بعد فشل التفويض للتعامل مع غزة.. السيسي يبحث عن ترميم شعبيته المنهارة

- ‎فيتقارير

 

ضمن المواقف المضطربة للسيسي تعاطيه مع قضايا الأمن القومي بطريقة عشوائية غير مدرك لما يقول، كما بدأ في تصريحه الداعي للاحتلال لتهجير الفلسطينيين إلى صحراء النقب، ممرا مسألة تهجير الشعب الفلسطيني، رغم رفضه تهجيرهم إلى سيناء، بداعي أن ذلك يصفي القضية الفلسطينية من الأساس، ولكنه يقبل بنقلهم لمنطقة أخرى في شتات جديد، وهو نفس المنطق الذي يستدعي فيه السيسي المصريين للخروج لتظاهرات شعبية في مناطق يحددها النظام لمنحه تفويضا شعبيا للتعامل مع قضية غزة وحفظ الأمن القومي المصري.

وكأن الامن القومي والحفاظ على أمن مصر يحتاج تفويضا من أحد لمن يقوم بمهة رئيس الجمهورية الذي نسي ميكانيزمات الحكم ولم يتعود عليها، خاصة فيما يخص الخلافات المصري الإسرائيلية، التي لم يكن يتصورها أبدا، في ظل علاقاته الحميمية مع الكيان الغاصب،  وعمالته لإسرائيل بل وعمله وفق الأجندة الإسرائيلية في المنطقة، لدرجة وصلت لتصويت مصر إلى جانب إسرائيلي المنظمات الدولية والأمم المتحدة، بل وسماح السيسي نفسه للطيران الإسرائيلي لينفذ عملية عسكرية في سيناء خلف الجيش المصري نفسه، فإذا به يقع في مواجهة مباشرة مع إسرائيل.

 ويأتي طلب السيسي للتفويض الشعبي، بعد تأكده وأجهزته السياسية والأمنية، بانهيار  شعبيته  بصورة حادة في الداخل المصري، خاصة قبل مسرحية الانتخابات الرئاسية المزمعة الشهر المقبل.

ولعل أبرز مصادر شعبية وشرعية أي نظام تنبع من انحيازه للقضايا الاستراتيجية للأمة العربية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.

وقد استغرب كثير من المتابعين والمراقبين من طلب السيسي تفويضا للقيام بمهامه، فقال أحد حواري السيسي وأساطين إعلامه المخابراتي، الإعلامي والصحفي، محمد علي خير، على “فيسبوك”: “سيدي الرئيس، لست بحاجة إلى تفويض شعبي لحماية أمننا القومي، لأنكم رئيس منتخب، والدستور يمنحكم صلاحيات واسعة لدرء الخطر عن مصر، أنتم القائد الأعلى للقوات المسلحة وبحكم هذا المنصب ستحمون الوطن”.

وهو نقد خفي للسيسي، الذي يسعى لتصدير الشعب للمشهد ، بدلا من أن يتخذ بنفسه قرارات حاسمة بدعم الشعب الفلسطيني أو فتح معبر رفح  بالقوة، والذي يتحكم فيه نتانياهو بالأمر.

ويعبر طلب السيسي التفويض الشعبي، عن أنه تناسى معرفته بأن الحفاظ على الأمن القومي المصري، من مهام المؤسسة العسكرية المصرية والنظام السياسي الحاكم.

كما أن السيسي أحد أفراد هذه المؤسسة، ومرشحها الرئاسي، ومن ثم فإن الحديث عن تفويض الرئيس لحماية الأمن القومي المصري، يعتبر موقفا يثير الدهشة والاستغراب، وعدم الثقة في أن واحدا بجيشه ونظامه الذي يبدو أنه مفكك ولا يتجمع إلا على المصالح والبزنس فقط، وقد أزال من سيستمه الداخلي خيار المواجهة العسكرية أو التهديد بها.

وهو ما يؤكده السيسي نفسه ونظامه مجرد الحديث عن استعمال القوة العسكرية ضد سد النهضة الأثيوبي في وقت سابق، وهو ما منح أثيوبيا الضوء الأخضر لإكمال ملء السد للمرة الرابعة ، وحتى الآن دون الاستجابة للمطالب المصرية، أو احترام خصوصية مصر وحصصها التاريخية بمياه النيل، وهو ما يدفع المصريون ثمنه غاليا الآن بارتفاع أسعار الغذاء والمياه وغيرها ، والتي باتت أكثر تكلفة وتعتمد على الاستيراد بالدولار الشحيح بالأساس.

