فكرة التفويض التي أطلقها السيسي الأربعاء 24 يوليو 2013م، حين طالب أنصاره بوصفهم “المصريين” دون غيرهم أن يخرجوا يوم الجمعة من أجل منحه تفويضا لمواجهة ما أسماه بالعنف والإرهاب المحتمل، كانت تمثل انعكاسا حقيقيا لتجذر مفاهيم التمييز والعنصرية في عقلية الجنرال ورفاقه في الجيش، ورسوخ النزعة العدوانية بداخلهم إلى أقصى مدى يمكن تخيله؛ فالجنرال لم يكن يرى سوى أنصاره ومؤيديه، أما الملايين المقابلة التي ترفض الانقلاب فهم مجرد حشرات وجرذان ليس لهم إلا السحق والقتل والجيش قادر على ذلك.
كانت هذه الدعوة أيضا انعكاسا لحالة الفوضى التي تسبب فيها الانقلاب ودليلا على أن السيسي كان يدرك أنه بلا شرعية تذكر؛ لأن أي نظام شرعي حقيقي لن يطلب هذا الطلب الغريب؛ فوجود حكومة شرعية بحد ذاته لا يتخيل أن يكون بدون تفويض شعبي وإلا كانت مغتصبة للسلطة دون إرادة الشعب. وأي حكومة شرعية منتخبة بإرادة الشعب الحرة تملك تفويضا كاملا بإرادة البلاد وحماية أمنها القومي وفقا للبرنامج السياسي الذي جرى انتخابها على أساسه، لكن السيس لم يكن منتخبا ولم يكن شرعيا؛ لذلك طلب هذا الطلب الغريب لهدف واحد هو التغطية على الممارسات الإجرامية التي كان يقوم بها بالفعل من قتل واعتقال وبطش وظلم. بتمرده هذه وعصيانه لقائده الأعلى الرئيس المنتخب تحول السيسي من وزير شرعي في حكومة شرعية منتخبة إلى لص وقاطع طريق، وللأسف تحول معه الجيش وباقي مؤسسات الدولة إلى مافيا تحمي مصالحها الخاصة على حساب الوطن نفسه وشعبه وناسه. وحتى كلمة شيخ الأزهر أحمد الطيب في مشهد الانقلاب نفسه في 3 يوليو 2013م، تعكس إسقاطا متعمدا للمؤيدين للرئيس الشرعي المنتخب والإشارة إلى الرافضين لحكم الرئيس بأنهم يمثلون الشعب المصري كله؛ دون اعتبار للميادين المحتشدة بأنصار الرئيس أو لعشرات الملايين المؤيدين له في كل المحافظات والمدن والقرى.
كان الخطاب الإعلامي مدفوعا بأقصى طاقته نحو التمييز والعنصرية والكراهية وتسميم الأجواء بكل معاني الحقد والانتقام والضغينة؛ كان يراد سحق الإسلاميين واستئصالهم من الوجود بعدما تم طردهم من الحكم رغم أنهم الوحيدون الذي وصلوا إلى السلطة بإرادة الشعب الحرة على مر التاريخ المصري كله. في ظل أجواء الاستقطاع الحاد وتعذر الوصول إلى قراءة نزيهة ومحايدة للواقع المصري الذي استجد بعد الانقلاب العسكري، أجرت مؤسسة زغبى ذات المصداقية العالية في عالم الاستطلاعات والبحوث استطلاعا في مصر حول مؤشرات واتجاهات الرأى العام، ورجعت في ذلك إلى عينة من المواطنين في عشر محافظات. الاستطلاع تم في شهر سبتمبر 2013م، وقورنت نتائجه بقياسات مماثلة للرأي العام جرت في المحافظات ذاتها خلال شهرى مايو ويونيو من نفس العام.
نتائج الاستطلاع تناولها الناشط السياسي والبرلماني السابق مصطفى النجار في مقاله «عن الذين يعيدون الإخوان للحكم» المنشور بالشروق بتاريخ الجمعة 22 نوفمبر 2013م؛ اعتبر فيه أن النتائج تعكس حالة الإنكار التي تعيش فيها سلطة يوليو الجديدة، وأن هذا الإنكار وعدم قراءة الواقع بشكل حقيقي يمهد الطريق لسقوط النظام الذي يتغافل عما لا يريد سماعه في ظل سعادته بأبواق التزييف وإطلاق العنان للمنابر المأجورة التي تبرر كل ما يفعل.
شعبية الإخوان
الجزء الأخطر من الاستطلاع حسب النجار كان حول تقييم المصريين لما جرى مع مرسى بعد مرور3 شهور؛ حيث أبدى 46% من المصريين تأييدهم لعزل (يقصد الانقلاب على الرئيس) مرسى بينما رأى 51% أن قرار عزله بهذه الطريقة لم يكن صوابا بعد ما تبعه من نتائج ورأى 35% ان مصر احسن حالا بعد 30 يونيو و46% قالوا انها صارت أسوأ بينما رأى 18% انه لم يتغير شىء.
