ظلت شقق الإسكان الاجتماعي حلما وملاذا آمنا لملايين الشباب المصريين والأسر الفقيرة، لما تمثله من تطوير لحياة المواطنين، ونقلة نوعية للأسر من مساكن الإيجار أو العشوائيات أو بيت الأهل أو المناطق المكتظة بالسكان ، إلى أن جاء السيسي وزبانية العسكر المتوحشين، الذين يعتقدون في الرأسمالية دينا ومبدأ، وتحولت تلك المساكن المسماة بالإسكان الاجتماعي، لجحيم جديد وإرهاق لملايين الأسر.
وباتت مساكن وشقق الإسكان الاجتماعي طاردة للفقراء ومتوسطي الدخل، نظرا لغلاء أسعارها.
ولعل آخر قرارات مجلس وزراء الانقلاب بشأن تسعير شقق الإسكان الاجتماعي مثالا على الارتفاعات الباهظة في أسعار شقق محدودي الدخل التي باتت بأسعار الكومباوندات والمساكن الفارهة.
حيث وصل سعر الشقق المطروحة لمحدودي الدخل لمستويات تقترب من نصف مليون جنيه، وبلغ سعر وحدة متواضعة المستوى لا تتجاوز مساحتها 90 مترا 450 ألف جنيه، بينما وصل سعر وحدة أقل في المساحة غرفتين وصالة 75 مترا، إلى 400 ألف جنيه، وهو ما يقترب من أسعار مطوري القطاع الخاص، أو "الكومباوند".
وكان مجلس وزراء الانقلاب وافق على زيادة الحد الأقصى لسعر بيع الوحدات السكنية لمحدودي الدخل، لتصل إلى تلك المستويات.
الأسعار المتوقع أن يبدأ التعامل بها في الطرح المقبل لشقق الإسكان الاجتماعي، مطلع 2023، تعد مرتفعة للغاية بالنسبة لمستويات الدخول المستهدفة، ويظهر هذا التناقض عند حساب قيمة الوحدة بالتقسيط، فبفرض أن مواطنا يحصل على الحد الأدنى الرسمي للأجر 2700 جنيه شهريا، فهو يحتاج لنحو 14 عاما لسداد قيمة العقار فقط، هذا قبل حساب فوائد التمويل العقاري وقيمة وديعة الصيانة، 5% من سعر الوحدة.
وبالرجوع إلى آخر قرارات تسعير شقق الإسكان الاجتماعي، ضمن المبادرة التي بدأتها وزارة الإسكان في 2011، وصل سعر الوحدة بمساحة 90 مترا كان في نهاية عام 2020 لا يتجاوز 310 ألف جنيه، أي أن السعر الجديد الذي أعلن عنه مجلس الوزراء في نهاية يوليو الماضي يزيد بحوالي 45% عن السعر السابق.
ووفق خبراء، فإن تسعير شقق الإسكان الاجتماعي بهذه الأرقام مُبالغ فيه، خاصة أن الوحدات لا تشمل نسبة ملكية في الأرض، أي أن في حالة أي ضرر للعقار فهذه المبالغ لا يستفيد منها المواطن إلا بحسب فترة إقامته بالعقار.
وفي هذا السياق، يقول حسين جمعة، رئيس جمعية الحفاظ على الثروة العقارية، بجانب عبء السعر فإن "الحائزين لهذه الوحدات كثيرا ما يشكون من ضعف مستوى التشطيبات واضطرارهم للإنفاق مجددا على الوحدة لإصلاحها بمبالغ تصل إلى عدة آلاف من الجنيهات، مما يشكل عبئا إضافيا على المواطن".
ووفق يحيى شوكت، ومؤسس مبادرة 10 طوبة، فالأهم من ارتفاع تكلفة تملك الوحدة على الفئات الأقل دخلا مؤخرا، هو استدعاء ذلك لوجود زيادة كبيرة في قيمة مقدم خاصة لأصحاب المهن الحرة، إذ يلزمهم القانون بسداد حوالي 40% من قيمة الوحدة مقدما، أي حوالي 180 ألف جنيه، خاصة إذا انخفض الدخل عن 2000 جنيه شهريا، بينما عميل آخر محدود الدخل لكنه موظف بالقطاع العام بدخل يتجاوز 3500 جنيه يسدد 15% فقط من سعر الشقة كمقدم أي حوالي 67 ألفا، بفارق 113 ألف جنيه تقريبا بين الفردين، وهذا الفارق الكبير لا يمكن لشرائح عديدة في المجتمع أن تتحمله.
طول مدة التمويل التي تصل إلى 30 سنة في آخر مبادرة، والفائدة المنخفضة يمكن أن تساعد المواطن في سداد أقساط الوحدة على المدى الطويل، لكن المشكلة الأكبر في قيمة المقدم الضخم المطلوب من أصحاب الدخول المحدودة، خاصة أن معدلات الدخول في مصر منخفضة بشكل كبير.
وكانت وحدات الإسكان الاجتماعي بدأت بسعر 135 ألف جنيه في 2014 مع بدء طرح أعداد صغيرة من وحدات المشروع، ويرى خبراء أن الزيادات المتوالية في أسعار الإسكان الاجتماعي كان من الممكن أن تخفف عبئا عن المواطن؛ من خلال طرح الشقق بنظم مختلفة، لا أن تقتصر الطروحات على التمليك ، ووفق باحثين كان من الأفضل اللجوء لطرح الشقق بنظام الإيجار التمليكي، الذي يمنح المستفيد مدة إيجار 10 سنوات على وعد بالتملك بسعر مدعوم، حيث سيكون عبء الإيجار أقل بكثير من تكلفة التملك.
