مع ارتفاع الأسعار وتراجع سعر الجنيه أمام العملات الأجنبية، وانخفاض مستوى معيشة الأفراد، هناك وجه أخر لكارثة الغلاء لا تعرفها عصابة العسكر ولا تهتم بها ، تتمثل في صرخات أسر الأطفال المصابين بسوء التمثيل الغذائي .
وإذا كانت الأسر المصرية قد اعتادت على الاستغناء عن الوجبات الأساسية واستبدالها بعناصر أقل سعرا وأكثر فقرا مع ارتفاع الأسعار، إلا أن هذا السلوك لا يتناسب مع مرضى التمثيل الغذائي “pku” لأنهم مجبرون على أنواع معينة من الأغذية إذا لم يلتزموا بها فسيكون الموت مصيرهم.
ويعيش أطفال pku معاناة كبيرة مع مرض لا يتطلب علاجا دوائيا، لكنه يحتاج لرعاية وغذاء صحي، فلا يستطيع هؤلاء الأطفال تناول أي نوع من الطعام ويعتمدون على طعام مصنوع بطريقة معينة وألبان مخصصة لهم.
وتطالب أسر أطفال سوء التمثيل الغذائي دولة العسكر بأن توفر مخبزا ومطبخا في كل محافظة يراعي الحالة النفسية والجسدية لأبنائهم، وأن ترفع دولة العسكر الجمارك ورسوم الشحن على تلك النوعية من المنتجات حتى تسهل الحصول عليها.
وشددت على ضرورة توفير دعم مادي لكل أسرة لديها مصاب بهذا المرض حتى تتمكن من توفير الدواء والغذاء له.
يشار إلى أن مرض سوء التمثيل الغذائي “بيلَة الفينيل كيتون” اضطراب وراثي نادر يتسبب في تراكم حمض أميني يُسمى الفينيل ألانين في الجسم، وينشأ نتيجة تغير في جين فينيل ألانين هيدروكسيلاز، حيث يساعد هذا الجين على تكوين الإنزيم اللازم لتكسير الفينيل ألانين، وبدون هذا الإنزيم تتراكم أحماض خطيرة عندما يتناول المصاب أطعمة تحتوي على البروتين أو الأسبارتام، وهو مادة تحلية اصطناعية، وقد يؤدي هذا إلى مشكلات صحية خطيرة.
أطعمة الحمية
حول هذه المأساة قال أحمد جبر، والد طفلين توأم من مصابي مرض سوء التمثيل الغذائي: "أقف عاجزا أمام أطفالي وهما يأكلان من طعامنا العادي الذي يحمل لهم السموم وانتظر بين لحظة واخرى إصابتهما بنوبات التشنج والاكتئاب والخلل في أجهزة الجسم، مشيرا إلى أنه يقضي ساعات وهو يفكر متى سيبدأ الانهيار مع عجزه عن توفير أطعمة الحمية الغذائية لأبنائه المصابين بسوء التمثيل الغذائي".
وقدر جبر في تصريحات صحفية تكلفة تغذية طفلين مصابين بمرض سوء التمثيل الغذائي بأكثر من 10 آلاف جنيه شهريا، بعدما كان لا يتجاوز 3 آلاف جنيه العام الماضي نتيجة لارتفاع سعر الدولار وانخفاض قيمة الجنيه .
وأضاف، يحتاج الأطفال ما يقرب من 18 علبة لبن تصل تكلفة العلبة الواحدة لـ100 جنيه، و4 كيلو مكرونة تكلفة الكيلو الواحد يزيد عن 300 جنيه ، إضافة إلى نوعيات معينة من الخبز بدقيق يصل سعر الكيلو 300 جنيه ونحتاج في الشهر الواحد 15 كيلو، ونضطر في كثير من الأحيان لشراء أغذية معينة شبيهة بالطعام العادي، لكن بمكونات مختلفة حتى يقتنع الأطفال ويقبلون على الطعام إضافة إلى شكولاتة يصل سعرها لـ1000 جنيه للعلبة الواحدة ونضطر لشرائها لأنهم في نهاية المطاف أطفال محرومون من كل ما هو طبيعي، إضافة إلى إجراء تحليل شهري بـ300 جنيه.
وأكد جبر الذي يعمل فني مساعد بأحد مصانع الملابس الجاهزة في العاشر من رمضان وتعمل زوجته أخصائية نفسية في إحدى المدارس الخاصة، أن مرتبه ومرتب زوجته لا يزيد عن 6 آلاف جنيه شهريا، وهو ما اضطره لشراء سيارة ملاكي يدفع أقساطها والعمل عليها فترة مسائية، لكي يستطيع الوفاء بالمتطلبات الأساسية لأبنائه مصابي سوء التمثيل الغذائي وسداد أقساط السيارة وإيجار الشقة، لكن في أغلب الأحيان يعجز عن توفير تلك المتطلبات .
