تصريحات جنرال الانقلاب عبدالفتاح السيسي السبت 19 أغسطس 2023م مع طلاب "الأكاديمية العسكرية"، تؤكد أن الجنرال حسم أمره بالترشح في مسرحية الرئاسة المرتقبة، وأنه يحشد جميع مؤسسات الدولة خلفه من أجل تمرير هذه المسرحية بتنصيبه لفترة ثالثة تجعله على رأس البلاد حتى منتصف 2023م.
استهدف السيسي بتصريحاته التهرب من المسئولية عما آلت إليه أوضاع البلاد من بؤس وفقر وغلاء وإفلاس وإغراقها في مستنقع الديون والقروض الباهظة حتى فاقت فوائد خدمة الديون (الربا + أقساط الديون المستحقة) وفق أرقام الموازنة المصرية للعام الجاري (2023/2024)، جميع موارد الدولة؛ فالموازنة الجديدة، تُظهر توجيه 56% من الاستخدامات إلى مخصصات سداد القروض والفوائد(الربا)، وفي المقابل، يمثل الاقتراض 49% من الموارد. وبحسب مشروع الموازنة ا يصل مجموع مخصصات الفوائد وسداد القروض معًا إلى «2.435 تريليونا» (تريليونين و435 مليار جنيه)، من ضمنه تريليون جنيه و120 مليار موجهة للفوائد وتريليون و315 مليار جنيه للأقساط. بينما تبلغ جميع إيرادات الدولة المتوقعة نحو (2.1) تريليون جنيه! وحتى ندرك أبعاد المشكلة فإن القروض المتوقعة في الموازنة تقدر بنحو 2 تريليون و140 مليارا و4 ملايين جنيه! بمعنى أن السيسي يحتاج إلى اقتراض نحو (70 مليار دولار خلال العام المالي الجاري).
كما يستهدف بها التأكيد على أنه سوف يترشح في مسرحية الرئاسة المرتقبة؛ يقول السيسي مدافعا عن نفسه وسياساته العشوائية: «"الحكومة تعمل حالياً على مجموعة من الإجراءات التي تستهدف تخفيف آثار الأزمة الاقتصادية"، مضيفا: "هذه الأزمة نعاني منها جميعاً، ونحن لسنا السبب فيها، لأنها ارتبطت بظروف عالمية مثل جائحة كورونا، والحرب الروسية الأوكرانية، وتداعيات ذلك على الاقتصاد العالمي". وتابع: "نعمل على استصلاح حجم ضخم من الأراضي.، سواء في الدلتا الجديدة أو توشكى أو شرق العوينات أو سيناء، بمساحة إجمالية تصل إلى 3 ملايين فدان، وصولاً إلى حجم غير مسبوق من الإنتاج الزراعي في فترة ليست طويلة. وأشار إلى أن "الدولة تعمل على إيجاد حلول نهائية للأزمة الاقتصادية الراهنة، ولدينا خطة طموحة للاقتصاد والصناعة وتوفير مستلزمات الإنتاج، وتقليل فاتورة الاستيراد عن طريق بدائل أخرى، وإنتاج مصري يغطي مطالب هذه المستلزمات والمنتجات اليومية". وتابع أنه "توجد أزمات في بعض دول الجوار مثل ليبيا والسودان، وهذه الأزمات لها تأثير علينا كذلك".
ولا ينسى المصريون أن السيسي وعدهم مرارا وتكرارا بالرغد والرفاهية رغم أنه حصول على مساعدات تزيد على "100" مليار دولار على مدار السنوات العشر الماضية بخلاف القروض التي أغرق فيها البلاد؛ فلم يحصدوا من كلامه وسياساته سوى الجوع والغلاء والفقر والقمع الأمني. فزادت نسبة الفقراء من 30% إلى نحو 70% حاليا.
ترتيبات المسرحية
وحسب صحيفة "العربي الجديد" اللندنية، نقلا عن مصدر حكومي مطلع، فإن «أجهزة الدولة بدأت الاستعدادات الرسمية الخاصة بالعملية الانتخابية. وهناك "تعليمات رسمية" صدرت مؤخراً للحكومة، ببدء التجهيزات اللوجستية للانتخابات الرئاسية»، كاشفاً عن أنه "جرى التوافق داخل دوائر صناعة القرار، على أن تجرى الانتخابات قبل نهاية العام الحالي". ومن المقرر ــ حسب المصدر ـ أن يتم البدء بالإجراءات الرسمية، وفتح باب الترشح للانتخابات منتصف سبتمبر/أيلول المقبل، على أن يبدأ التصويت في ديسمبر المقبل (2023)، لافتاً إلى أن "كافة المؤشرات تقود إلى أن السيسي سيعلن بشكل رسمي خوضه الانتخابات، مطلع الأسبوع الأول من سبتمبر المقبل". وأرجع المصدر الحكومي مسألة "تبكير الانتخابات" إلى كون الأوضاع الاقتصادية الراهنة، وما ترتبط به من تطورات إقليمية، "لن تتحمل السير بإجراءات مؤقتة، وفي حاجة إلى خطة متوسطة المدى، يتم الإعلان عنها من جانب الرئيس المقبل".
