وصلت أسعار الغذاء في مصر إلى مستويات غير مسبوقة؛ قبل سبع سنوات كان يمكن الحصول إلى رغيف خبز وزنه 110 جرام بخمسة قروش فقط، والرغيف السياحي وزن “150” جراما، بــ20 قرشا فقط في المخابز الخاصة غير المدعومة. اليوم في نهاية سنة 2022، بات سعر رغيف الخبز المدعوم وزنه لا يزيد عن 80 جراما؛ بينما وصل سعر الخبز الحر في المخابر الخاصة إلى جنيهين لكل رغيف زنة 90 جراما فقط!
هذا الأمر انعكس على سعر ساندوتشات الفول والطعمية؛ حيث ارتفع إلى نحو “7.5” جنيهات للواحد؛ بينما كان سعره قبل انقلاب 03 يوليو 2013م “75” قرشا فقط. فقد كان زملاء العمل يمكن لكل منهم أن يتناول إفطارا شهيا (3 ساندوتشات مختلفة + كوب شاي) بأقل من خمسة جنيهات. هذه الوجبة اليوم لفرد واحد فقط باتت بنحو (30 جنيها). معنى ذلك أن أسعار الغذاء تضاعفت خمس مرات وارتفعت بعدما اغتصب الجنرال عبدالفتاح السيسي الحكم بانقلاب عسكري في يوليو 2013م بنحو 500% بينما لم ترتفع الأجور والمرتبات بذات النسبة؛ ما أدى إلى زيادة معدلات الفقر إلى نحو مخيف. ويكفي للتدليل على ذلك بأن سعر طبق البيض (30 بيضة) كان بنحو 15 جنيها فقط حتى سنة 2016م (قبل التعويم) لكنه وصل اليوم إلى 90 جنيها! والزيت كان بنحو 15 جنيها لأجود الأنواع لكنه وصل إلى نحو 65 جنيها اليوم. وبينما كان سعر كيلو الفول البلدي بنحو 10 جنيهات فقط حتى 2015 بلغ اليوم نحو 45 جنيها. وارتفع العدس من 8 جنيهات لكل كيلو في 2013م إلى نحو 70 جنيها في محلات البقالة حاليا. وقد كان سعره قبل عام نحو 35 جنيها فقط.
وجبة إفطار بـألفي جنيه!
يقول رب أسرة للحرية والعدالة إن لديه زوجة وأربعة أولا في مراحل مختلفة من التعليم، وأن ساندوتشات الأطفال تكلفهم يوميا نحو 60 جنيها عبارة عن (فينو + جبنة + بيض + حلاوة أو لانشون)، أما إفطار الأسرة في إيام الإجازة فإنه يكلفهم نحو 50 جنيها عبارة عن (خبز + طبق فول + قليل من قطع الطعمية حيث ارتفع سعرها بجنون خلال الشهور الماضية).
ويضيف الموطن المسكين: ماذا أفعل؟ تكلفة الإفطار فقط أكثر من ألفي جنيه، أما وجبه الغداء فتصل يوميا إلى مائتي جنيه على أقل تقدير، وبالتالي فتكلفة الوجبات فقط تصل إلى نحو 8 آلاف جنيه شهريا! فماذا عن الإيجار وفاتورة الكهرباء والمياه والغاز والمواصلات؟ وماذا عن الدروس الخصوصية وأسعار الكتب والأدوات المدرسية؟ يتنهد المواطن بألم وحسرة وقد غالبته دموعه متابعا: كنت مستورا قبل عدة سنوات، لكن الغلاء المستمر في أسعار كل شيء ألقى بنا دائرة الفقر، ورغم ذلك فإن الحكومة لا يعنيها سوى فرض المزيد من الرسوم والضرائب، والإمساك بالمزيد من المواطنين وإلقائهم في دائرة الفقر والحاجة من خلال تآكل قيمة الدعم وتقليص مخصصاته من أجل بناء القصور والمدن الجديدة والقطار الكهربي والملاهي للأثرياء وأبناء الأثرياء!
وتسببت الحكومة في هذا الغلاء بعد أن فرضت سنة 2018، على عربات الفول والفلافل، المنتشرة في الشوارع إتاوة سنوية تبلغ 5 آلاف جنيه، ولاحقتهم بضرائب، وفقا لقيمة المكان الذي تعمل في نطاقه. وتؤكد تقارير البنك الدولي الصادرة في مايو 2019، أنّ 60% من سكان مصر، إما فقراء أو عرضة للفقر، إذ أصبح دخل الفرد من هذه النسبة لا يزيد عن 1.9 دولار أي نحو 30 جنيهاً يومياً.
