مع الارتفاع الكبير الذي تشهده معدلات التضخم بسبب السياسات الفاشلة التي تتبناها حكومة الانقلاب، توقع خبراء اقتصاد أن تواصل معدلات التضخم بأسعار المستهلكين، ارتفاعها خلال الربع الأخير لعام 2023، إلى مستويات قياسية جديدة، تصل إلى 45%، مدفوعة بزيادة أسعار الحبوب والأعلاف والوقود والكهرباء والنقل، واستمرار التراجع بقيمة الجنيه مع صعود السعر الرسمي للدولار، وتراجع صافي تحويلات المغتربين والصادرات البترولية والسلعية.
وأكد الخبراء أن حكومة الانقلاب لم تعد قادرة على التحكم في مسار عوائد قطاع السياحة، والبنوك والمؤسسات الرسمية، لافتين إلى أن هناك حالة من التشاؤم، بين المستثمرين والسياسيين والخبراء .
وطالبوا بوقفة حاسمة ضد فشل حكومة الانقلاب في السيطرة على الغلاء والتدهور الاقتصادي في ظل أزمة صنعتها بأيديها، أثرت على معيشة المواطنين وأطفأت نور الأمل أمام الشباب بغد مشرق .
كان جهاز التعبئة والإحصاء كان قد كشف عن ارتفاع بمعدل التضخم السنوي، إلى 38.2%، لشهر يوليو 2023، مشيرا إلى ارتفاع أسعار الملابس والأحذية بنسبة 23.9% والمسكن والمياه والكهرباء والغاز والوقود 6.9%، والأثاث والتجهيزات والمعدات المنزلة والصيانة 41.5%، والرعاية الصحية وخدمات المرضى والمستشفيات 22.6%، والمواصلات 16.5%، وشراء المركبات 37.3%، والاتصالات السلكية واللاسلكية 1.5%.
وأكد الجهاز ارتفاع أسعار الخدمات الثقافية والترفيهية والكتب والأدوات الكتابية، والرحلات السياحية بنسبة 29.4%، والخدمات التعليمية 7.7%، والمطاعم والفنادق والوجبات الجاهزة 50.6%، ومجموعة العناية والأمتعة الشخصية 29.7%.
مستويات قياسية
من جانبها حذرت وكالة بلومبرج الأمريكية من أن قراءة التضخم في مصر تتسارع مرة أخرى مع اقتراب تعويم جديد للجنيه، إذ تسارع التضخم في مصر إلى مستوى قياسي آخر، مع ارتفاع جديد في أسعار المواد الغذائية، مما زاد الضغط على البلد الذي يعاني من ندرة العملة الأجنبية.
وأضافت بلومبرج، ارتفعت أسعار المستهلكين في المناطق الحضرية من البلاد بنسبة سنوية بلغت 36.5٪ في يوليو، مقارنة بـ 35.7٪ في الشهر السابق، وفقًا للأرقام الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، وعلى أساس شهري، بلغ التضخم 1.9٪ مقارنة مع 2.1٪ في يونيو.
وأضافت، تجاوز معدل التضخم الرئيسي الآن المستوى الذي وصل إليه في أعقاب أزمة العملة المصرية عام 2016 رغم التأثير الأساسي الإيجابي للبيانات الاقتصادية، وشهدت الأسواق زيادة 68.4٪ في تكاليف الأغذية والمشروبات، وهو أكبر عنصر منفرد في سلة التضخم.
وأشارت بلومبرج إلى أن التضخم الآن في طريقه للبقاء فوق عتبة 30٪ لبقية هذا العام قبل حدوث انخفاض حاد محتمل حتى عام 2024 .
أسعار السلع
وقالت المحللة الاقتصادية حنان رمسيس: إن "أسعار التضخم ارتفعت إلى أعلى مستويات على الإطلاق في يوليو الماضي، مشيرة الى أن ذلك يرجع إلى ارتفاع حاد وغير مسبوق في أسعار السلع والمواد الغذائية الأساسية كالقمح والأرز والسكر بناء على أزمات عالمية وجيوسياسية أدت إلى خروج روسيا من اتفاقية الحبوب العالمية وامتناع العديد من الدول كالهند والبرازيل عن تصدير الأرز والسكر، إلا بعد تحقيق الاكتفاء الذاتي الداخلي، مما أثر على ارتفاع أسعار تلك السلع عالميا".
وأشارت حنان رمسيس في تصريحات صحفية إلى أن حكومة الانقلاب تحاول تدبير احتياجاتها من تلك السلع بطريقة أو بأخرى بتلك الأسعار العالمية من خلال الزراعة ومن خلال قروض يتم اقتراضها لهذا الغرض، وهذا الارتفاع والتضخم أدى إلى اتجاه لجنة سياسات البنك المركزي في اجتماعها الأخير لرفع أسعار الفائدة 100 نقطة أساس.
وتابعت، إلى جانب التحديات العالمية المؤثرة على ارتفاع التضخم هناك أسباب داخلية تتعلق بالنمو السكاني وزيادة التعداد السكاني ، وكذلك زيادة اعداد الوافدين لمصر بسبب الأزمات السياسية وحالة الحرب المتواجدة في العديد من الدول المجاورة.
