المجموعات المدرسية تحت وصاية «جهاز سيادي».. تفاصيل حرب الـ47 مليارا

- ‎فيتقارير

تصريحات وزير التعليم بحكومة الانقلاب رضا حجازي أمام برلمان العسكر 18 أكتوبر 2022م، عن إلغاء مجموعات التقوية المدرسية بدعوى أنها أصبحت غير فعالة هو  تشخيص جزئي صحيح لجانب من جوانب المشكلة التعليمية في مصر؛ لأن مجموعات التقوية نشأت في ستينات القرن الماضي من أجل رفع مستويات  الطلاب الضعاف، لكنها بمرور الوقت تحولت إلى بيزنس ثابت تفرضه المدرسة على جميع التلاميذ كباب من أبواب زيادة دخل الوزارة والمدرس؛ فالوزارة تعاني من ضعف المخصصات في الموازنة العامة للدولة، والمدرس يعاني من ضعف المرتب على الدوام وفي كل العصور. بمرور الوقت تحولت المجموعات الطلابية إلى طقس شكلي تفرضه المدرسة على جميع التلاميذ دون أي فائدة تذكر لأن المدرسة نفسها فقدت دورها ولم تعد تقدم شيئا له قيمة على المستوى التربوي أو التعليمي.

العجيب في الأمر أن الوزير بدلا من معالجة أساس المشكلة وهي المدرسة والمدرس  والمناهج واللوائح  راح يؤكد أن الوزارة تعمل على التنسيق مع شركة تابعة لجهة سيادية لم يسمها  من أجل إسناد إدارة مجموعات الدعم الطلابية!  فما دخل شركة تابعة لجهة سيادية بالتعليم والمجموعات الطلابية؟!  إن هذه الجهة تريد زيادة غلتها من الأموال من جهة وقد يكون الهدف أمنيا من جهة أخرى بوضع معلومات نحو 26 مليون تلميذا في المرحلة الابتدائية تحت أعينها.

"سبوبة السناتر"!

يقول وزير تعليم الانقلاب أمام البرلمان، إن تكلفة الدروس الخصوصية في مصر تصل إلى نحو 47 مليار جنيه سنوياً (الدولار = 19.7083 جنيهاً)، والدولة لا تعلم شيئاً عن هذه الأموال، أو تتقاضى ضرائب بشأنها، ولذلك من المستهدف ترخيص مراكز الدروس الخصوصية (السناتر التعليمية)، ومنح المعلم الذي يعمل في هذه المراكز رخصة لمزاولة المهنة مقابل رسوم سنوية. الوزير يستند إلى نتائج بحث الدخل والإنفاق للعام المالي 2017-2018 الذي أجراه الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء (حكومي)، الذي يؤكد أن نحو 26 مليون أسرة تنفق على الدروس الخصوصية ومجموعات التقوية نحو 47 مليار جنيه سنوياً، ما يشكل نسبة 37.7 في المائة من إجمالي الإنفاق على قطاع التعليم.

كلام الوزير يبرهن على أن الوزارة لا يعنيها العملية التعليمية بقدر ما يعنيها زيادة غلة الحكومة من التعليم وتحويله إلى سلعة وهو  التفاف على مجانية التعليم الذي أصبح بلا معنى في حقيقة  الأمر؛ والبرهان على ذلك أن الوزير كشف أن الوزارة تعتزم التقدم بمشروع قانون إلى مجلس الوزراء لإقراره، يسمح للطالب بإعادة السنة الدراسية كاملة، وليس تحسين بعض المواد فقط، تمهيداً لعرضه على مجلس النواب، بحجة أن هناك طلاباً متفوقين يحصلون على مجموع ضعيف في شهادة الثانوية العامة، ومن حقهم إعادة السنة الدراسية لتحسين درجاتهم. وبالطبع فإن المشروع سيفرض رسوما باهظة على الطالب الذي سيرغب في تحسين مجموعة في الثانوية  العامة مما يزيد غلة الحكومة من التعليم.

يتجاهل الوزير أن المدرس في المجموعات المدرسية لا يعطي أكثر مما قاله في الحصة إن كان قد قال فيها شيئا يذكر. لا تعليم داخل الفصل أو خارج الفصل وإنما هو تحايل يتم قانونيا بمساعدة إدارة المدرسة وبترحيب من الإدارة التعليمية ومن الوزارة نفسها؛ فمصر لديها تعليم شكلي بلا أي مضمون حقيقي. وكثير من أولياء الأمور ينظرون إلى العملية التعليمية على أنها مجرد عملية نصب وينظر إلى بعض المدرسين على أنهم محتالون.

ومن العجيب أن نصيب الإدارة التعليمية والوزارة من المجموعات المدرسية يفوق ما يحصل عليه المدرس نفسه، رغم أنه يبذل الجهد الأكبر في الموضوع دون أن يحقق أي جدوى تذكر في العملية التعليمية. فالمدرس عينه على جيب أولياء الأمور ومدير المدرسة والإداريون عينهم على جيب المدرس ووكلاء الوزارة والوزير عينهم على نسبتهم من الدروس الخصوصية تماما كما يتم في إدارة الدولة، فكل رئيس لمصلحة حكومية يتقاسم ما يحصل عليه الموظفون من أموال الشعب، ويصل الأمر إلى نسبة مخصصة للوزير، كل وزير حسب وزارته، والضحية هي الشعب المقهور. كذلك الحال في الفصل، الضحية هو ولي الأمر، يدفع في الغالب دون أن يحصل على مقابل، فلا تربية ولا تعليم.

