قلل خبراء الموارد المائية من أهمية مفاوضات سد النهضة التي انطلقت في القاهرة أول أمس، مؤكدين أنها لن تتوصل إلى أي نتيجة خاصة بعد أن حققت أثيوبيا كل أهدافها وقاربت على الانتهاء من ملء خزانات السد، وفي نفس الوقت ترفض توقيع أي اتفاق ملزم لمشاركة كل من مصر والسودان في إدارة سد النهضة .
كان هاني سويلم وزير الموارد المائية والري بحكومة الانقلاب، قد زعم على هامش المفاوضات أهمية التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم بشأن قواعد ملء وتشغيل سد النهضة، يراعي مصالح وشواغل الدول الثلاث .
وطالب «سويلم» في تصريحات صحفية أثيوبيا بالتوقف عن أية خطوات أحادية في هذا الشأن، معتبرا أن استمرار ملء وتشغيل السد في غياب اتفاق يعد انتهاكا لاتفاق إعلان المبادئ الموقع عام 2015 وفق تعبيره.
كما زعم ، إيمان نظام الانقلاب بوجود العديد من الحلول الفنية والقانونية التي تتيح تلبية مصالح الدول الثلاث، والتوصل للاتفاق المنشود بحسب تصريحاته.
إثيوبيا
يشار إلى أن إثيوبيا نجحت في تخزين المليار التاسع، ضمن الملء الرابع، ووصل منسوب بحيرة سد النهضة إلى 611 مترا فوق سطح البحر خلال الأربعة أسابيع الماضية، ليصبح إجمالي التخزين حوالي 26 مليار متر مكعب.
ويتوقع أن تمتد عملية التخزين حتى شهر سبتمبر المقبل، بحسب تصريحات رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد، والذي زعم أن مراحل الملء الثلاث السابقة لم تؤثر على دول حوض النهر، وأن عمليات الملء الأخرى لن تكون مختلفة عن سابقاتها وفق تعبيره .
وقال آبي: إن "بلاده ملتزمة أثناء الملء المقبل للسد بعدم إلحاق ضرر فادح بمصر والسودان، وكذلك بما يوفر الاحتياجات المائية لكلا البلدين".
اتفاق ملزم
من جانبه حذر الدكتور عباس شراقي أستاذ الموارد المائية بجامعة القاهرة، من مواصلة أثيوبيا ملء خزانات سد النهضة بقرارات آحادية، وعدم توقيعها اتفاق ملزم بمشاركة كل من مصر والسودان في إدارة السد وتشغيله.
وتوقع شراقي في منشور له على صفحته الشخصية على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك أن يصل منسوب الملء الرابع إلى 625 مترا للممر الأوسط، مؤكدا أن جميع المياه التي يتم تخزينها هي من التدفق المفترض وصوله إلى مصر، وسوف يعود منها حوالي 10 مليارات م3 خلال الأشهر العشرة القادمة نتيجة فتح بوابتي التصريف وتشغيل توربين أو اثنين لعدة ساعات يوميا.
وأكد أن تعويض مياه التخزين في سد النهضة يكلف دولة العسكر عشرات المليارات من الجنيهات (7-10 مليارات جنيه/مليار م3)، منتقدا ادعاءات إثيوبيا بأن التخزينات لم ولن تضر مصر .
وأعرب عن استنكاره لما تروجه أثيوبيا، موضحا أن مفهوم الضرر عندها هو أن يموت الإنسان المصري عطشا أو جوعا، وهذا لم ولن يحدث بفضل السد العالي، موضحا أنه سوف يتم تعويض المزارعين من مخزون السد العالي حتى لا يتأثروا من نقص الإيراد السنوي .
وأشار شراقي إلى أنه في نفس الوقت يتم معالجة جزء من مياه الصرف الزراعي من خلال بعض محطات المعالجة، وتحديد مساحة الأرز، واستبدال جزء من قصب السكر بمحصول بنجر السكر، والتوسع في بناء الصوب الزراعية لتوفير المياه، وتطوير الري الحقلي في الوادي والدلتا، وتبطين بعض الترع، كل ذلك لتعويض جزء من المياه التي تخزنها إثيوبيا وكانت من قبل تتجه إلى مصر.
