استولوا على 6 مليارات.. أخطر  الرسائل والدلالات في قضية النصب الإلكتروني

- ‎فيتقارير

المصائب والكوارث تنزل على المصريين كالصواعق القاتلة، فلا يمر يوم دون مصيبة أو بلوى أو كارثة  تصيب قطاعات واسعة من الناس وتتركهم مذهولين من هول البلاء وشدته؛ ولعل أعظم الكوارث على الإطلاق هو موجات الغلاء الفاحش التي لم تتوقف منذ الاتفاق مع صندوق النقد الدولي في نوفمبر 2016م؛ وعلى مدار السنوات السبع الماضية لم ير المصريون مثل هذه الشدة وتلك الكوارث من قبل في سنوات قليلة.

وآخر هذه الكوارث هي قضية شركة النصب الإلكتروني"هوج بول – Hoggpool" لتعدين العملات الرقمية الافتراضية والتي لهفت (6 مليارات جنيه) من أموال العملاء ثم اختفت بين يوم وليلة؛ وكأنها (فص ملح وداب) كما يقول المثل الشعبي. هذه القضية تعتبر أكبر عملية نصب إلكتروني في تاريخ مصر والتي يصل ضحاياها إلى آلاف العملاء الذين تقد كثير منهم ببلاغات إلى مديرية أمن القاهرة؛ مطالبين الحكومة بالتحرك وحماية أموالهم من هذه العصابات المجرمة التي  تستبيح مصر وشعبها في ظل انشغال الحكومة بأمن النظام على حساب أمن المجتمع.

وفي صيف "2022" ظهرت الشركة للوجود فجأة عبر منصة وتطبيق إلكتروني للاستثمار في تعدين العملات الرقمية الافتراضية، وأقبل عليها الكثيرون من الطامعين في الربح السريع بدون جهد يذكر من المستخدمين للتربح منها من خلال الهواتف المحمولة والكمبيوتر وتحقيق أرباح سريعة بالعملة المحلية والدولار. وتفاجأ المشتركون قبل أيام، باختفاء المنصة والتطبيق؛ وبالتالي اختفاء مركز خدمة العملاء على الهواتف، وتبخر ما يقرب من 6 مليارات جنيه من أموال المتعاملين.

الدلالة الأولى والخطيرة، هي غياب الدولة ممثلة في وزارة الداخلية عن هذا النشاط المشبوه؛ فهل يعقل أن شركة ونشاطا بهذا الحجم الضخم وعملاء بالآلاف  دون علم الحكومة وأجهزتها الأمنية التي ترصد حركة النملة في الشق السياسي؟!  أما الأكثر خطورة على الإطلاق أن يكون هذا النشاط الإجرامي والسطو على مليارات الجنيهات من جيوب الناس  تم بواسطة قيادات نافذة في الدولة هي من تقف وراء هذه الجريمة وهي التي وفرت الغطاء الأمني لإفلات الجناة لتحقيق مكاسب خيالية من الحرام. فنظام العسكر يضج بالفسدة المجرمين الذين يتحكمون في مفاصل حساسة بالدولة بعضهم يعمل في تهريب الآثار وبعضهم في تهريب المخدرات وبعضهم في تجارة السلاح، وآخرون في نهب أراضي الدولة عبر إجراءات مشبوهة تديرها شبكة المافيا الحاكمة لحساب المقربين منها والموالين لها في جهاز الدولة وأجهزتها الأمنية. وقد تكون الدولة نفسها متورطة في هذا الأمر؛ فكثير من الدول من بينها مصر ترفض عمليات التحول الرقمي الكامل بما فيه من توجهات تعارضها الكثير من الدول لأنه يسحب البساط من تحت أقدامها ويقوض نفذوها المالي، وبين معارضي هذا التحول، وبالتالي فإن الحديث عن الاحتيال والنصب قد يكون مفيد للاتجاه الآخر من أجل استمرار هيمنة الحكومات المالية".

الدلالة الثانية أن الحكومة رغم أنها سنت القانون رقم 175 لسنة 2018 قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات، إلا انها في الغالب وضعته من أجل حماية النظام من نشطاء الثورة، وليس لحماية المجتمع من عصابات السطو الإلكتروني. ورغم أن القانون يتضمن عقوبات بالحبس والغرامة أو كلاهما، فقد وضع القانون عقوبة أكثر تشديدا حيث تصل إلى الحبس لمدة سنة وسنتين وتصل إلى 5 سنوات بالإضافة إلى غرامة تتراوح بين 100 ألف جنيه و 500 ألف جنيه أو إحدى العقوبتين". لكن هذه القانون لم يسهم مطلقا في الحد من عمليات النصب والاحتيال الإلكتروني.

الدلالة الثالثة هي استغلال مثل هذه النوعية من العصابات الإلكترونية لفقر الناس وحاجتهم الملحة للمال لمواجهة أعباء الحياة؛ وتغريهم بأرباح  كبيرة  من خلال المضاربات؛ ما يغري الآلاف بالانضمام إلى هذه المنصات التي غالبا ما تتعامل بحسابات غير رسمية  وغير مرخصة وأسماء مستعارة حتى يقع الكثيرون في الفخ  ويضعون أموالهم في الشركة التي تفرش أرضية جيدة من خلال توزيع أرباح بنسب عالية وخلال عدة شهور تكتسب الشركة سمعة جيدة فتجمع كميات أكبر من المال ثم تفر بها وتترك ضحاياها يئنون من الألم والمعاناة.

