تحمل الأنباء التي تؤكد أن السلطات المكسيكية عثرت الأربعاء 16 أغسطس 2023م على 129 مصريا بينهم طفلان على متن حافلة بداخلها 137 مهاجرًا غير نظامي، دلالات شديدة الخطورة؛ فالمصريون يفضلون الغربة والموت غرقا على حياة الغلاء والجحيم في مصر تحت حكم العسكر وجنرالات الانقلاب.
وكانت وكالة الهجرة الفيدرالية بالمكسيك قد تلقت اتصالَا يفيد بموقع الحافلة في منطقة فيراكروز، حيث تم العثور على المهاجرين دون أوراق ثبوتية، بحسب بيان المعهد الوطني المكسيكي للهجرة. وأشارت وسائل إعلام مكسيكية، إلى ارتداء كل شخص من المهاجرين لسوار يحمل اسمه، ما اعتبرته دليلًا على جماعات التهريب التي تستخدم تلك السوارات عادة.
هذه الأعداد من المصريين الراغبين في الهجرة غير الشرعية إلى بلاد أخرى وخصوصا المكسيك لم تكن المرة الأولى؛ ففي مطلع أغسطس 2023م، عثر المعهد الوطني المكسيكي للهجرة على 89 مهاجرًا من بينهم 79 من مصر، تخلى عنهم المهربون أيضًا في حافلة بنفس الولاية، وارتدوا أيضًا نفس سوارات التعريف. وتعتبر المكسيك وجهة لآلاف المهاجرين للوصول إلى الولايات المتحدة عبر حدودها الطويلة مع المكسيك.
وفي يوليو الماضي "2023" انتشرت فيديوهات عديدة على صفحات إعلاميين وصحافيين ليبيين حول تخلص 250 مصريا أغلبهم من محافظة الشرقية من أيدي مهرّبين، وبينهم عدد لا بأس به من الأطفال تحت الثامنة عشرة. ما يثير القلق أن هذه الأعداد الغفيرة من قرية واحدة، وما يثير القلق أكثر أن العديد من هؤلاء المصريين لا يريدون العودة، وإنما إكمال مشوار الهجرة إلى أوروبا، أو تفضيل البقاء في ليبيا على العودة إلى مصر التي لم تعد الأجور فيها تُبقيك على قيد الحياة. وما يثير الألم حقا أن كل واحد منهم دفع نحو 9 آلاف يورو (280 ألف جنيه مصري) من أجل الهروب من مصر نحو أوروبا أو أمريكا، عبر دروب التهريب الأصعب والأكثر خطورة، معرضين أنفسهم للموت غرقا على حياة الجحيم في مصر تحت حكم جنرالات الانقلاب.
وفي ليل 13-14 يونيو 2023م، غرق قارب صيد قديم يحمل اسم "أدريانا" وينقل عدداً كبيراً من المهاجرين (يقدّر عددهم ما بين 400 و750 مهاجراً)، بعدما أبحر من ليبيا. وقد قضى فيه 82 شخصاً على أقلّ تقدير وفُقد المئات معظمهم من المصريين، في واحد من أكبر حوادث غرق مراكب الهجرة إلى أوروبا. يقول والد أحد المصريين الذين كانوا على متن القارب لوكالة "فرانس برس"، إنّ "المرّة الأخيرة التي تحدّثت فيها مع ابني كانت مساء السابع من يونيو، وحينها أخبرني بأنّهم سوف يبحرون" بعد يومَين. أضاف الرجل الذي طلب عدم الكشف عن هويته: "أنا لا أعرف إلا أنّه كان على متن قارب متجه إلى إيطاليا مثلما يفعل عدد كبير من أصدقائه في القرية"، في إشارة إلى قرية النعامنة. وتابع بأسى: "لم نتوصّل إلى أيّ شيء حتى الآن ولم يتواصل أحد معنا منذ 15 يوماً". يُذكر أنّ ابنه قاصر ولا يبلغ من العمر إلا 14 عاماً.