وهذه التسريبات تكشف أن يد السيسي مغلولة حاليا في اتخاذ خطوات مؤلمة على الفقراء ترجمة لشروط صندوق النقد الدولي، وأنه بصدد تخفيض قيمة الجنيه مرة خامسة وفرض المزيد من الضرائب والرسوم على المواطنين لكنه يخشى عواقب ذلك قبل مسرحية الرئاسة. وبمجرد تمرير المسرحية فإن قيمة الجنيه أمام الدولار قد ترتفع من 31 جنيه حاليا، إلى أكثر من "40" جنيها.
رشاوى انتخابية
وفي سبيل تمرير المسرحية على نحو جيد في ظل تآكل شعبية الجنرال إلى الحضيض؛ يتجه السيسي إلى تقديم بعض الرشاوى للمواطنين علها تسهم في تخفيف حدة الغلاء والاحتقان الشعبي المستمر والمتواصل منذ نوفمبر 2016م، ومنها وقف إجراءات تعويم الجنيه، لحين تمرير المسرحية بسلام، وتأجيل زيادة شرائح الكهرباء والتي كانت مقرر من يوليو الماضي "2023" رغم انتهاء دعم الكهرباء منذ موازنة 2019م.
ويرى أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الأميركية بالقاهرة، سعيد صادق، أن الحملة الانتخابية للسيسي بدأت في إبريل الماضي "2023" حين حضر احتفالا جماهيريا وتم توزيع كراتين سلع غذائية كمساعدات على المحتاجين في ظل الظروف الاقتصادية التي لم يسبق لها مثيل في تاريخ مصر الحديث، رغم أنه كان في ذلك الحين، في حالة صمت حيال ترشحه مرة أخرى للانتخابات". وحسب صادق فإن "الدولة بكل أجهزتها، تعمل على دعم السيسي، ولا يمكن لها أن تدعم شخصية أخرى من خارج الجيش المصري، لأن في ذلك فقدان لمصالحها. وكذلك لا يمكن استبدال جنرال بجنرال جديد من الجيش، حيث إن ذلك لا يعني شيئاً في المعادلة القائمة، وبالتالي سيبقى السيسي مرشح الدولة وأجهزتها في هذه الانتخابات". ويرى صادق أن "الانتخابات المقبلة، لن تختلف كثيراً عن سابقاتها، فتاريخياً لا يفوز في الانتخابات إلا من هو في الحكم، في ظل استغلال كل أوراق القوة".
ومن الرشاوي التي قدمها السيسي أيضا، العفو عن بعض نشطاء التيار العلماني؛ حيث أفرجت وزارة الداخلية بحكومة الانقلاب عن الناشط أحمد دومة السبت 19 أغسطس، وذلك تنفيذًا للقرار الرئاسي رقم 348 لسنة 2023 بالعفو عن خمسة من المحكوم عليهم بأحكام نهائية، ومن بينهم دومة، كما امرت نيابة أمن الدولة العليا، أمس، بإخلاء سبيل 30 محبوسًا احتياطيًا على ذمة عدة قضايا، حسبما أعلن المحامي خالد علي. وكان يتبقى لدومة خمس سنوات من أصل 15 سنة سجن صدر بها حكم نهائي بحقه في قضية «أحداث مجلس الوزراء»، بالإضافة إلى غرامة ستة ملايين جنيه. وسبق أن أصدر السيسي في يوليو قرارا بالعفو عن الباحث باتريك جورج زكي، بعد الحكم عليه بالحبس ثلاث سنوات، بتهمة «إشاعة أخبار كاذبة بالداخل والخارج» والمحامي محمد الباقر، الذي قبض عليه أثناء حضوره استجواب موكله المدون علاء عبد الفتاح 2019، فيما قررت النيابة العامة في أوائل الشهر الجاري إخلاء سبيل 33 محبوسًا احتياطيًا، كان من ضمنهم رجل الأعمال والخبير الاقتصادي، عمر الشنيطي، والمحامي يوسف منصور، وعضو حركة شباب 6 أبريل، أحمد حسنين.
في المقابل، أصدرت محكمة جنايات أمن الدولة العليا، السبت 19 أغسطس، برئاسة المستشار محمد السعيد الشربيني، أحكاماً مشددة على القائم بأعمال المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين محمود حسين، وعضو شورى الجماعة مدحت الحداد و18 مصريا آخرين، بدعوى "تمويل الإرهاب". وقد قضت المحكمة بالسجن المؤبد 25 سنة على 14 مصريا، كما قضت بالسجن المشدد 15 سنة على 3 آخرين، والسجن المشدد 10 سنوات على 3 غيرهم. في تأكيد على أن الجنرال ماضي في خطه الاستبدادي حتى النهاية المحتومة.