مستشفى الدمرداش
وقالت “منى. ح” أم لطفل يبلغ من العمر ثلاث سنوات ويعاني من المرض: إن "دولة العسكر لا تنظر بعين الرحمة لآباء وأمهات وأطفال يموتون يوميا من الجوع".
وأضافت منى ، فقدت طفلة من قبل بسبب عدم قدرتي على الوفاء بمتطلباتها من التغذية المناسبة، خاصة وأني اكتشفت إصابتها بمرض سوء التمثيل الغذائي بعد فترة طويلة، لافتة إلى أنها كانت تذهب لمطبخ الـ ”pku” بمستشفى الدمرداش لتحصل على وجبة أو اثنين، لكن الوجبات كانت سيئة للغاية، ولا يوجد أي إشراف عليها وكنت أقضي يوما كاملا وأنا في يدي طفلتي التي ماتت وعلى كتفي شقيقها أمام المستشفى للحصول على وجبة ترفض الحيوانات الضالة أن تأكلها لكني كنت مضطرة لذلك .
وتساءلت، كيف يمكن لأسرة بها طفلان مصابان بالمرض أن توفر كيس مكرونة واحد لا يزيد عن 250 جرام وتدفع 300 جنيه، ولا يكفي الطفل سوى يوم واحد.
مساعدات
وقالت نيرمين إيميل والدة طفل مصاب بمرض سوء التغذية: إنها "تتفنن في تحضير أطعمة الأطفال المصابين، حتى توفر لطفلها والآلاف من الأطفال أغذية صحية تتناسب معهم، مؤكدة أنها أصبحت قبلة للأسر التي تعاني من غياب الأغذية لأطفالهم".
وأوضحت "نرمين” في تصريحات صحفية أنها قررت أن تحصل على مكونات الأطعمة المناسبة لمرضى سوء التمثيل الغذائي عن طريق علاقتها بمصريين وعرب بالخارج، حيث يتعاطف بعض الأشخاص مع حالنا فيقومون بتوفير المكرونة والأرز والألبان وحتى الشكولاتة التي تخلو من الدهون، ويرسلونها لنا وبالطبع نتحمل أسعار الشحن والمكونات الأساسية، وهو ما يرفع من أسعار الوجبات على الأسر، لكنني أحاول أن أوفر وجبات تتماشى مع الظروف الاقتصادية لأغلب الأهالي.
لبن ودقيق وأرز
وقال محمود أبو الوفا، عامل باليومية يتقاضى ما يقرب من 3000 جنيه شهريا، أب لطفلة ثلاث سنوات مصابة بمرض سوء التمثيل الغذائي : "أضطر للتغيب عن العمل يومين في الشهر لكي أحصل على 8 علب من اللبن وكيلو دقيق وأرز ومكرونة، وأغلب الأوقات لا يوجد الدقيق أو الأرز، واضطر للذهاب يوم أخر انتظر من الساعة الثامنة صباحا حتى الخامسة مساء".
وأضاف أبو الوفا في تصريحات صحفية، لا أحد يشعر بمعاناة أن يبكي طفلك ليحصل على قطعة خبز تأكلها، أو قطعة شكولاتة في يد طفل آخر، وأنت تقف عاجزا تماما عن إقناع الطفل بأنه مريض وأن ما يرغب به قد يعرضه للموت، وما يزيد من الطين بلة أنك لا تستطيع توفير بدائل نتيجة لانخفاض الدخل، حيث توجد بدائل لكل ما يشتهيه الطفل لكننا ماديا لا نقوى على ذلك .
وأكد أن تكلفة أكل يتناسب مع حالة ابنته المصابة تقارب الـ 2000 جنيه وهو ما يزيد عن نصف دخله، موضحا أن هناك مشكلة أخرى حتى مع توفير العناصر الأساسية وهو عدم معرفة أغلب الأمهات بطريقة طهو الطعام بطريقة صحية.
وطالب أبو الوفا بأن تكون هناك منافذ في كافة المحافظات لصرف وجبات تكفي الأطفال المصابين لمدة شهر على الأقل، وتحديد مواعيد تتناسب مع طبيعة عمل الآباء، إضافة إلى تحمل صحة الانقلاب نفقات التحليل الشهري الذي يجرى في المعامل المركزية والتي تمثل عبئا على كاهل الأسر.