تكشف الأرقام المجردة أمورا عجيبة تحدث في مصر لأول مرة؛ فالأسعار في مصر ترتفع بشكل يومي مع انخفاض قيمة الجنيه يوميا أمام الدولار الذي ارتفع من 15.7 جنيها في مارس 22 إلى 30.7 جنيها في فبراير23م؛ حتى وصلت أسعار السلع الغذائية إلى مستويات مرعبة تفوق دخول الغالبية الساحقة من المواطنين. ويتوقع خبراء اقتصاد أن تؤدي السياسات الحكومية إلى مزيد من المعاناة للشارع مع استفحال التضخم، وهو ما يتزامن مع دخول شهر رمضان في نهاية مارس المقبل.
وحسب نائب رئيس الغرفة التجارية، أحمد شيحة، فإن الأسعار في مصر تفوق مثيلتها في تركيا رغم أن الأخيرة تعرضت لزلزال فحر الإثنين 6 فبراير 23م، مدمر أسفر عن مقتل نحو (40 ألفا) وتدمير نحو 10% من اقتصادها القومي. ويبدي شيحة حزنه على ما ألت إليه الأوضاع في مصر؛ مندهشا من وصول سعر طبق البيض إلى 138 جنيها، بما يمثل ضعف ثمنه في تركيا. ويتعجب شيحة ـ في تصريحات لصحيفة العربي الجديد اللندنية ـ من وصول سعر الدجاجة محليا إلى 200 جنيه في المتوسط، بينما تباع في تركيا بسعر يعادل 70 جنيها، وطبق البيض 60 جنيها، وكيلو اللحم 120 جنيها في ظل تضخم بلغ 80% سنويا. وكان الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء قد زعم أن التضخم في مصر ارتفع إلى نحو 21.5% فقط خلال سنة 2022م التي شهدت تراجع قيمة الجنيه إلى النصف تقريبا. فكيف تكون الأسعار في تركيا أقل بكثير من مصر رغم أن التضخم الرسمي في مصر أقل بكثير من التضخم في تركيا حسب أرقام سنة 2022م الرسمية في كلا البلدين؟!
فتش عن الاحتكار
وحول أسباب هذا الانهيار في السوق المصري، وارتفاع الأسعار بمعدلات يومية، يؤكد شيحة أن أسعار السلع الأساسية لا تتحرك في الأسواق الدولية بهذه السرعة اليومية محملا الحكومة المسؤولية الكاملة عن تصاعد موجات الغلاء. ويضيف أن مكونات صناعة الدواجن واللحوم واحدة في أنحاء العالم، والأسعار معلنة في بورصات السلع وتتعامل بها كل الدول في آن واحد، وعندما لا تتحرك بالدول الأعلى دخلا أو الأكثر عرضة لكوارث، بنفس المعدلات التي تشهدها الأسواق، فهذا يكشف أن السوق المصري به خلل كبير صنعته الحكومة من اعتمادها على استيراد تلك السلع عبر مجموعة محدودة من المستوردين لا تزيد عن أصابع اليد الواحدة، تتحكم بمفردها في أسعار الواردات بداية من القمح والذرة والأعلاف والكتاكيت (الصيصان) والدواجن والأسمدة، وجميع مستلزمات الإنتاج الأخرى.
ويتهم شيحة حكومة الانقلاب بصناعة هذه المنظومة الاحتكارية، وذلك عبر ما تسمى بـ "كارتلات" الاستيراد ورجال الأعمال الذين تسمح لهم وزارة التموين دون غيرهم بدخول المناقصات لشراء السلع التموينية والأساسية، ومن يحاول مساعدة الدولة في شراء تلك السلع ومنافستهم، يتعرض للسحق بعلم مسؤولين كبار في الدولة، ويكون الخاسر الأخير هو المستهلك الذي يدفع من جيبه ثمن موجات الغلاء وتكاليف الزيادة التي يحددها المحتكرون وفقا لأهوائهم وليس وفقا لظروف السوق الدولية، التي يتحججون بها.
منظومة الاحتكار تهيمن فعليا على كل مفاصل الاقتصاد المصري، حيث يكشف شيحة أن الدولة تتعرض لهذه الضغوط ذاتها، لأن هيئة السلع التموينية التي تجلب القمح والسلع المدعومة من الخارج، تمر عبر سلسلة المحتكرين، الذين يقومون بتقسيم الصفقات في ما بينهم وتوزيع الأدوار على منافسات شكلية عند إسناد المناقصات العامة لشركات التوريد محدودة العدد، بما يضمن بقاء هؤلاء المحتكرين على قمة الهرم في مجالات الاستيراد، ويتحكمون عبر "الكارتلات" في أسعار جميع السلع بالأسواق.
