انتشار الغش التجاري في الأسواق المصرية من أهم الإنجازات التي حققها نظام الانقلاب الدموي بقيادة عبدالفتاح السيسي، حيث أصبح الكشف عن وقائع غش بصورة يومية وفي كل المنتجات ليس في المواد الغذائية فقط، بل حتى في الأدوية، ما تسبب في مصرع عدد من الأطفال والكبار في محافظات الجمهورية، وكذلك في الأجهزة الكهربية والأدوات المنزلية والملابس وغيرها.
وتتعدد صور الغش من نقص في الأوزان، إلى إعادة تدوير زيت الطعام أو إضافة مواد رخيصة لمنتج غالي الثمن أو غش البنزين والسولار وزيوت الديزل بالماء وهكذا.
الخبراء من جانبهم حذروا من أن هناك حالة جشع تسيطر على الأسواق في زمن عصابة العسكر، مؤكدين أن التجار يتلاعبون بقوت الشعب، تارة برفع الأسعار بشكل جنوني، وتارة بالتلاعب في الموازين وتارة بالغش وتقليد المنتجات بمواد رديئة وغير صالحة للاستخدام الآدمي .
وانتقد الخبراء عجز الجهات الرقابية عن السيطرة على الغش، محذرين من أن الغش التجاري له العديد من الأضرار، أولها عزوف المستثمرين عن الاستثمار في البلاد التي تنشط فيها عمليات التقليد، لأن هذا التقليد يجعلهم يخسرون الكثير من إنتاجهم، بخلاف الخسائر الصحية الناتجة عن تناول سلع مغشوشة تتسبب الكثير من الأمراض.
تلاعب بالموازين
من جانبه أكد محمود العسقلاني، رئيس جمعية «مواطنون ضد الغلاء»، أن التلاعب بالموازين علامة من علامات زمن الغلاء، فمع ارتفاع أسعار المنتجات، يلجأ بعض التجار إلى التلاعب في الموازين، حيث أصبح الكيلو 900 جرام، وأحيانا يصير 700 جرام، وأصبح النصف كيلو 300 جرام فقط، معربا عن أسفه لأن الكثير من التجار يريدون الحصول على ربحية أكثر من الربح العادل للسلعة.
وقال «العسقلاني» في تصريحات صحفية “بعض التجار يخفضون الأوزان ويرفعون الأسعار بشكل متواز، وهناك من يقوم بتخفيض الأوزان بدلا من رفع الأسعار، وفي كلتا الحالتين المواطن هو الضحية، لأن زيادة الأسعار في الفترات الأخيرة مبالغ فيها”.
وأضاف، المرحلة الحالية تتطلب تاجرا أمينا رحيما وللأسف هذا النوع من التجار أصبح قليلا جدا، ولذلك نشعر بأزمة كبيرة في شراء كل شيء، وهذه الأزمة أخلاقية في المقام الأول، فاختفاء السلع حتى ترتفع أسعارها أكثر وأكثر، جريمة أخلاقية يتبعها جريمة سرقة من جيوب المشترين، وهذا ما حدث مثلا مع سلعة الأرز التي اختفت من الأسواق دون سبب مقنع لاختفاء الأرز في بداية موسم حصاده، اللهم إلا غياب الأخلاق وسيطرة الجشع على كثير من التجار.
وكشف «العسقلاني» أن الكثير من التجار يتلاعبون في الأوزان ويكتبون على المنتج في حدود 900 جرام، أو ما يقترب من كيلو، وهنا ما يقترب ممكن أن يصبح 700 جرام، رغم أن الموازين الحديثة تستطيع أن توزن الملى جرام، مؤكدا أن المادة رقم 3 من قانون حماية المستهلك تنص على أن يكتب على المنتج الوزن الصافي.
وأشار إلى أن بعض التجار يخفضون الأوزان بشكل مبالغ فيه، موضحا أنهم بهذه الطريقة يسرقون المواطن دون أن يشعر، ومن يفعل ذلك هو في الحقيقة لص وليس تاجرا .
وطالب «العسقلاني» المواطنين بأن يصروا على الحصول على كامل حقوقهم من التجار الجشعين أو يقاطعوهم ولا يشتروا منهم شيئا لعلهم يدركون فداحة جرائمهم، فيتوقفون عنها.
كما طالب حكومة الانقلاب بغلق باب التلاعب بالأوزان بوضع تشريع يقول إن “السلعة تكون نص كيلو أو كيلو، ويمنع منعا باتا البيع بأوزان أخرى، إلا في بعض الحالات التي تحتاج أوزان الربع كيلو، وهنا يتم عمل الربع كيلو ويكتب بخط كبير ربع كيلو .
