفيد الأكبر واللاعب الرابح من عمليات نزع الملكية، حيث تستحوذ على الأراضي بأبخس التكاليف ثم تعيد تسويقها وبيعها بضعف قيمتها بمرتين أو ثلاث، محققة أرباحًا طائلة ومكاسب مالية ضخمة على حساب المواطنين المالكين الأصليين الذين يُتركون بلا مأوى حقيقي وبأموال لا تكفي لأبسط مقومات الحياة البديلة.
ولأن القانون لا يمنح المتضررين سوى مهلة ضيقة للغاية لا تتجاوز 4 أشهر للتقاضي أمام قضاء طالما عُرف بميله لجهة الإدارة والحكومة، لا يجد الأهالي أمامهم سوى الخضوع للفتات المالي المفروض، أو الدخول في محاكم لا تنتهي وتكبد خسائر فادحة إضافية. كل هذه الممارسات دفعت بالعديد من الشخصيات السياسية والحقوقية والوطنية إلى إطلاق دعوات جادة لتشكيل "اتحاد لملاك مصر" للدفاع عن الأملاك الخاصة في مواجهة سلطة متوسعة باستمرار في سلب عقارات المواطنين، وتسمية السياسات الحالية بـ"حكومة نزع الملكية والإفقار".