وحسب شيحة فإن أزمة الأسعار لم تعد في ندرة البضائع، بعد أن دخلت كميات كبيرة للأسواق، ولكن في قوة المحتكرين، الذين يدفعون بالسلع وفقا لأهوائهم ورغبتهم في تحقيق أعلى عائد من البيع، ودفع الطلب دوما أعلى من العرض. ويطالب بأن تتوقف الحكومة عن خفض قيمة الجنيه، حيث يعتمد 80% من اقتصاد الدولة على توافر الدولار، والمحافظة على استقرار قيمة العملة، مؤكدا أن أسعار السلع تضاعفت 5 مرات خلال 7 سنوات، متأثرة بتراجع قيمة العملة المحلية من 7 جنيهات إلى 30.7 جنيها، مقابل الدولار حاليا، والتي تقترب من نفس معدل التضخم في قيمة السلع منذ عام 2016، حينما بدأ تعويم الجنيه.
أين رقابة الدولة؟
المتهم الثاني بعد الاحتكار هو غياب رقابة الدولة على الأسواق، حيث يؤكد رئيس جمعية "مواطنون ضد الغلاء"، محمود عسقلاني، في بيان صحفي تحكم "عشرة من كبار التجار والمربين بأسعار الدواجن واللحوم، بما دفع الغلاء إلى نطاقات خارج سيطرة الحكومة. ويعزو مسؤولون بشعبة المستوردين بغرفة القاهرة التجارية ارتفاع الأسعار إلى ندرة البضائع وعدم وضوح الرؤية وزيادة الطلب على العرض، وزيادة سعر الدولار، وتكلفة الجمارك، مع عدم وضوح الرؤية أمام المصنعين في ظل عدم توافر الخامات ومستلزمات الإنتاج، بما يجعلهم يضعون سعرا مستقبليا يخضع للتوقعات، وليس على أساس قيمة السلعة أو معدل الربح المتوقع منها، لتفادي أزمات مالية في المستقبل.
لكن هذه كلها مجرد ذرائع تختلقها منظومة الاحتكار والفساد، حيث يؤكد مراقبون أن تخبط الأسعار في الأسواق، يعود إلى غياب دور الدولة في الرقابة على الأسعار، وعدم قدرتها على مواجهة جشع التجار، ومحتكري السلع، مع عدم وجود قوانين تلزم التجار بسعر عادل للسلع تحمي المستهلك، في ظل غياب البيانات الكاملة عن المنتجين للسلع الأساسية التي تمكن الدولة من دراسة السوق قبل أن تشهد نقصا حادا في العرض، ويدفع المحتكرون إلى التلاعب بالسوق وتحديد الأسعار التي يفرضونها دون قدرة الحكومة على التدخل.
ورغم الارتفاع الجنوني في أسعار البيض والدواجن إلا أن نائب رئيس اتحاد منتجي الدواجن، ثروت الزيني، يتوقع مزيدا من ارتفاع الأسعار في ظل نقص الدولار. ويعزو أسباب تصاعد الأسعار إلى عدم تلبية احتياجات موردي الدواجن من الدولار للإفراج عن مستلزمات الإنتاج بالموانئ. ويحذر من تضاعف الأزمة مع استمرار نقص العملة الأجنبية، التي توفرها البنوك، لشراء الذرة وفول الصويا. ويشير مربو الأسماك إلى قفزات متوقعة، في أسعارها مع زيادة الأعلاف ومدخلات الإنتاج بالمزارع السمكية، ومعدات الصيد لمراكب أعالي البحار، متأثرة بزيادة سعر الدولار، وعدم قدرة المنتجين على تدبيره عبر الطرق الرسمية. في ذات الوقت تقدمت 60 شركة للأدوية بطلب عاجل للجنة الصحة بمجلس الشيوخ لمساعدتها على زيادة أسعار 1000 صنف من الأدوية التي تنتج محليا، تأثرت عمليات إنتاجها سلبا بقوة الدولار المتصاعدة مقابل الجنيه، وقد أدت إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج، وندرة المواد الخام التي تأتي 95% من مكوناتها من الخارج.
الخلاصة التي توصل إليها صغار الباعة والتجار والموزعين أن الحكومة شريك في منظومة الفساد والاحتكار وأنها تتسبب في حالة انفلات الأسعار بعدم إجبار كبار الموردين على الدفع ببضائعهم للأسواق، بما يجعل سعر نفس السلعة متغيرا من مكان لآخر، وفقا لقوة الطلب وتوافر السلع لدى الموردين بالمنطقة. ويُحمّل موزعو الأرز كبار التجار بالاستحواذ على المحصول من المزارعين بأسعار أعلى من سعر التوريد لوزارة التموين، بنحو 4 آلاف جنيه للطن لتصل قيمته إلى نحو 22 ألف جنيه للطن. ويتوقع خبراء تفاقم أسعار المواد الغذائية متأثرة بزيادة قيمة الدولار ومعدل التضخم الأساسي إلى 31.5% الشهر الماضي، مع تصاعد مشكلة نقص العملة الأجنبية بالبنوك، والتوقع بانخفاض سعر صرف الجنيه.