لكن رغم تقديرات الخبراء لارتفاع أسعار الإسكان الاجتماعي، فإن وزارة الإسكان ترى أن مستويات الأسعار المعلنة تكاد تغطي تكاليف الشقق المطروحة.
يشار إلى أن الطرح المرتقب للشقق الجديدة في بداية 2023 استمر تأجيله لشهور انتظارا لقرار رئيس الوزراء الأخير حتى تكون أسعار الوحدات مناسبة لتكاليف السوق الراهنة.
وكانت وحدات الإسكان الاجتماعي بدأت بسعر 135 ألف جنيه، كان ذلك في 2014 مع بدء طرح أعداد صغيرة من وحدات المشروع واستمر ذلك حتى طروحات 2015.
وشهدت وحدات الإسكان الاجتماعي إقبالا متزايدا من المواطنين، وخلال طروحات عام 2016 ارتفع السعر إلى 154 ألف جنيه، وهو الطرح الثامن الذي يعد الأضخم في تاريخ هذا المشروع حيث بلغ عدد الوحدات 500 ألف.
وفي 2018 صعد السعر مجددا في الطرح التاسع للمشروع إلى 184 ألف جنيه، ثم تبقى عدة آلاف من الحاجزين لم تتوفر لهم وحدات، وتم فتح باب التحويل لهم للمرحلة التالية بسعر 225 ألف جنيه للوحدة، بشرط الانتظار 3 سنوات للاستلام، مع زيادة مؤكدة 10% على سعر الوحدة تحسبا لارتفاعات أسعار مواد البناء خلال مدة التنفيذ، مع دفع قسط ربع سنوي حتى موعد الاستلام.
ثم أتى آخر إعلانات الوزارة مطلع 2021 بسعر وصل إلى 310 ألف جنيه، مع التعهد بتسليم الشقق خلال 3 سنوات، ومع نسبة زيادة أسعار 10%.
رغم هذه الزيادات المتوالية فإن احتياج محدودي الدخل للسكن، جعل لدى وزارة الإسكان قائمة انتظار طويلة لطالبي الشقق، التي لا تزال أسعارها أقل بكثير من الأسعار بالغة الارتفاع التي يطرحها القطاع الخاص.
وتوقفت الوزارة لمدة تقترب من سنة كاملة عن طروحات محدودي الدخل نظرا لوجود قائمة انتظار طويلة لديها تتجاوز 300 ألف مواطن بين حاجزين للإعلان العاشر ومرحلين من التاسع وحاجزي الإعلان الرابع عشر.
وتوقف الطرح لشقق سكنية لمحدودي الدخل آخر 18 شهر منذ فبراير 2021 حتى الآن، لا يرجع فقط لوجود قائمة انتظار طويلة، بل انتظارا لتعديل الأسعار خاصة بعد توقف بعض المناقصات لمنح المقاولين عمارات لتنفيذها بالعديد من المدن الجديدة منذ مارس الماضي بسبب إعادة تسعير ومقايسة المشروع، وهو ما كان مرتقبا منذ بداية الربع الثاني من العام الجاري وقام مجلس الوزراء بالفعل بهذا التعديل الأخير للأسعار وزيادتها لتتناسب مع تكلفة التنفيذ الجديدة.
بحسب وزارة الإسكان فإن تكلفة الوحدة المعلن عنها هي بالأساس تعكس تكاليف مواد البناء والتنفيذ، والدولة تتحمل تكاليف المرافق وتمنح الأراضي بالمجان، بل وتقدم دعما نقديا على الوحدة يصل إلى 40 ألف جنيه في طروحات عام 2021.
ووفق عضو مجلس إدارة الاتحاد المصري لمقاولي التشييد والبناء، محمد عبد الرؤوف، فإن سوق مواد البناء في مصر لم يستجب بشكل كاف لتراجع أسعار مواد البناء مؤخرا، ما يعكس غيابا واضحا لدور الدولة في تنظيم هذا السوق واكتفائها برفع سعر وحدات الإسكان الاجتماعي.
حيث انخفض النحاس 40% عالميا ولا زال سعره مرتفعا داخليا، وكذا الأخشاب والنيكل وغيرها من المدخلات.
ويضيف عبد الرؤوف "العنصر الأكثر استخداما في كافة مراحل البناء هو الأسمنت، لا زال سعره أكثر من ضعف السعر العالمي، سعره العالمي 40 دولارا أي حوالي 800 جنيه وسعره محليا 1700 جنيه تقريبا".
ومن اللافت ارتفاع أسعار الأسمنت محليا، بالنظر إلى أنه من المنتجات التي تعتمد بشكل رئيسي على مدخلات محلية الصنع، وساهمت الدولة في التشجيع على وجود أسعار مرتفعة للأسمنت،
غياب الشفافية حول طرق تسعير وحدات الإسكان الاجتماعي، يزيد الغموض حول مدى العدالة في طريقة إتاحتها.
وبذلك تتعقد أزمة السكن في مصر، وسط وجود نحو 2 مليون عقار آيل للسقوط بمصر، وتفشي إزالات المباني بشكل أهدر الثروة العقارية بالبلاد دون تقديم حلول ناجعة للأزمة.