في ظل تحكم عسكر الانقلاب في الاقتصاد وغياب الشفافية والرقابة وتغييب القانون، لم يجد المستثمرون أي فرصة لهم للمنافسة والعمل والبقاء في مصر، التي تحولت إلى بيئة طاردة للكفاءات والأموال والعقول والأطباء والمهندسين والعلماء، كي يجدوا فرصة للعمل والاستقرار في مجتمعات أخرى، وهو ما كشف عنه بشدة إعلان رجل الأعمال سميح ساويرس الهروب إلى السعودية من أجل الاستثمار في بيئة مستقرة، وهو ما لحقه كثيرون ، ويجهز للخروج الكثيرون خشية تعدي السلطات عليهم أو الانتقام منهم.
وفي الفترة الأخيرة، تزايدت موجة الهجرة للشركات الناشئة المصرية، بالتزامن مع خطوة مماثلة من قبل رجل الأعمال سميح ساويرس، الذي أعلن الشهر الماضي وقف جميع استثماراته الجديدة في مصر، وتحويل تركيزه بدلا من ذلك للسعودية.
وعزا ساويرس قراره إلى عدم استقرار الاقتصاد والعملة المصرية، اللتين تراجعتا 40% مقابل الدولار في عام 2022.
وتأثرت مصر من الانكماش الاقتصادي العالمي بشدة، حيث أوقع اقتصادها في ديون وصلت إلى 92% من الناتج المحلي الإجمالي، وبلغ معدل التضخم 30.7%.
وفي غضون ذلك، تباطأت وتيرة الاستثمار في الشركات الناشئة، ونجحت 25 شركة ناشئة فقط خلال الربع بجمع استثمارات مقارنة بـ65 خلال العام الماضي.
ففي الشهر الماضي، جمعت الشركات الناشئة المصرية 1.2 مليون دولار عبر أربع صفقات، بانخفاض من 81.25 مليون دولار عبر 17 صفقة في مايو 2022.
دفعت هذه البيئة الاقتصادية رواد الأعمال إلى البحث عن استراتيجيات لإنقاذ شركاتهم قبل فوات الأوان، ويبدو أن الإجابة الأكثر جدوى بالنسبة لهم كانت تتمثل في نقل مقراتهم إلى دولة أخرى، وهي السعودية ، ووفق منصة ومضة، المتخصصة بريادة الأعمال في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
جاء توجه الشركات الناشئة المصرية للسعودية على الرغم من أنه حتى وقت قريب كانت الإمارات الوجهة الرئيسية لرواد الأعمال الذين يتطلعون إلى تأسيس شركاتهم مع الاستفادة من العدد الكبير من رأس المال الاستثماري الموجود في دبي، ولكن يتم تجاهل دبي بشكل متزايد في الوقت الحالي لصالح الرياض.
هجرات مالية
يشار إلى أنه، بعد ستة أشهر من بداية العام، أعلنت ثلاث شركات ناشئة مصرية على الأقل عن نقل مقرها الرئيسي إلى الرياض مع الحفاظ على مكتبها الخلفي في القاهرة، ومن المتوقع أن يتبعها المزيد من الشركات الناشئة قريبا.
ومن ضمن الشركات التي هاجرت للسعودية، شركة تاجر التي انتقلت في فبراير هذا العام، والتي رأت أن الأمر يتعلق بتوسيع أعمالنا، متابعة أن قرار نقل المقر الرئيسي لشركته إلى الرياض كان بدافع الرغبة في التعرض لخيارات استثمارية أقوى مع سعيهم لجولة استثمارية ثانية.
من جانبها قالت نور طاهر الشريك المؤسس لشركة إنتلا المتخصصة في أبحاث السوق، التي انتقلت هي الأخرى للسعودية في مايو 2023، إن "السبب الرئيسي وراء القرار هو أن تكون أقرب إلى قاعدة عملائها الأوسع".
وأضافت طاهر: "عندما يتعلق الأمر بقطاعنا، فإن القوة الشرائية السعودية عالية جدا؛ يوجد ما يقرب من % 70% من عملائنا في السعودية، لذلك من المنطقي الاقتراب من سوقنا الرئيسي".
وتعتبر السعودية هي أكبر سوق في دول مجلس التعاون الخليجي، حيث يبلغ نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي حوالي 30 ألف دولار.
كما عملت الدولة بجد لوضع نفسها كوجهة إقليمية وعالمية للمبتكرين ورواد الأعمال الطموحين من جميع أنحاء العالم، رغبة منها في تنويع الاقتصاد غير النفطي، مع توقع مساهمة الشركات الصغيرة والمتوسطة بنسبة 35٪ في ناتجها المحلي الإجمالي من خلال 2030.
ودفعت رغبة السعودية في احتضان شركات يونيكورن وهي الشركات الناشئة التي يتجاوز رأسمالها المليار دولار، إلى تقديمها عدد من المبادرات والبرامج التي تهدف إلى جذب أفضل شركات التكنولوجيا في العالم.
أحد هذه المبادرات هو البرنامج الوطني لتنمية تقنية المعلومات، الذي تم إطلاقه في عام 2016 بميزانية تقديرية تبلغ 67 مليون دولار (2.5 مليار ريال سعودي) لتقديم آليات دعم للمستثمرين ورجال الأعمال المحليين والأجانب.
تعثر اقتصادي
ووفق المنصة فإن الظروف الاقتصادية المتعثرة في مصر جعلت الكثيرين يشعرون بالحذر والتردد مع القليل من الأمل في تحسن المشهد الاستثماري.
ووفق خبراء ومستثمرين، فمن الواضح أن مصر تمر بمصاعب، لا سيما على مستوى الاقتصاد الكلي.
كما أن مناخ التمويل الحالي في مصر هو ببساطة وقت عصيب للشركات الناشئة، وهو الأمر الذي يدفع نحو مزيد من الهروب من مصر.