وأوضحت، لتقليص الفجوة في الأجل القصير لابد أن تلجأ البلاد إلى الاستيراد من الخارج وتوفير احتياجاتها المالية من خلال الإجراءات المصيرية كإصدار سندات عالمية بأسعار فائدة مرتفعة، والاقتراض من صندوق النقد الدولي والذي اصبح مرفوض عند المصريين، بسبب الاجراءات الاقتصادية المواكبة لهذا القرض والتي تلتزم بها دولة العسكر أمام الصندوق ومنها التعويم، لضمان سعر صرف حر للعملة المحلية أمام الدولار وهو الحل الأكثر صعوبة والذي يؤدي إلى المزيد من انخفاض القيمة الشرائية للنقود والتي تؤدي إلى مزيد من التضخم.
وأشارت إلى أنه حتى تستطيع مصر الخروج من نفق التضخم المظلم عليها انتهاج سياسات متكاملة مثل زيادة الرقعة الزراعية، والدخول في اتفاقيات غذائية مع الدول المنتجة لدعم أعداد اللاجئين والذين هم في زيادة مستمرة، والتوسع في زيادة السلع التي يتم تداولها في بورصة السلع وفي اتفاقيات العقود الآجلة، والتعاون بين مصر والدول المنتجة للسلع الغذائية وعقد اتفاقيات بينية بعملة البلدين للحفاظ على قيمة العملة المحلية، والاتجاه إلى نظام المقايضة والتبادل السلعي للخروج من أزمة ارتفاع التضخم، وتجنب أي قروض جديدة لتمويل شراء السلع الأساسية، والاتجاة إلى التصدير للسلع التي اثبتت مصر نجاحها في تصديرها.
الضغوط التضخمية
وقال المحلل الاقتصادي فاروق سوسة: إن "البيانات تشير إلى أن الضغوط التضخمية أكثر ثباتا إلى حد ما مما توقعنا سابقا، وأن مؤشر أسعار المستهلكين الرئيسي قد لا يبلغ ذروته حتى وقت لاحق في الربع الثالث".
وأضاف سوسة في تصريحات صحفية أن تسارع التضخم في الشهور الثلاثة الاخيرة يفسر القرار المفاجئ الذي اتخذه البنك المركزي المصري الأسبوع الماضي برفع سعر الفائدة الرئيسي بمقدار 100 نقطة أساس إلى 19.25٪، إذ يرى مسؤولو السياسة النقدية أن الزيادات في أسعار المستهلكين تبلغ ذروتها في النصف الثاني من عام 2023 قبل بدء مسار إزالة التضخم نحو المستوى المستهدف، ويستهدف البنك المركزي التضخم بمتوسط 7٪، زائد أو ناقص نقطتين مئويتين، بحلول الربع الرابع من عام 2024 و5٪، زائد أو ناقص نقطتين مئويتين في المتوسط بحلول الأشهر الثلاثة الأخيرة من عام 2026.
وأشار إلى أن التضخم المصري يتحمل وطأة ثلاثة تخفيضات في قيمة الجنيه منذ أوائل عام 2022 ساعدت في الحصول على قرض من صندوق النقد الدولي بقيمة 3 مليارات دولار وكان رفع سعر الفائدة غير متوقع لأن معظم المحللين اعتقدوا أن سلطات الانقلاب ستوقف تشدد السياسة النقدية حتى تقوم ببناء احتياطيات واسعة النطاق للعملات الأجنبية، بما في ذلك من خلال برنامج مبيعات الأصول الحكومية، وعندها فقط ستجري تعديلًا آخر للعملة.
وأوضح سوسة أن الجنيه ظل مستقرا عند 30.9 للدولار في البنوك لشهور ويتم تداوله حول 38 في السوق السوداء، مؤكدا أن احتمال تعميق ضعف العملة هو الخطر الرئيسي على توقعاته للتضخم المصري، ويشكل نقص الطاقة المحلي تهديدا آخر للعملة المحلية إذا أدى إلى زيادة الطلب على العملات الأجنبية من خلال طلب واردات وقود إضافية.
دائرة مغلقة
ووصف حسن الشافعي نائب رئيس جمعية رجال الأعمال المصريين، أزمة التضخم المتصاعدة، بأنها الدائرة المغلقة التي وقعت بها البلاد، في ظل تراجع الإنتاج والصادرات وعدم قدرة الاقتصاد على توليد موارد بالدولار، وبالتالي زيادة الفجوة بين المصروفات وإيرادات دولة العسكر التي تصل إلى 20 مليار دولار سنويًا، وقد ترتفع إلى 25 مليار دولار عام 2024 وسط عدم اتباع سياسات اقتصادية واضحة تهتم بالتنمية الاقتصادية ورفع معدلات النمو .
وقال الشافعي في تصريحات صحفية: إن "التضخم سيظل قائما ويتصاعد، طالما ارتضينا البقاء في حفرته العميقة دون اتخاذ إجراءات عملية للخروج منها والاعتماد على مشورة العلماء وخبرة الخبراء، والابتعاد عن الفهلوة وإقامة مشروعات غير مدروسة" .
وحذر من أن التضخم يقود إلى صدمات بارتفاع السلع المستوردة والمحلية، كما يرسم صورة قاتمة للاقتصاد تشل قدرة الشركات على رفع مستوى الإنتاجية مع زيادة الركود في الطلب، وبالتالي تحد من قدرتهم على مواجهة الزيادة في تكاليف الإنتاج، وتحقيق أرباح تعوض الحد الأدنى من معدلات التضخم بالسعر الأساسي، والتي بلغت 41%، كما تشل كذلك قدرة المستهلكين على توفير احتياجاتهم الأساسية من السلع والخدمات.