العلامات الشهيرة
وحذر الخبير الاقتصادي الدكتور عبدالمنعم السيد من أن الغش التجاري يسبب العديد من الأضرار الاقتصادية، على رأسها عزوف المستثمرين عن الاستثمار.
وقال «السيد» في تصريحات صحفية إن “الغش التجاري يعني ببساطة تقليد منتج شهير جيد الصنع بمواد غير مطابقة للمواصفات القياسية ورديئة الصنع. لافتا إلى أنه عندما يتم تقليد منتج شهير بشكل ردىء سيفر المشترون من المنتج المقلد والمنتج الأصلي أيضا، مما يسبب خسائر فادحة لأصحاب العلامة التجارية، وقد يتوقفون عن الإنتاج تماما، وخشية من هذا المصير المأساوي يرفض أصحاب العلامات التجارية الشهيرة الاستثمار في البلاد التي يكثر فيها الغش التجاري والتقليد، ومن هنا تكون خسائر كبيرة للاقتصاد الوطني.
وأضاف أن الغش التجاري له أضرار جسيمة على المواطن، نتيجة استخدام منتج غير جيد وغير أمن، فإذا كان المنتج المقلد، مواد غذائية، فالأمر قد يصل لموت من يتناولها أو على الأقل الإصابة بقائمة طويلة من الأمراض سواء المعوية أو القاتلة مثل السرطان والفشل الكلوي، أما إذا كان المقلد منتجات صناعية فسيكون عمرها الافتراضي قصيرا، وقد تتسبب في كوارث مروعة على رأسها الحرائق.
وأكد «السيد» أن الغش التجاري ينشط في الأوقات التي تشهد ارتفاعا في الأسعار وانخفاض القوى الشرائية للعملة المحلية، وعندها يبحث المواطن عن أقل المنتجات سعرا، الذي يكون في الغالب مغشوشا ومقلدا.
وطالب بتطبيق القانون على مافيا المنتجات المغشوشة للحد من تلك الظاهرة، مشددا على ضرورة أن تقوم الأجهزة الرقابية بدورها لحماية المستثمر والمواطن من المنتجات المغشوشة ومنع تداولها داخل الأسواق، وأن يكون لكل بضاعة فاتورة من مصدر معلوم للحد من المنتجات المقلدة.
الغش الصناعي
ودعا الخبير الاقتصادي الدكتور ياسر حسين سالم، إلى مواجهة الغش الصناعي من المنبع أي من مرحلة التصنيع، مع زيادة المعروض من السلع الأصلية وتيسير إجراءات تراخيص وتشغيل المصانع وتسهيل إجراءات ترخيص وتشغيل المتاجر الملتزمة والعمل على زيادة أنشطة البيع المشروعة وزيادة مساحة المنافسة بالسوق، وهو ما سيؤدي إلى تيسير حصول المستهلك على المنتج والسلعة بأفضل سعر وبالجودة المطلوبة .
وقال «سالم» في تصريحات صحفية “الغش الصناعي له العديد من المخاطر أولها أن مصانع الغش الصناعي تعوق التنمية المستدامة وتضر بالاقتصاد والمجتمع والبيئة، كما تعمل على عدم الالتزام بالمواصفات، وبالتالي يقع ضرر كبير على المستهلك، بخلاف كونها لا تتبع تكنولوجيا الإنتاج النظيفة وتعتبر ملوثة للبيئة، ولا تلتزم بالقوانين فيقع بذلك ضرر على المصانع الملتزمة نتيجة إنفاقها مبالغ ليست قليلة للالتزام بالوضع الصناعي السليم، وبالتالي لا توجد عدالة بين المصنع الملتزم والمصنع غير الملتزم، بخلاف الأضرار المالية العامة للدولة بفقد الضرائب والرسوم ويضر بمالية المصنعين والتجار الشرفاء أصحاب المنتجات الأصلية.
وحذر من أن الغش الصناعي خطير جدا في مجال الأغذية والمشروبات ويمثل أشد الضرر بأمن المجتمع واستقراره، كما يمثل خطورة على صحة الإنسان والحيوان والطيور وعلى النبات، مؤكدا أن الغش الصناعي يؤثر على حركه الاستثمار فيضر ببيئة الاستثمار ويجعلها طاردة للاستثمار.
وطالب «سالم» وسائل الإعلام يزيادة وعي المستهلك ونشر المعلومات والبيانات التي تجعل لدى المستهلك دراية وثقافة شراء واستهلاك كافية، مشددا على ضرورة تطوير منظومة الرقابة على الغش الصناعي وتفعيل منظومة الثواب والعقاب للردع وتيسير عمل الإجراءات الصناعية الصحيحة لجعل النشاط مشروعا وآمنا.