والغريب أن السيسي لم يطلب تفويض الشعب أو استشارته في قضايا مصيرية أضرت بالأمن القومي المصري بصورة أشد وأكبر، كما جرى ببيع جزيرتي تيران وصنافير للسعودية مقابل  الدولارات والرز الخليجي، بل حينما خرج الشعب ليتظاهر ضد البيع، اعتقلت قوات السيسي الناس وألقت بالمصريين في السجون لسنوات، واتهمتهم بالإرهاب.

 

كما لم يطلب السيسي تفويضا من الشعب أو استشارة حينما وقع اتفاقية المبادئ في مارس 2015 مع أثيوبيا والسودان بما سمح لأثيوبيا ببناء سد النهضة وجلب تمويلات له من كل دول العالم ليخنق مصر ، ويخصم من حصتها المائية لأول مرة في التاريخ.

كما لم يطلب السيسي تفويضا حينما منح قبرص واليونان مساحات كبيرة في البحر المتوسط تتجاوز مساحة دلتا مصر، نكاية في تركيا بداعي ترسيم الحدود البحرية، وذلك على الرغم من تقديم تركيا وثائق تاريخية لمصر تفيدها في أي تحكيم دولي وتمنحها مساحات إضافية في مياه البحر المتوسط، إلا أن السيسي عاند، حتى أجهزىه السيادية، حيث كانت وزارة الخارجية المصرية وإدارتها القانونية تذهب لاتخاذ موقف بناء على الوثائق التركية، السيسي رفض من أجل العناد الشخصي مع تركيا فقط وأضاع مساحات واسعة من مياه مصر الاقتصادية ومنحها خالصة لقبرص واليونان، وهو ما مكن اليونان وقبرص بتمرير خط أنانبيب نقل الغاز إلى أوروبا بعيدا عن الأراضي التي كانت مصرية، وخسرت مصر مرتين، بل منح ذلك الترسيم الانفراد بحقول غاز ليفثيان  وافروديت، والتي تستورد مصر منها الغاز الآن.

 
كل ذلك يطرح تساؤلا محوريا الآن، هو، لماذا يتم استدعاء الشعب اليوم، وهو ما لم يحدث حين تم التنازل عن تيران وصنافير للسعودية، وعند التوقيع على اتفاق المبادئ مع إثيوبيا بسد النهضة، وكذلك عند اتخاذ سياسات كان لها تأثير سلبي على الحياة اليومية للمصريين؟.

 
وكانت الأجهزة الأمنية المصرية، أصدرت  إلى مؤسسات صحفية ونقابية وحزبية، لحشد المواطنين اليوم بعد صلاة الجمعة للتظاهر، دعما للقيادة السياسية في موقفها من الأحداث في غزة.
 

ونشر صحفيون وإعلاميون مقربون من الأجهزة الأمنية في مصر، ما وصفوه بـتفويض لعبد الفتاح السيسي، صيغته كالتالي: “أفوض أنا المواطن المصري/.. الرئيس عبد الفتاح السيسي في حماية أرض مصر من المخاطر والحرب مع إسرائيل وإنهاء مسيرة سلام استمرت عقودا، وحماية سيناء من مخطط تحويلها لمسرح حرب وعمليات عسكرية، وحماية الفلسطينيين ببقائهم على أرضهم، فلا أرض بلا شعب، وحماية القضية الفلسطينية من الاندثار إلى الأبد حال تهجيرهم إلى مصر والأردن”.

كما دعا مجلس أمناء الحوار الوطني، أول من أمس الأربعاء، لحشد شعبي اليوم، أمام نُصب “الجندي المجهول” في مدينة نصر بالقاهرة، مضيفا في بيان أن هذا الاحتشاد سيكون رسالة واضحة للجميع بأن شعب مصر يقف صفا واحدا دفاعا عن أمن ومصالح وطنه، وداعما بلا حدود لكل قضايا أمته العربية وعلى رأسها القضية الفلسطينية.

 

ووفق تقديرات استراتيجية، فإن السيسي لا يخشى سوى مواجهة أمنية وعسكرية مباشرة مع إسرائيل، في حال نقل  فلسطيني غزة إلى سيناء، إذ إن الصراع والمواجهة بين الفلسطينيين وإسرائيل ستنقل إلى سيناء، التي ستصبح قاعدة عمليات لحماس انطلاقا، الموجودة في جذور المجتمع الغزاوي، فإذا حصل تهجير لمئات الأفراد، فحماس ستكون جزءا منهم، سواء كانوا سياسيين أو عسكريين.