وبلغت نسبة مؤيدي الاخوان فى سبتمبر 34% (كانت شعبيتهم قبل الانقلاب 26% فى مايو و24% فى يوليو حسب استطلاعات سابقة لزغبي) بينما رفضهم 59 % من المصريين.. أما حزب النور فانخفضت نسبة تأييده إلى 10 % مقابل 86% لا يثقون فيه، ومثله جبهة الانقاذ التى تدنى تأييدها إلى 13% مقابل رفض 84 % من المصريين لها وعدم ثقتهم بها، أيضا تراجعت شعبية حركة تمرد حيث قال 62% من المصريين إنهم لا يثقون بحركة تمرد مقابل 35 % يؤيدونها، أما نسبة المصريين الذين ليس لديهم ثقة فى اى حزب فبلغت فى سبتمبر 17 % بعد أن كانت فى مايو 39%.
أما عن موقف المصريين من المصالحة وادماج الإخوان سياسيا يرى 50 % من المصريين ضرورة حظر الاخوان سياسيا بينما يرى 42 % ضرورة وجود صيغة جديدة لإدماجهم سياسيا بينما يرى 79 % من المصريين أهمية المصالحة الوطنية بشكل عام مستقبلا ويرفضها 21 % وفى نفس الوقت يرى 35% من المصريين ان جماعة الاخوان هى العقبة أمام تحقيق المصالحة بينما يرى 23% أن الجيش هو العقبة ويرى 17% أن المزاج العام هو العقبة لتحقيق المصالحة.
وتراجعت الثقة فى المؤسسة العسكرية من 93% فى يوليو إلى 70% فى سبتمبر أما القضاء انخفضت الثقة فيه من 67% فى مايو إلى 54% فى سبتمبر، أما عن الشرطة فتعتبر النسبة مستقرة نسبيا بـ 52% فى مايو مقابل 49% فى سبتمبر. أما نسبة الثقة فى الحكومة الانتقالية (حكومة الببلاوي) فهناك42% فقط لديهم ثقة فى الحكومة الانتقالية بينما فقد 52% من المصريين الثقة فى الحكومة. أما القادة السياسيون فالسيسى يحتل أعلى نسبة تأييد 46% بينما يرفضه 52 % أما المؤقت عدلى منصور لم تتجاوز نسبة الثقة فيه 39% بينما يرفضه 58 % أما الرئيس محمد مرسى بلغت نسبة تأييده 44% بينما رفضه 54 % من المصريين!
وانتهى النجار الذي كان مؤيدا للانقلاب العسكري ثم تراجع عنه من قراءة هذه النتائج ليؤكد أنها أعادت رسم المشهد السياسي من جديد بين ثلاثة مكونات: الأول: جماعة الإخوان وحلفاؤها. والثانى: مؤيدو أى سلطة ــ رغم سلبياتها ــ ومن ورائهم جماعات المصالح المرتبطة بنظام مبارك من المروجين للدولة الأمنية القمعية. والثالث هو ما أسماه بجناح الثورة الذى يدافع عن الديمقراطية ويعادى الاخوان وفلول مبارك وشارك فى 25 يناير و30 يونيو من أجل الديمقراطية ويرفض عودة الاخوان أو عسكرة الدولة والعودة لزمن القمع وصناعة نموذج مشوه للديمقراطية!
ومن الواضح أن الفريق الثالث لا وجود له أصلا كتيار فلا يمكن الجميع بين (25 يناير و30 يونيو في سلة واحدة) لأنه ببساطة يستحيل عقلا الجمع بين نقيضين؛ وللأسف وجدت هذه الأكذوبة من يروج لها حينا من الدهر حتى تداعت تلقائيا.
أجرس الحقيقة!
وفي مقاله «أجراس الحقيقة» المنشور بصحيفة الشروق بتاريخ 25 نوفمبر 2013م، علَّق الكاتب الكبير فهمي هويدي على نتائج هذا الاستطلاع؛ مطالبا بعدم تجاهل هذه النتائج لأن «أهميتها تكمن في أنها ــ حسب علمى على الأقل ــ أول محاولة من نوعها سعت لدراسة الواقع المصرى بأسلوب علمى، بعيدا عن التشنج والتهويل الإعلامى والتهريج السياسى. في ذات الوقت فإنها تدفعنا إلى إعادة النظر في فكرة «التفويض» التى اطلقت في الفضاء السياسى. وعند الحد الأدنى فإنها تنفي الادعاء بأنه كان تفويضا على بياض». وينتهي هويدي بنصيحة لم يلتفت إليها الجنرالات: «إنني لا أدعو إلى الانطلاق من نتائج ذلك الاستطلاع، لكنني أدعو فقط إلى استعادة الوعى والانتقال من السكرة إلى الفكرة، بحيث نكف عن الاستسلام للأوهام والغرائز وننصت إلى أجراس الحقيقة قبل فوات الأوان».