انخفاض مستو معيشة 75% من المصريين
ومؤخرا اعترفت دراسة حكومية أعدها الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء بتدهور مستويا المعيشة لنحو 75% من المصريين خلال الفترة بين مايو وأغسطس من العام الحالي 2022م. حيث ارتفع سعر صرف الدولار الواحد من نحو 19.5 جنيها إلى نحو 25 جنيها. ورصدت الدراسة أن نصف الأسر ترى أن أسعار السلع الغذائية وغيرها، زادت بمقدار 100% أو أكثر. هذا التدهور الحاد في مستويات المعيشة تم رصده قبل قرار التعويم في 27 أكتوبر 2022م؛ والذي أدى فعليا إلى تراجع الجنيه أمام الدولار بنحو 25% عما كانت عليه في سبتمبر الماضي؛ وبذلك تراجع الجنيه من 15.7 في فبراير الماضي (2022) ليصل إلى 24.75 جنيها في ديسمبر ، بزيادة قدرها نحو 9 جنيها خلال سنة 2022م. معنى ذلك أن هذه الأرقام التي رصدها دراسة الجهاز المركزي تعكس الوضع قبل التعويم الأخير في أكتوبر، أما اليوم فإن الأرقام ارتفعت وقد تصل نسبة من تدهور معيشتهم إلى نحو 90% من المصريين. وحسب موقع “مدى مصر”، فإن بيانات الدراسة تعكس مستويات اللا مساواة الكبيرة في الدخول، مشيرة إلى أن حوالي 74% من الأسر قل إنفاقها على الطعام، جراء الأزمة، وظَلّ مستوى إنفاق حوالي 26% ثابتًا، فيما ارتفع الإنفاق على الطعام لدى 0.3% من الأسر. وتوضح الدراسة أن الأسر التي خفضت إنفاقها على الطعام، تكيفت مع هذه الأوضاع بطرق عدة، حيث قلل حوالي 95% منها من تناول اللحوم والطيور والأسماك، إلا أن الدراسة لم تُحدد مقدار تراجع أنواع البروتين من على مائدة الذين خفضوا إنفاقهم على الطعام، وجاء الأرز، كثاني صنف أجمعت الأسر (75%) على خفض استهلاكه، ثم الفاكهة والبيض والسكر والخضر والمكرونة والخبز على التوالي.
هل يندلع ربيع عربي جديد؟
إزاء هذه الأوضاع المتردية، أظهر استطلاعٌ جديد للرأي العام في مصر أن الأزمة الاقتصادية المتفاقمة في البلاد أدت إلى زيادة نسبة المصريين غير الراضين عن أداء حكومتهم فيما يخص المسائل الاقتصادية الرئيسية. الاستطلاع أجرته إحدى الشركات التجارية الإقليمية بتفويض من “معهد واشنطن” في نوفمبر2022. وفي ظلّ تردّي الوضع الاقتصادي المستمر في مصر، عبّر المواطنون المصريون عن مستويات عالية من عدم الرضا عن أداء حكومتهم. فقد أشار أكثر من نصف المستطلعة آراؤهم (69%) إلى أن الحكومة “لا تبذل جهودًا تُذكر لتلبية احتياجات الشعب من أجل تأمين ظروف حياة كريمة”.
وفي أعقاب الغزو الروسي لأوكرانيا تساءلت التلجراف البريطانية عن تأثير الحرب في أوكرانيا على إمدادات الطعام إلى الشرق الأوسط، وإن كانت ستقود إلى ربيع عربي جديد. وتنقل التلجراف عن جيمس سوانتون من “كابيتال إيكونوميكس” قوله: “عامل خطر رئيسي يأتي من تخفيض الدعم وزيادة معدلات التصخم في الطعام ما يهدد باضطرابات”. وأضاف: “كلا العاملين ساهما في الاحتجاجات أثناء انتفاضة الربيع العربي عام 2011”. وقال إن “زيادة الأسعار، إلى جانب الاقتصاد الذي ضرب بسبب أزمة كوفيد قد يقود إلى إحباط ينفجر على شكل اضطرابات جديدة”.