رفع الفائدة على الجنيه.. ضربة للصناعة والزراعة وتعزيز لفرص الاحتكار الأجنبي

- ‎فيتقارير

في مداخلة مطولة للدكتاتور عبدالفتاح السيسي مع المذيع يوسف الحسيني في نهاية أكتوبر 2022م، قال الجنرال إن خروج مصر من الأزمة المالية يتطلب توفير العملة التي تكفي كل طلبات البلد؛ فإذا كانت مصر تستورد بنحو 100 مليار دولار سنويا، فيتعين عليها زيادة موارد الدولة إلى نحو 130 مليار مثلا  حتى  تستورد كل احتياجاتها  والباقي تدخره في الاحتياطي النقدي بما ينعكس على قوة الاقتصاد الوطني.

وحول الإجراءات العملية لتحقيق ذلك، تحدث الجنرال عن ضرورة  تقليل فاتورة الاستيراد وزيادة فاتورة التصدير عن طريق الصناعة. داعيا إلى ضرورة توفير الكثير من مستلزمات  الإنتاج في مصر. وأضاف أن مبادرة «ابدأ»  الهدف منها إحلال مستلزمات الإنتاج التي نستوردها من الخارج بغيرها في مصر، وهذه العملية تأخذ وقتا كثيرا، مشيرا إلى أن مصنع البتروكيماويات يحتاج إلى 5 سنوات للبناء، وفي النهاية يعمل فيه 800 شخص، ومع ذلك هذه المصانع مهمة. وأوضح أن مصر في حاجة لصناعات كثيرة، ونستهدف خلال الفترة المقبلة زيادة الصادرات وتقليل الاستيراد، لتوفير العملة الصعبة الدولار.

ودافع السيسي عن فشله متهما الشعب بتخريب البلد من خلال الاحتجاجات وثورة يناير مدعيا أن «التشخيص الذي كان يطرح من المثقفين والمفكرين والإعلاميين والسياسيين لا ينطبق على الواقع، وخسرنا 477 مليار دولار، والبلد مش لاقيه تاكل، والمفروض بعد التكسير نصلح». متطاولا على الشعب بزعمه: «مش لما تكسروا تصلحوا، لازم كلنا نصلح دا، مش تقعد تقوللي أنت مش شايف شغلك ليه.. وريني همتك.. التعليم ماله كده.. المستشفيات بتاعتك ملها خربانة.. أنا بصلح اللى إنتو عملتوه»!

وتابع الجنرال: «الصناعة حدثت لها 3 هزات: الأولى كانت في 2011، و2013 خرجت مصانع من الخدمة بسبب ظروف، والثانية كانت نتيجة تغير سعر الصرف، والضربة الثالثة كانت جائحة كورونا والحرب الروسية الأوكرانية»، مدعيا أن الدولة قدمت مبادرات لدعم بعض المصانع بعد تحرير سعر الصرف، ولكن مع جائحة كورونا والحرب الروسية سلاسل الامتدادات ارتفع أسعارها والكونتلر اللي كانت تكلفته 800 دولار أصبح 12 ألف دولار، وفي النهاية الدولة لديها من الدولار ما يأتي من قناة السويس وتحويلات المصريين في الخارج والسياحة.

https://www.youtube.com/watch?v=6DDzA4cue-E&feature=emb_title

 

رفع الفائدة 3%

فهل  يدعم نظام السيسي الصناعة فعلا؟ أم أن التصريحات في واد والأفعال في واد آخر تماما؟! فموقف رجال الصناعة مع السيسي مثير للعجب؛ ينطبق عليه المثل الشعبي «أسمع كلامك أصدقك.. أشوف أمورك أستعجب»! لماذا؟!

لأن القرار الأخير الذي أصدرته لجنة السياسات النقدية بالبنك المركزي برفع الفائدة بنسبة 3%  الخميس 22 ديسمبر 2022م، والاستمرار في سياسة التشدد النقدي للسيطرة على سعر الدولار والتضخم، بحلول تقليدية، تسببت في تعطيل الاستثمارات والعمل بالمصانع والشركات، وأدخلت البلاد في حالة ركود تضخمي، غير معلومة المدة. وجاء قرار لجنة السياسات النقدية، برفع أسعار الفائدة بواقع 3٪، نهاية الأسبوع الماضي، لتزيد بمعدل 8٪، خلال عام 2022، وتصل إلى متوسطات 16.25٪ و17.25٪، و16.75٪. واستهدفت لجنة السياسات النقدية بالبنك المركزي، تخفيض معدلات التضخم، التي بلغت 21.5٪، نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، ومواجهة الدولرة، والسيطرة على ارتفاع الأسعار، وفقا لاتفاق جديد مع صندوق النقد، لإعادة هيكلة الاقتصاد، وتحرير سعر الصرف وفقا لآليات السوق، والسماح بدخول الواردات، بإلغاء قيود الاستيراد التي طبقها البنك المركزي، منذ مارس الماضي.