وهو ما يعني تكليف مصر بالعمل كشرطي لإسرائيل، وفي حال اندلاع صراع من جديد ستكون الأرض المصرية مستهدفة من قبل إسرائيل.
 

ولعل السبب الأبرز لغضب السيسي من تنفيذ مخطط إسرائيل وواشنطن بتهجير الفلسطينيين إلى سيناء، أنه يتم هذه المرة بلا حوافز أو وعود اقتصادية ومالية، حيث كان السيسي قد وافق في 2017  و2018 على صفقة القرن مع أمريكا والتي تقضي بمنح مصر  نحو 259 مليار دولار، لتنفيذ مشاريع اقتصادية واستثمارية وبنية تحتية في سيناء لاستيعاب ملايين المصريين، الذين كان مخططا لهم السماح بدخولهم كعمال أولا، قبل توطينهم رسميا، ولكن تأجل المشروع لأسباب خارجية، وترتيبات لوجسنتية ، أما الآن فتسعى إسرائيل ومن ورائها أمريكا لفرض الصفقة بلا شروط وبلا منافع اقتصادية وبلا ثمن يقبضه السيسي.

ولعل ما يدلل على ذلك حديث مصطفى الفقي للإعلامي شريف عامر، حول الصفقة ، وهو الفيديو الذي حذف من على اليوتيوب، إلا أن قناة مكملين أذاعته من تسجيل تلفزيوني، قال خلاله الفقي إنه يمكن منح الفلسطينيين نحو 15 كلم كشريط على الحدود المصرية مقابل تعهد أمريكا بإسقاط كل ديون مصر والتعهد بضمان حصص مصر المائية  فيما يخص سد النهضة وبعض المساعدات الاقتصادية الأخرى، وسدا للذرائع ، قال الفقي على أن تكون تلك المنطقة من حدود مصر ولا يطلق عليه فلسطين وإنما تكون ضمن أراضي مصر، مستشهدا بأن مصر كانت تشرف على غزة في أوقات سابقة من التاريخ الحديث.

وهو ما يؤكد أنه داخل النظام المصري أطرافا تقبل بالتهجير وقبض الثمن، فيما بعض الوطنيين يرفضون الأمر، ليس من ضمنهم السيسي، وفق مقتضيات الواقع المشاهد.

 

مواقف الفلسطينيين الواضحة

وأمام موقف السيسي المتأرجح والباحث عن مصالحه وتوازنات، والذي أعطى الضوء الأخضر لإسرئيل بتهجير الفلسطينيين إلى النقب وليس سيناء، أعلنت حماس والمقاومة الفلسطينية جمعاء ثباتها في أراضيها التاريخية والمقدسة.

 
وقال رئيس حركة حماس في الخارج خالد مشعل: إن “الاحتلال الإسرائيلي تلقى هزة قاسية في عملية طوفان الأقصى يوم السابع من أكتوبر الجاري، جعلته مترددا في تنفيذ الاجتياح البري خوفا من مواجهة المقاومة”.

 
وأضاف مشعل خلال مشاركة إعلامية في بث تلفزيوني مشترك نظمته ست قنوات جزائرية حتى منتصف ليل الخميس- الجمعة، أن “الاحتلال الصهيوني متخوف من الحرب البرية، وكتائب القسام وقوات النخبة أفقدته صوابه”، مؤكدا أن “قواتنا على أتم الاستعداد ونحن قادرون على الصمود ومقاومة الاحتلال، لقد اقتربت ساعة الحقيقة والعدو يحاول أن يفرض أجندته”.
 

وحول خطط الاحتلال لإنهاء وجود حماس، قال مشعل: إن “حركة حماس والشعب الفلسطيني قدر الله على هذه الأرض”، مضيفا: “الاحتلال الصهيوني اهتز يوم 7 أكتوبر، لذلك هو  ينتقم من المدنيين جراء هزيمته في الميدان، غزة مدمرة وأكثر من 12 حيا والعديد من المساجد تم هدمها بالكامل، إنهم يدمرون البنيان ولا يدمرون الإرادة لدى الشعب الفلسطيني، صحيح أن الوضع صعب، لكن جرائم الكيان الصهيوني لم تؤثر في قوتنا”.