ضرر بالغ
وكشف الدكتور محمد حافظ خبير هندسة المياه والسدود أن إثيوبيا تعمل من أجل أن تستكمل الملء الخامس نهاية سبتمبر 2024, وهذا يعني تخزينها هذا العام (27 مليار متر مكعب تخزين حي) + (3 مليارات متر مكعب فواقد) أي إجمالي (30 مليار متر مكعب) + (4 مليارات متر مكعب بدلا عن ما تم تصريفه لمصر أثناء تجفيف الممر) وهذا يجعل ما تم تخزينه في الملء الرابع عند منسوب (625) فوق سطح البحر يعادل (34 مليار متر مكعب)، مؤكدا أن الملء الخامس سيعادل قرابة 35 مليار متر مكعب.
وحذر حافظ في تصريحات صحفية من حجم الضرر البالغ الذي سيلحق بمصر والسودان، موضحا أنه يوم اكتمال الملء الخامس ستكون إثيوبيا قد خزنت خلال عامي 2023 و2024 قرابة (70 مليار متر مكعب) ولو افترضنا أن الزراعة المصرية تحتاج (5 مليارات متر مكعب) لري (1 مليون فدان سنويا) فهذا يعني حرمان القطاع الزراعي من قرابة (70 مليار متر مكعب) أي حرمان قرابة (14 مليون فدان من مياه الري على مدار عامين) أي حرمان 7 ملايين فدان من الري لكل عام.
وأوضح أنه إذا كان كل فدان بمصر يوفر غذاء لقرابة (100 مواطن على مدار العام) فهذا يعني احتياج دولة العسكر لاستيراد كمية من الغذاء سنويا تعادل إنتاج (7 ملايين فدان) مشيرا إلى أن الواقع يؤكد أن دولة العسكر لن تحتاج للجوء لهذا الأمر هذا العام أو العام القادم، حيث أن بحيرة ناصر تحتوي اليوم على قرابة 127 مليار متر مكعب منها جزء في التخزين الميت وقرابة (90 مليار متر مكعب في التخزين الحي) يكفي الزراعة المصرية حتى نهاية عام 2024 مع الإضافات التي تأتي من نهر (عطبرة والنيل الأزرق) ولكن بعد نهاية عام 2024 ستكون بحيرة ناصر عند منسوب يقارب المنسوب (الميت) الذي لا يمكن الاستفادة منه .
كميات المياه
وأكد الإعلامي المتخصص في الشأن الزراعي، جلال جادو، أن هناك الكثير من أوجه الضرر المادي سواء على الزراعة والفلاحين من جهة أو على دولة العسكر والمواطنين من جهة أخرى، مشيرا إلى أن هذا الضرر بدا واضحا منذ بدء عملية التخزين قبل أكثر من عامين؛ لأنه اقتطع جزءا كبيرا من تدفقات نهر النيل إلى مصر والسودان، وبالتالي حرمهما من كميات مهمة من المياه .
وقال جادو في تصريحات صحفية: إن "مصر دولة صحراوية، تعاني من ندرة المياه، وتعتمد على مياه النيل بشكل أساسي في الزراعة والصناعة والشرب بنسبة 98%، وتستهلك الزراعة وحدها 85% من المياه، ومساحة الأرض الزراعية منذ 10 سنوات لا تزيد عن 10 ملايين فدان، وكان يفترض مع زيادة عدد السكان بنحو 20% أن تزيد الرقعة الزراعية بنفس الزيادة" .
وكشف أن الأضرار المادية من سد النهضة تصل إلى مليارات الدولارات، مؤكدا أنه لا يوجد إحصاء دقيق لحجم الخسائر من إنشاء سد النهضة وتخزين المياه، لكن يجب أن نعلم أن كل طن قمح وذرة وأرز يتم استيراده من الخارج، وكان يمكن زراعته في مصر هو خسارة مادية .
وأضاف جادو إن إنشاء العديد من محطات معالجة وتحلية المياه بعشرات مليارات الجنيهات كلها أضرار مادية لتقليل أثر تخزين المياه الذي سوف يستمر لسنوات طويلة .