في تقرير أصدرته الوكالة الأوروبية لحرس الحدود والسواحل (فرونتكس) في 16 يونيو2023، أفادت بأنّه "منذ بداية العام الجاري وحتى الآن، ما زال وسط البحر الأبيض المتوسط الطريق الأكثر نشاطاً إلى الاتحاد الأوروبي". أضافت أنّ "أكثر من 50 ألف عملية رصد (لمهاجرين غير نظاميين) أبلغت عنها سلطات وطنية". لكنّ ثمّة راغبين في الهجرة ينجحون في الوصول إلى وجهتهم، بعد خوضهم رحلات محفوفة بالمخاطر. وفي العام الماضي، مثّل المصريون واحداً من بين كلّ خمسة مهاجرين وافدين إلى إيطاليا بهذه الطريقة (20% من المهاجرين غير الشرعيين إلى أوروبا مصريون)، بحسب بيانات وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء. وأوضحت الوكالة أنّ ثلث الذين وصلوا إلى ايطاليا في عام 2022 من الأطفال، بمفردهم أو منفصلين عن ذويهم، كانوا مصريين.
وأعادت الوكالة أسباب بحث المصريين عن الهجرة إلى "العوامل الاقتصادية والبحث عن عمل"، خصوصاً في ظلّ أزمة اقتصادية تعاني منها مصر بسبب نقص النقد الأجنبي وارتفاع معدّل التضخم. كما لفتت إلى أنّه "من المحتمل أيضاً أن يكون وضع حقوق الإنسان في البلاد عاملاً مؤثّراً لمهاجرين مصريين كثيرين راغبين في السفر إلى الاتحاد الأوروبي"، متحدثةً عن قلق المنظمات الحقوقية "بشأن القيود المفروضة على حرية التعبير وسوء أوضاع السجون وحالات الإخفاء القسري".
ويعزو آخرون أسباب تزايد معدلات الهجرة غير الشرعية من جنوب المتوسط إلى شماله، إلى التدخل الغربي في شئون الدول العربية الإسلامية وإفساد هذه الدول من خلال دعم حكومات مستبدة والحيلولة دون قيام نظم ديمقراطية رشيدة، وبالتالي فزيادة موجات الهجرة غير الشرعية يعود إلى سياسات الدول الغربية التي أدت إلى إفقار الدول؛ بسبب النهب المتواصل للثروات ومساندة الحكومات الفاسدة والمستبدة التي تحقق أهداف الأوربيين والأمريكيين، أو بتخريب الدول بالغزو والاحتلال كما في العراق وأفغانستان وسوريا، أو بإشعال الحروب الأهلية والطائفية كما جرى في ليبيا واليمن والسودان. ويكفي أن نعلم أن دولة مثل فرنسا التي تقود الآن الجهود الأوربية وتساند اليونان في ممارساتها المروعة لوقف المهاجرين أفسدت نصف قارة إفريقيا، وما زالت تستنزف الاقتصاد في تونس والجزائر والمغرب، وتنهب أكثر من 14 دولة إفريقية، وتستولي على 65% من احتياطاتها النقدية، وتطبع لها العملة (الفرنك الإفريقي) التي يتعامل بها شعوب تلك الدول لتضمن استعبادهم إلى الأبد.
ويرى الصحفي عامر عبدالمنعم أن موجات الهروب من جنوب المتوسط إلى أوربا ردّ طبيعي على سرقة الموارد، ونتيجة الاحتلال العسكري المباشر، ومن غير المقبول أن يكون الموت هو عقوبة الأبرياء الذين ضاقت بهم السبل فبحثوا عن لقمة العيش في أرض الله الواسعة، فمنذ عام 2014 وحتى 2020 -حسب المنظمة الدولية للهجرة- لقي نحو 50 ألف شخص مصرعهم وهم يحاولون الهجرة، وكثيرون منهم أثناء محاولة عبور البحر المتوسط!