 

 تجريم الدروس الخصوصية أم تقنينها؟

وفي نوفمبر 2021م، كان رئيس مصلحة الضرائب رضا عبد القادر طالب القائمين على نشاط مراكز الدروس الخصوصية بضرورة التوجه إلى مأمورية الضرائب في مناطقهم، وفتح ملف ضريبي جديد لهذا النشاط خلال 30 يوماً، وإبلاغ مأموريات الضرائب بأماكنه سواء في جمعيات أو قاعات أو وحدات سكنية، أو غيرها أكانت مملوكة أو مؤجرة، أو إذا كانت تعطي الدروس عبر وسائل إلكترونية. وقال في بيان للمصلحة إن "الإخطارات الذي تقدمها مراكز الدروس الخصوصية إلى المأمورية يجب أن تتضمن البيانات الأساسية للممول أو الشركة أو الجمعية، وعناوينها وفروعها ووثائقها القانونية، وتحدد المساحات التي تشغلها وعدد القاعات وسعة مقاعدها، وكذلك أسماء المدرسين والمتعاقدين وبياناتهم". لكن البيان استدرك بأن "إخطار المأمورية بنشاط الدروس الخصوصية وفتح ملف ضريبي لا يعد سنداً قانونياً لتشريع أوضاع مراكز الدروس الخصوصية، إذ ستخضع المصلحة هذه المراكز لأحكام قانون الضريبة على الدخل وتعديلاته، وقانون الإجراءات الضريبية الموحد، باعتبارها تمارس نشاطاً تجارياً ومهنياً يجلب أرباحاً، ما يحتم تحصيل خزانة الدولة ضريبة منها". وسبق أن أعلنت وزارة التربية والتعليم عزمها على تقديم مشروع قانون في شأن "تجريم الدروس الخصوصية" إلى مجلس النواب، يشمل فرض غرامة لا تقل عن 5 آلاف جنيه (317 دولاراً)، ولا تتجاوز 50 ألف جنيه (3175 دولاراً)، لكل من يعطي درساً خصوصياً في مركز تعليمي أو مكان مفتوح للجمهور. وفي حال تكرر الجرم، يعاقب صاحبه بالسجن مدة لا تقل عن سنة، ولا تزيد عن ثلاث سنوات. لكن تصريحات الوزير الجديدة في أكتوبر 2022 تؤكد أن الوزارة تتجه إلى تقنين الدروس الخصوصية والسناتر وليس تجريمها من أجل زيادة غلة الحكومة وتحصيل الضرائب المستحقة عليها رغم أنها تستنزف جيوب الأسر المصرية بنحو 130 مليار جنيه سنويا!!

واعتبرت صحيفة الأهرام حينها أن تحصيل ضرائب "الدروس الخصوصية" هو ضمان لحق الدولة. وتنقل عن الدكتور أحمد البنا أستاذ الاقتصاد أن إنفاق الأسر المصرية على الدروس الخصوصية وصل إلى ١٣٠ مليار جنيه سنويا وفقا لبيانات الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء، وتستحوذ هذه الدروس على ٣٠٪ تقريبا من إجمالى إنفاق الأسر التى تبلغ «نحو ٢٦ مليون أسرة» لديها تلاميذ فى مراحل التعليم المختلفة. هذا الرقم مهول مقارنة بالرقم الذي ذكره  وزير التعليم (47 مليارا فقط)، ربما يكون الوزير يقصد المجموعات الطلابية فقط بينما البنا يتحدث عن بيزنس الدروس الخصوصية والسناتر في جميع مراحل التعليم الأساسي والثانوي والجامعي.

وحسب النشرة السنوية حول التعليم قبل الجامعي التي يصدرها الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء فإن عدد تلاميذ المدارس زاد في العام الدراسي 2020/2021 م بنحو مليون تلميذ، من 25.3 مليون إلى 26.3 مليون تلميذ وتلميذة، بزيادة نسبتها 3.8% عن السنة الماضية. وكشفت النشرة أن عدد المعلمين في المقابل انخفض بنسبة 1.2%، من 1.18 مليون إلى 1.17 مليون معلم ومعلمة في نفس الفترة.

ومن دواعي الأسف أن المدرسة في مصر عبارة عن كتلة اسمنتية  شديدة القبح، ليس بها فناء مناسب لعدد الطلاب ولا ملاعب رياضية لممارسة الأنواع المختلفة من الرياضات، ولا متخصصين لاكتشاف المواهب الرياضية والفنية. بل إن المدرسة في مصر ليس بها حمامات نظيفة أو كافية لعدد الطلاب. ليس بالمدرسة مسرح ولا حجرات لتعليم الموسيقى ومعظم المدارس لا تطبق حصة الألعاب للترفيه عن التلاميذ، ولا وجود لحجرات الفنون التشكيلية والرسم والنحت. فالمدرسة عبارة عن حجرات إسمنتية تسمى فصول للدراسة، وداخل كل فصل عدد كثيف من الطلاب يتجاوز المائة في بعض الفصول، وعلى رأس كل فصل مدرس أو مدرسة يقوم بدور الدكتاتور لقمع كل هذا العدد من الطلاب؛ فعن إي إبداع يتحدث الوزير؟! أليس هدف الحكومة  والجهات السيادية  التي ستدير  المجموعات الطلابية هو زيادة الغلة وتحصيل الأموال حتى لو كانت العملية التعليمية فاشلة ولا تحقق أي جدوى ولا تضيف أي قيمة للمجتمع؟!