 

رفض قطاع الأعمال

القرار قوبل بانتقادات حادة من جانب رجال الأعمال ومجتمع الصناعة؛ وصف محمد فرج عامر رئيس جمعية مستثمري برج العرب والبرلماني السابق قرار رفع الفائدة بـ "الضربة القاصمة للصناعة المصرية". وقال المهندس حسن الشافعي عضو مجلس إدارة جمعية رجال الأعمال ورئيس لجنة المشروعات الصغيرة،في تصريات  لصحيفة "العربي الجديد" اللندنية: "لا أمل في نهضة صناعية أو زراعية في البلد، في ظل تزايد الفائدة، واستمرار نفس السياسات النقدية التي تحول دون قدرة أصحاب المشروعات على الاستمرار في أعمالهم".

ويشرح الشافعي مدى التداعيات الكارثية على قطاع الصناعة من هذه القرارات؛  مشددا على أن ارتفاع الفائدة في البنوك، جاء مواكبا لاتفاق البنك المركزي مع صندوق النقد الدولي، على إلغاء برامج دعم الفائدة الموجهة للمشروعات الصغيرة والمتناهية الصغر، التي تساعد الشباب على البدء في مشروعات، في ظل عدم قدرتهم على التمويل، ومساعدة الكفاءات الأضعف من صغار المستثمرين، في امتلاك مشروعات خاصة بهم، فإذا بها تحول بينهم وبين القدرة على تمويل أية مشروعات جديدة، وفقا لهذه المعدلات التي لن تمكن أيا منهم من الاقتراض أو العمل، لارتفاع تكلفتها عن أي عوائد متوقعة للأرباح.

وحول النتائج المحتملة  لرفع القائدة يحذر  الشافعي من أن زيادة الفائدة ستحول دون دخول استثمارات محلية جديدة في السوق، وتخيف أصحاب الأعمال الأجانب من توجيه استثماراتهم، في سوق يعاني من البيروقراطية الإدارية، وزادت عليه تكاليف الفائدة والتشغيل. وينتهي إلى أن مجالات الصناعة والزراعة ستكون الأكثر تضررا من زيادة الفائدة التي بلغت معدلات تصيب المستثمرين بالإفلاس، وتترك الباب مفتوحا لعدد محدود من رجال الأعمال القادرين على تمويل مشروعاتهم، ودخول الاحتكارات الأجنبية التي ستهيمن على الإنتاج المحلي، وتنهي دور المستثمرين المصريين، وخاصة أصحاب المشروعات الصغيرة، التي صنعت إمبراطوريات صناعية كبيرة، على مدار السنوات الماضية.  ويطالب الشافعي الحكومة بضرورة دعم المصانع والمزارعين على إقامة مشروعاتهم، وتوفير التمويل للتشغيل، وإلا فلن يبقى بالسوق إلا الأجانب، ويقضي على أي أمل في توسعات المصانع الحالية، لأنها تسير في ركاب حلول غير منطقية لإدارة الأزمة الاقتصادية".

ويتوقع محللون عدم قدرة البنك المركزي على ضخ احتياجات الموردين من الدولارات، مع استمرار حالة شح الاحتياطي النقدي من العملات الصعبة، وعدم وجود بدائل واضحة في الأفق، من مصادر التمويل الدولية، بما يزيد من عدم قدرة المصانع على تدبير احتياجاتها من مستلزمات الإنتاج، وبما يرفع معدلات الانكماش في طلب الشركات وحالة الركود التي وقعت بها منذ عدة أشهر.

وشدد أعضاء جمعية رجال الأعمال على أن رفع الفائدة أصبح توجها متصاعدا للسياسات النقدية والمالية للحكومة والبنك المركزي، بما سيدفع بالدولة إلى مواجهة الركود التضخمي المصحوب بزيادة معدلات البطالة، مع تراجع الصناعة والزراعة والتصدير. ويؤكد رجال الأعمال أن اعتماد الحكومة على الاستثمار العقاري الذي توقفت أنشطته، والمالي والريعي، الذي سيتخفض العائد منه، سيزيد عمق الركود التضخمي، مع زيادة معدلات الفائدة.

ومن التأثيرات المحتملة للسياسات الحكومية حدوث ارتباك واسع في الأسواق ينعكس سلبا على جميع الأنشطة الاقتصادية  على شكل موجات ارتفاعات سعرية لكافة السلع والخدمات، ومستلزمات الإنتاج، التي سيتحمل المواطن تكلفتها في نهاية المطاف؛ بما يفضي إلى مزيد من الغلاء الفاحش والتضخم الجامح والذي يحدث عادة في  بدايات مرحلة الانتعاش أو مرحلة الانتقال من نظام اقتصادي إلى آخر، أو في الفترات التي تعقب الحروب، لذلك يعتبر هذا النوع من التضخم أسوأ أنواع التضخم، حيث يفقد الناس الثقة في النظام الاقتصادي كله. وهو عين ما يحدث في مصر حاليا.