الدلالة الرابعة هي  سوء مناخ الاستثمار في البلاد؛ فالناس لم تعد تجد ما يمكن أن تضع فيه أموالها لتحقيق ربح مناسب في نشاط اقتصادي مشروع؛ لأن المناخ الاقتصادي بالغ السوء والتدهور ، الركود ضرب كل قطاعات النشاط الاقتصادي في ظل الغلاء الفاحش وانهيار قيمة الجنيه أمام الدولار. كثير من الناس يبحثون عن أي وسيلة تحقق لهم ربحا  يمكنهم من زيادة دخولهم في ظل حالة الغلاء الفاحش وتآكل قيمة الأجور والمرتبات والمدخرات بالجنيه. المشكلة هنا هي عدم قدرة الحكومة وحتى المجتمع عن توليد أنشطة اقتصادية إنتاجية صغيرة  يمكن أن توفر مصدر دخل لبسطاء الناس الذين لا يملكون الأموال ولا الخبرة  لإقامة مشروع ربحي مشروع. فيلجأ كثيرون إلى التربح عبر المضاربات وليس في مشروعات إنتاجية تبني اقتصاد الدولة على نحو فعال. وساهم في سوء الأوضاع أن الحكومة تشن على هذه النوعية من المشروعات الصغيرة والمتوسطة حربا ضارية بدعوى ضم الاقتصاد الموازي للنشاط الرسمي للدولة لزيادة الغلة الضريبية بنحو تريليون جنيه إضافية.  المصريون اليوم لم يعودوا قادرين إلى تأسيس أنشطة اقتصادية إنتاجية لذلك يعتمدون على الفهلوة من أجل التربح وهذا بحد ذاته تدمير للشخصية المصرية التي كانت على الدوام تأكل غرس يديها علي ضفاف النيل.

الدلالة الخامسة هي انتشار معدلات الجريمة في المجتمع المصري على نحو غير مسبوق؛ فارتفاع معدلات الغلاء والبطالة ووجود ملايين الشباب عاطلين عن العمل، فهذه وصفة كاملة لانتشار الجريمة في المجتمع من قتل وسرقة وقطع طريق ورشوة وفساد ونصب واقعي وافتراضي (إلكتروني)، فتدهور الأوضاع المالية والاقتصادية وتآكل الأجور والمرتبات أدى بشكل حتمي إلى ارتفاع معدلات الطلاق والانتحار والجريمة وتفكك المجتمع. لذلك من المتوقع مع بقاء الأوضاع على ما هي عليه أن تزداد معدلات الفقر والبطالة والجريمة والمزيد من تفكك المجتمع وتآكل مكانة الدولة وصولا إلى الفوضى الاجتماعية واحتمال اندلاع انتفاضة جياع قد لا يمكن احتواؤها بما يضع البلاد أمام سيناريو كابوسي مروع.

الخلاصة أن الأسباب التي دفعت المصريين إلى اللجوء إلى هذه الأنشطة المشبوهة هي ـ  بلا شك ـ السياسات الاقتصادية التي يتبناها نظام السيسي وأهما الإذعان الكامل لشروط وإملاءات صندوق النقد الدولي  هي التي دمرت المناخ الاقتصادي للبلاد ودمرت الجنيه أمام الدولار وباقي العملات الأخرى. فلغة الأرقام تكشف عن ارتفاع الأسعار بجنون إلى نحو (600%) خلال السنوات التي تلت انقلاب يوليو 2013م، وانخفضت قيمة الجنيه  من (8 جنيهات مقابل الدولار الواحد) إلى (30.7 جنيها مقابل الدولار) في بداية مارس 2023م؛ بمعنى أن قيمة الجنيه انخفضت فعليا  بنحو (75%)؛  فكل جنيه في 2013م أصبح اليوم يساوي (ربع جنيه) وربما أقل من ذلك. فمثلا كان المصري يشترى طبق البيض بنحو (15 جنيها)، اليوم أصبح يشتريه بنحو (120 جنيها)، معنى ذلك أن الـ(15 جنيها في 2013) تساوي اليوم(120 جنيها) وفقا لأسعار البيض. نفس الأمر في باقي السلع (الخبز ـ اللحوم ـ الدواجن ـ الألبان ـ الزيوت ـ الأرز ـ  السكر ـ وغيرها). قد تزعم الحكومة أن المسئول عن ذلك هو جشع التجار، أو تتذرع بأن الأزمة الاقتصادية العالمية هي المسئولة عن هذا الانهيار كما صرح السيسي قبل أيام؛ لكن الحكومة كانت سباقة في رفع أسعار السلع التي تتحكم هي فيها على نحو  مجنون؛ فمثلا البنزين "80" ارتفع من جنيه إلى نحو 9 جنيهات حاليا، وانبوبة الغاز المنزلي ارتفعت من 8 جنيهات إلى 80 جنيها، وفواتير الكهرباء والمياه  ارتفعت بنحو "500%" على الأقل، كما رفعت أسعار تذاكر المترو من جنيه واحد لكل المحطات إلى "10" جنيهات؛ وهذه نسب غلاء غير مسبوقة تصل إلى نحو (1000%)؛ بمعنى أن التجار كانوا أكثر رحمة في رفع الأسعار من الحكومة نفسها!!