تقرير وكالة “بلومبرج” الأمريكية المنشور الخميس 28 سبتمبر 2023م، يؤكد أن حالة من التردد والشكوك تسود الأسواق العالمية فيما يتعلق بمسألة ممنح نظام الدكتاتورعبدالفتاح السيسي قروضا جديدة لمواجهة الأزمة الاقتصادية في ظل تصنيف مصر كثاني أكثر الدول عرضة للتخلف عن سداد الديون بعد أوكرانيا، بعدما تم وضع القاهرة على قائمة المراجعة السلبية نتيجةً للصعوبات التي يواجهها بائعو السندات الحكومية في استرداد العملة الأجنبية.
حسب تقرير “بلومبرج”، فإن مصرف “جي بي مورجان تشيس” يحتاج فترةً تتراوح من ثلاثة إلى ستة أشهر حتى يقيّم أهلية مصر للبقاء على مؤشر سندات المصرف. أما صندوق النقد الدولي فهو من أكثر الجهات تردداً على الإطلاق، بعد نحو عامٍ من موافقته على منح حكومة السيسي حزمة إنقاذ بقيمة 3 مليارات دولار. إذ كان من المتوقع إجراء المراجعة الأولى للقرض في مارس 2023، لكنها لم تجر بعد. وأضافت الوكالة: “لا شك في أن تأخير مراجعة صندوق النقد الدولي يعد مسألةً خطيرة بالنسبة لحكومة عاجزة عن الوصول إلى أسواق رأس المال الخارجية، وصارت الآن عاجزةً عن الحصول على الشريحة التالية من قرض صندوق النقد الدولي”.
ومن أسباب تردد جهات التمويل والإقراض خسارة ديون مصر الدولارية نحو 9.7% من قيمتها في العام الجاري، وهو أسوأ أداءٍ بين الأسواق الناشئة بعد بوليفيا والإكوادور وفقاً لمؤشرات Bloomberg. فيما بقي سعر الجنيه أمام الدولار ثابتا خلال الشهور الست الماضية بعد سلسلة تخفيضات في 2022م، ليحافظ الجنيه في المصارف على سعر أعلى من سعر السوق السوداء المحلية.
وفي ظل غياب أي قواعد للتعامل مع واحدةٍ من أكبر فترات البيع الجماعي داخل الأسواق الناشئة، يشعر مستثمرو السندات المصرية ـ حسب بلومبرج ـ بالشك في قدرة الدولة التي تمر بضائقة مالية على أن تحصل على الأموال التي تحتاجها، فضلاً عن القلق حيال تخصيص رؤوس أموالهم لبلدٍ تُنفق حكومته نحو نصف إيراداتها لسداد فوائد القروض. وتواجه مصر في هذه الأثناء خطر حدوث فجوة تمويل تراكمية تتجاوز الـ11 مليار دولار على مدار السنوات الخمس المقبلة، وفقاً لمصرف غولدمان ساكس.
التقرير يربط بين مسرحية الانتخابات الرئاسية المرتقبة والتي من المتوقع أن يترشح فيها السيسي لولاية ثالثة حتى منتصف 2030م، والتقدم البطيء الذي تحرره الحكومة على صعيد الوفاء بشروط قرض الصندوق بما يحرم الحكومة من الدعم، فالانتخابات تزيد تعقيد الأوضاع في ظل خشية السيسي من عدم احتمال الشعب ارتفاع الأسعار ثانية نتيجة تخفيض جديد لقيمة الجنيه.
يأتي هذا خلال وقت يُعتبر فيه جمع المال عمليةً باهظة التكلفة بالنسبة لمقترضي سندات العائد المرتفع الأكثر مخاطرة، مع عزم الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي على إبقاء أسعار الفائدة مرتفعةً لوقتٍ أطول. لكن التقرير يشير إلى أن الصندوق ينتظر من السيسي أن يفي بالشروط والوعود وتنفيذ “الإصلاحات!” ومنها الانتقال إلى نظام سعر صرف مرن في أعقاب مسرحية الانتخابات. وقد أوضح المتحدث باسم الصندوق أنهم سيعلنون التحديثات حول مصر في وقتها المناسب. ووفقاً لغوردون باورز، محلل شركة Columbia Threadneedle Investments في لندن، فإن فوز السيسي بولاية ثالثة يؤمن إمكانية التغلب على القيود السياسية التي تعيق التحول إلى سعر صرف أكثر مرونة. في إشارة إلى تخفيض الجنيه من جديد في مرحلة ما بعد الانتهاء من مسرحية الانتخابات.
إلى جانب تعويم الجنيه من جديد في اعقاب الانتخابات، يتوقع صندوق النقد الدولي أن يحقق السيسي مزيدا من التقدم على صعيد بيع أصول الدولة، وينقل “بلومبرج” عن مصادر مطلعة وجود قناعة لدى صندوق النقد الدولي بأن السلطات باتت أكثر جدية في تنفيذ خطة الخصخصة الطموحة. لكن الحكومة لم تجمع حتى الآن ما يكفي من النقد الأجنبي لتخفيف الأزمة وتصفية الطلب المتراكم على الدولار، سواءً من المستوردين أو الشركات الأخرى.
وتظل المخاوف حيال إخفاق مصر في الوفاء بديونها تشغل بال المستثمرين. إذ أفادت بيانات بلومبرج بأن الحكومة يتعين عليها سداد أكثر من 45 مليار دولار نظير قروض وفوائد سندات اليوروبوند على مدار العقد المقبل.
وخلال لقاء عقد السبت 9 سبتمبر 2023م، بالمجلس الأعلى للإعلام، قال وزير المالية بحكومة الانقلاب الدكتور محمد معيط إن مصر سددت التزامات خارجية خلال العامين الماليين الماضي والسابق له (2021/2022 ــ 2022/2023) بقيمة 52 مليار دولار بخلاف 22 مليار دولار قيمة الاموال الساخنة على الرغم من التحديات الاقتصادية. معنى ذلك أن الحكومة سددت نحو 74 مليار دولار في سنتين فقط؛ لكن العجيب أن حجم الديون لم يتراجع مطلقا بل ارتفاع في مارس 2023م إلى 165 مليار دولار!
وفي نبرة ساخرة، كتب المحلل الاقتصادي تيموثي إي كالداس على صفحته على إكس: “وفقًا لتحليل بلومبيرج، تعد مصر ثاني أكثر الدول عرضة على وجه الأرض لأزمة الديون. والدولة الوحيدة الأكثر عرضة للخطر هي أوكرانيا”. وتابع معلقا: “لقد تم غزو أوكرانيا من قبل الجيش الروسي في حين تم غزو الاقتصاد المصري من قبل جيشها”!
واقترب مستوى التضخم في مصر في أغسطس 2023، من 40 بالمئة على أساس سنوي. وجاء في بيان صادر، عن الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، أن التضخم السنوي صعد إلى 39.7 بالمئة في أغسطس الماضي، من 38.2 بالمئة خلال يوليو السابق له. وعلى أساس شهري، صعد التضخم خلال الشهر الماضي بنسبة 1.6 بالمئة، مقارنة مع يوليو السابق له. وتعتبر أسعار المستهلك المسجلة الشهر الماضي، الأعلى منذ أكثر من 40 عاما على الأقل، بحسب أرشيف أسعار المستهلك المنشور على موقع الإحصاء المصري. ولا تزال الأسواق المحلية، متأثرة بخفض سعر صرف الجنيه أمام الدولار، منذ العام الماضي، والذي انعكس على أسعار الاستيراد من الخارج إلى جانب ارتفاع كلفة الإنتاج محليا. ومنذ مارس 2022، خفضت مصر سعر صرف الجنيه ثلاث مرات، من متوسط 15.7 جنيها أمام الدولار الواحد، ليستقر حاليا ـ منتصف سبتمبر 2023 ـ عند 30.9 جنيها.